صحيفة الاتحاد

تقارير

التعليم... بند غائب في انتخابات الرئاسة الأميركية

قبل أن يصف السيناتور السابق "ريك سانتروم" أوباما بـ"التعالي والتكبر" الشهر الماضي لأنه يريد من كل الأميركيين أن يبلغوا مرحلة التعليم الجامعي، كان التعليم شبه غائب في حملة الانتخابات الرئاسية، حيث تم تخصيص 1 في المئة فقط من الوقت والأسئلة في المناظرات "الجمهورية" لموضوع المدارس منذ المنتدى الذي قمتُ بإدارته بنيويورك في أكتوبر الماضي حول التعليم. وهذا أمر غير معقول! فهل هناك أب أو مدير شركة في أميركا يعتقد أن التعليم يمثل 1 في المئة من الأجندة في عصر التنافس العالمي؟
الواقع أنه إذا لم يلح الناخبون على أن يولي المرشحون التعليم الاهتمام الذي يستحقه، فيمكن القول إن هذا سيكون موسماً سياسياً آخر يقدم فيه كلا الجانبين أفكاراً عديمة القيمة أو مغرقة في التبسيط دون أن يسعوا إلى الحصول على تفويض من أجل القيام بالإصلاحات الطموحة التي تحتاجها مدارسنا.
البحوث الجديدة تُظهر أن رُبع تلاميذ المرحلة الممتدة من رياض الأطفال إلى الصف الثاني عشر الـ 52 مليون في أميركا يضاهون متوسط الأداء في أفضل خمسة أنظمة تعليمية في العالم - الموجودة حالياً في سنغافورة، وهونج كونج، وفنلندا، وتايوان، وكوريا الجنوبية.
على أن الأدهى من ذلك هو أداء الولايات المتحدة في التعليم المتقدم للرياضيات والعلوم، والذي يُعد أفضل مؤشر على التفوق في الهندسة والعلوم ومحركَ النمو الاقتصادي في المستقبل.
فوفق بحث لجامعة هارفارد ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، هناك ستة عشر بلداً تُنتج على الأقل ضعف ما ننتجه من حيث النسبة المئوية لطلبة الرياضيات المتقدمة، علماً بأن الولايات المتحدة تنفق على المدارس أكثر مما تنفقه الدول الغنية كنسبة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي، ولكنها مع ذلك تحتل مركزاً بين وسط الترتيب ومؤخرته. وتقدِّر مؤسسة "ماكينزي" للاستشارات أن كلفة هذه الهوة من حيث التحصيل مقارنة مع دول أخرى تصل إلى تريليوني دولار سنوياً أي ما يعادل ركوداً وطنياً دائماً.
وهناك رأي منتشر على نطاق واسع يذهب إلى أن التعليم لا يصلح ليكون موضوعاً مركزياً في الحملات الرئاسية. أما ما تبقى من حديث محتشم حول هذا الموضوع، فيهدف إما إلى تعزيز دعم النقابات (بين الديمقراطيين) أو إبراز "التعاطف" تجاه الناخبين المستقلين (بين الجمهوريين). وفي هذه الأثناء، تنظر البلدان التي تتفوق علينا تعليمياً إلى التعليم باعتباره مركزياً بالنسبة لنجاحها.
ولذلك، يتعين على الأميركيين أن يطالبوا المرشحين الرئاسيين بتقديم أفكار ملموسة حول كيفية إعداد أطفالنا حتى يكونوا ناجحين ومتفوقين في عصر معولم. ومن شأن نقاش حقيقي حول هذا الموضوع أن يرغم كل من يسعى وراء البيت الأبيض على شرح كيف يعتزم القيام بثلاثة أشياء:
1 - تسريع المعايير المشتركة، فمعظم منافسينا الصناعيين لديهم معايير وطنية صارمة في التعليم، في حين أن الولايات المتحدة لديها خليط من المعايير التي تعد غير كافية عموماً، والتي تختلف توقعاتها بخصوص تعلم الطلبة بشكل كبير حسب المنطقة التي يعيش فيه الأطفال. وبالمثل، فإن نظام المحاسبة الذي أُنشئ بموجب الإصلاح التعليمي لعام 2001 أوكلَ مهمةَ وضع المعايير للولايات، والنتيجة كانت ما يعتبره الكثيرون "سباقاً نحو القاع" في وقت قامت فيه بعض الولايات بتبسيط وتخفيف الشروط والمعايير للإيهام بأن ثمة تقدم.
2 - الرقي بالتعليم إلى المهنية: هناك شبه إجماع على أن التعليم الفعال يمثل أقوى طريقة لتحسين أداء الطلبة، لكننا غير جادين كبلد بشأن جعل التعليم مهنة جذابة. فعلى سبيل المثال، تقوم فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية بتعيين 100 في المئة من معلميها من خيرة طلبة المرحلتين الثانوية والجامعية، ويتلقى معلموها تدريباً في مؤسسات مرموقة لا تقبل سوى واحد من كل سبعة أو ثمانية مرشحين.
هذا في حين أن 23 في المئة من المعلمين الأميركيين الجدد يشكلون نسبة ضئيلة من الطلاب، كما أن معلمينا يتلقون تدريبهم في الغالب في مؤسسات التسجيل فيها متاح للجميع ويُنظر إليها على أنها من الدرجة الثانية. وعلاوة على ذلك، فإن الأجور الهزيلة وظروف العمل الصعبة ترغم العناصر الجيدة على مغادرة قاعة الدرس في غضون بضع سنوات. كما أن العقلية النقابية تجعل من مكافأة التميز والتفوق وتشجيع المحاسبة أمراً أكثر صعوبة.
3 - تشجيع الاختيار والابتكار، بغض النظر عما إن كان أداء مدرسة عامة جيداً أو سيئاً، إلا أنها بشكل عام تبقي على الطلاب في ذلك الحي، وذلك لأنه ليس لدى معظم العائلات حل آخر. والحال أن هذا الاحتكار لا يتيح حافزاً للابتكار وتحسين الأداء والفعالية - وهو أمر مهم وأساسي بالنسبة للمدارس العامة مثلما لغيرها. فالعائلات التي لديها إمكانيات أكبر تستطيع اختيار مدارس خاصة، أو الانتقال إلى مدينة أخرى، أو الإبحار عبر النظام. غير أن العائلات الأقل حظاً تظل عالقة.
وبالتالي، فمن أجل تشجيع الاختيار والابتكار، علينا أن نوفر عدالة حقيقية في التمويل وأن نضمن أن المال يتجه نحو الأطفالَ، وليس المدارس، وذلك لأن التمويل الذي يركز على الطفل من شأنه أن يمنح المعلمين القدرةَ على إعادة تخيل كيفية قيام المعلمين والطلاب بعملهم، والتنافس لخدمة العائلات بوسائل تستفيد من تكنولوجيات التعلم الجديدة على نحو مبتكر. والواقع أنه مازال ثمة وقت من أجل نقاش حقيقي حول سبل تحسين مدارسنا، ولكن الرهان أكبر من أن نترك الابتذال والتفاهة يحلان محل الدعوة إلى التحرك وتلبية احتياجات أنظمتنا التعليمية.

جويل كلاين
رئيس سابق لدائرة التعليم في مدينة نيويورك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»