الاتحاد

دنيا

بدر العوضي: صوري تتحدث عن غموض نفسي

الفرق القائم بين البشر في درجة إتقان العمل أو الهواية هو الشغف والحب اللذان يحركان الإنسان ويدفعانه لإطلاق إبداعه، تحدث الجميع عن العمل وضغوطه وإحباطاته، وتحدث آخرون عن عشق هذا العمل وحبه اللذين بهما تناهض كل المعوقات مهما كانت عظمتها، هم أناس قلة لا يتذمرون ولا يكلون مما يقومون به، بل تزيدهم العقبات صموداً، عشقهم لعملهم يفيض على من حولهم فلا يتوانون عن مد يد العون للآخرين لمساعدتهم في نفس المجال، هم أناس قلة، لكنهم موجودون من حولنا، منهم المصور الهاوي بدر عبد الله العوضي، الذي اكتشف عالم التصوير وفتنته، فانهال يرتوي من كؤوس متعته. بدر العوضي خرج مع صديقه المولع بالتصوير نحو أماكن رحبة تمتع الناظر وتلهب الحماس لالتقاط بعض تفاصيل الحياة، خرج ولم يدرك أنَّ هذه الدرب هي التي سيسير فيها من غير رجعة، فمنذ أربع سنوات فقط أمسك بالكاميرا التي لم يكن من قبل على علاقة معها، ومن يومها لم يفارقها يوماً إلا في حالات الضرورة، حبه دفعه للبحث في مجال الصورة وتثقيف نفسه بنفسه بما تتيحه الكتب المطبوعة، وما تمنحه المواقع الإلكترونية من معلومات، إلى أن أصبح هو يعطي دروساً في التصوير.

بدأت التصوير فتخلى صديقي عنه

يقول بدر راوياً: قصتي مع التصوير لم تبدأ مبكراً، بحيث ترجع خيوطها الأولى إلى أربع سنوات فقط، وربما كانت لي عين تختلف عن عيون من هم في سني، وأنا بعد صغير، بحيث كنت أدقق في كل ما هو حولي، وأرى الأشياء بعين تختلف عن الباقين، لكن لم أتحسس موهبتي الساكنة في أعماقي، وفي يوم طلب مني صديقي المولع بالتصوير أن أرافقه في بعض رحلاته لالتقاط بعض الصور، وعندما وقفت معه على مشارف البيئة أطالع المكان وزواياه تحرك شيء بداخلي، أمسكت الكاميرا ومن يومها ظلت في يدي ولم تفارقني يوماً، ذهبت للبحث والتنقيب عن عالم التصوير وآلياته وأنواع الكاميرات وتفاصيلها كلها، شغفي بهذه الهواية دلل كل الصعاب أمامي، سرت في طريقي أبحث تاريخ التصوير وحاضره ومستجداته بينما صديقي الذي بدأت معه تخلى هو عن التصوير.

قناتي الخاصة

يتحدث العوضي بشغف كبير: التصوير هو تعبير عن المشاعر الداخلية، وهو أيضاً وصف لما يخالج صدري من أحاسيس ومشاعر، ربما أصادف حدثاً مؤثراً لا أحسن قراءة تفاصيله شفهياً، لكنني أستطيع ذلك عن طريق الكاميرا، فمثلاً عجوز يركنه الزمان في إحدى الزوايا يجلس يطالع العالم الذي تغير كثيراً من حواليه، ربما لا تكون لي القدرة على استفزاز مشاعره للحديث ثم سرد قصته الطويلة، ولكن أستطيع ذلك من خلال التقاط تفاصيل عيونه وقسمات وجهه ونظراته، هكذا أظهر ما لا يستطيع إخفاءه، وأتحدث عنه بطريقتي الخاصة. والتصوير وسيلة تخاطب الناس، وأعتبره قناتي الخاصة التي تكشف للمتلقي أفكاري، وصوري بها غموض أتعمد إقحامه في الصورة لأن الغموض يدفع الناس للبحث عن وضوح الكشف عن السر.

أتعلم دائماً

في كلام يماثل البوح يضيف العوضي: كل ما تعلمته هو نتاج اجتهاد شخصي، بحيث أعمل جاهداً على إشباع فضولي المعرفي بالبحث في هذا الميدان الفسيح لتطوير نفسي، كما أستفيد دائماً من انتقادات زملائي وأعتبرها مدرسة لصقل مهاراتي، بحيث لا أدفن نفسي في الرمال، وأنكب على نفسي وأقول إنني تعلمت كل شيء، بالعكس دائماً أنتظر ملاحظات من كل الزملاء لتوجيه طريقة عملي، لأن المنطق يقول إننا دائما نرى عيوب الآخرين ولا نرى عيوبنا، لهذا فصدري رحب دائماً لانتقاددات زملائي البناءة. أما عن الصعوبات فيقول بدر العوضي: كل ما يعترضنا من صعوبات ييسرها حب ما نقوم به، وفي البداية لم يكن هناك متسع من الوقت لصقل مهاراتي، بحيث كان هناك تضارب بين عملي الأصلي وبين هوايتي، لكن بتوالي الأيام عرفت كيف أرتب أجندة أعمالي، وبالتالي كل شيء أصبح يسيراً. ويتابع: يشهد التصوير في الإمارات خلال السنوات الخمس الأخيرة طفرة نوعية، وأصبحت ثقافة التصوير تأخذ حيزاً مهماً من اهتمامات القيمين عن هذا المجال.

وجوه ناطقة فمن يسمع؟!

يؤكد بدر العوضي: أهوى كل مجالات التصوير وفنونه، في البداية كان لي شغف بتعلم كل تفاصيله، وأصبحت أصور كل ما تأتي عيني عليه ويحرضني لاقتناصه، لكن مع توالي الأيام حركني شيء بداخلي وشعرت بميلي لتصوير البورتريه، بحيث أشعر أن الوجه وتفاصيله وما تحمله العيون يستحق أن نقف عنده ملياً، فهو يحمل تفاصيل حياة كلها مشبع بالمشاعر، ويفيض إحساساً، ولا فرق بين وجه العجوز ووجه الطفل إلا أن العجوز يحمل قصص حياته كلها في تفاصيل وجهه ونظرات عيونه، أما الطفل فتحمل عيناه البراءة والعفوية والإشعاع والإقبال على الحياة، يفصل بينهما خط رفيع يستحيل الإمساك به، والوجه هو من يعبر عن الدواخل من حزن وأسى وفرحة وزهوّ وافتخار، فنظرة العيون تقول أشياء والبسمة تقول أشياء أخرى، وكل تفاصيل الوجه ناطقة، فقد تنتظر من يقرأها وبإمعان، وربما أستطيع أنا ذلك بالكاميرا.

اقرأ أيضا