الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
إلياس خوري: الإنسانية لا تورث وأتعلم من الناس لغة الكلام
إلياس خوري: الإنسانية لا تورث وأتعلم من الناس لغة الكلام
2 أغسطس 2005

بيروت ـ ميرفت دهّان:
ولد الكاتب اللبناني إلياس خوري في بيروت سنة ،1948 وهي السنة ذاتها التي نكبت فيها فلسطين بإعلان الدولة الصهيونية على أراضيها· وربما شكلت هذه الصدفة قدراً لارتباط الكاتب في مختلف مراحل حياته وعمله وكتاباته بفلسطين وبالقومية العربية، فمن عمله سكرتيرا لتحرير مجلة (شؤون فلسطينية)، إلى عمله مدير تحرير مجلة (الكرمل)، كما شارك في هيئة تحرير مجلة (مواقف)، وساهم في تحرير مجلة (الطريق)· وبين عامي 1983 -1990 عمل مديرا لتحرير القسم الثقافي لجريدة (السفير) اللبنانية· وخلال السنوات الست الماضية، عمل مديرا فنيا لـ (مسرح بيروت)· درّس في جامعتي كولومبيا ونيويورك في أميركا وفي الجامعتين اللبنانية والأميركية في بيروت· ومن أعماله: 'عن علاقات الدائرة، الجبل الصغير، أبواب المدينة، الوجوه البيضاء، المبتدأ والخبر، رحلة غاندي الصغير، مملكة الغرباء، مجمع الأسرار، رائحة الصابون'، وباب الشمس، التي حولت إلى فيلم تحت العنوان نفسه ونالت أكبر جائزة أدبية فلسطينية· ترجمت أعماله إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية والسويدية، كما صدر له عدد من الدراسات النقدية منها: (تجربة البحث عن أفق) في ،1974 (دراسات في نقد الشعر) ،1979 (الذاكرة المفقودة) ،1982 و(زمن الاحتلال) ·1985 ويعمل حالياً رئيساً لتحرير'الملحق الثقافي' لجريدة النهار في بيروت·
الاتحاد حاورته وهذا نص الحوار:
؟ مقاربة الرواية العربية للموضوع الفلسطيني وللموضوع القومي هو مدار تجارب روائية برمتها، وتجربتك الروائية تحمل في حروفها الهمّ القومي وفلسطين أصبحت جسداً تمددت عليه رواياتك، ما التفسير؟ وهل هناك رابط بين بحثك عنها في رواياتك وبين ولادتك التي كانت في السنة التي ضاعت فيها فلسطين؟
؟؟ أنا لا أحب استخدام تعبير الهمّ القومي، وبالنسبة لي كان الموضوع الفلسطيني في أساس وعيي الثقافي، وهذا ناتج عن مجموعة من العوامل وأهمها أن فلسطين هي انتماء لفكرة العدالة اليوم· وهذا قادني مبكراً إلى التعرف على الأدب الفلسطيني، وخاصة أدب غسان كنفاني، ثم قادني إلى العمل مع الفلسطينيين في المخيمات وإلى الالتزام بالقضية الفلسطينية· وهذا ارتبط بعملي لأن أول عمل لي أعطيته لمركز الأبحاث الفلسطيني، وسمحت لي الظروف أن أعمل في مجلة شؤون فلسطينية مع محمود درويش، ومنذ البداية كان أحد همومي الأساسية هو كيف نقرأ فلسطين بوصفها جرحاً إنسانياً وكيف نذهب إلى أعماق التجربة الإنسانية في هذه القضية· بعد ذلك انشبكت قضية فلسطين بتاريخ لبنان المعاصر، فمنذ عام 1968 اختلط التاريخان اللبناني والفلسطيني وكانت تجربة الحرب الأهلية المأساوية، وكان كل ذلك سبباً كي أكتشف المعالم الإنسانية التي تتبلور في المآسي الكبرى وأن أحاول الاقتراب من أسئلة الموت والحياة وأن أكتب روايات· وبالطبع الكتابة هي عمل أدبي وليست ممارسة سياسية على الإطلاق ومن الخطأ قراءتها بهذه الصفة لأن الأدب يحتمل تأملات وقراءات متعددة المستويات ولأن الأدب يستطيع أن يتجاوز قشرة الواقع كي يذهب إلى الأسئلة الإنسانية العميقة·
رحلة النقد
؟ في كتابك النقدي 'تجربة البحث عن أفق' الذي نشرته في العام 1974 مصطلحات لا تزال دائرة في درس الرواية العربية مثل، وعي الذات والمصالحة التدميرية، أين وصلت رحلة النقد في عالمنا العربي في زمن تتوالد فيه الروايات بشكل كثيف؟
؟؟ أنا أخذت قراراً بالتوقف عن كتابة النقد الأدبي لأنني اكتشفت أنني لا أستطيع أن أتابع البحث في اتجاهين مختلفين وهو كتابة الرواية وكتابة النقد، وكان عليّ أن أختار فنشرت كتابي النقدي الأخير 'الذاكرة المفقودة' 1982 وتوقفت عن كتابة النقد· وأعتبر أن النقد عمل أساسي ومهم لأنه بدون النقد لا نستطيع تبويب الرواية ولا نستطيع أن نقيّم الرواية، وأنا لا أستطيع أن أتخيل النقد العربي من دون ابن قدامة وابن حازم القرطاجني وغيرهم من الذين صاغوا نظرية الشعرية العربية وصاغوا القوانين الأساسية للأدب العربي الكلاسيكي· نلاحظ أن التجربة النقدية المعاصرة لم تستطع أن تنتج حتى الآن نظرية للنقد في الأدب العربي الحديث بالطبع هناك تجارب مثل، طه حسين، خالدة سعيد، كمال ديب، وصولاً إلى سلمى الجيوسي· وتجربة الشعر الحديث ما تزال تفتقر إلى نظريتها أي إلى الناقد الذي يبوب ويضيف ويستنتج القوانين يعني قوانين التفعيلة وقوانين القافية الجديدة وقصيدة النثر، وربما كانت دراسات الرواية أكثر فقراً من دراسة الشعر لأنها في معظمها تقوم بترجمة مقولات الأدب الأوروبي ولا تبذل جهداً حقيقياً من أجل استنباط آليات الأسلوبية التي تصنعها الرواية العربية المعاصرة وخصوصاً ما يمكن أن نسميه بالرواية ما بعد المحفوظية وهي رواية تجريبية، وأعتقد أننا وصلنا إلى أعماق أدبية جديدة وإلى أساليب مبتكرة لم يعرفها الأدب العربي الحديث من قبل· هذا النقص يعود في رأيي إلى انهيار الجامعة في العالم العربي فالجامعات تحولت إلى أن تكون أشبه بالمدارس الثانوية، أي أنها لا تنتج فكراً ولا ثقافة وليست مكاناً للإبداع وهذا بالطبع مرتبط بطبيعة الأنظمة الديكتاتورية العربية وبطبيعة الانهيار الذي صاحب تجربة الحداثة السياسية في العالم العربي منذ هزيمة الخامس من حزيران عام ·1967
الترجمة والعالمية
؟ معظم رواياتك ترجمت إلى الإنكليزية والفرنسية وأخيراً نشرت روايتك الشهيرة 'باب الشمس' بالعبرية، هل من شروط خاصة لترجمة أعمال الكاتب؟ وهل تضع أدبه في مصاف الأدب العالمي؟
؟؟ اختيار الكاتب للترجمة لا يقوم به الكاتب إنما دور النشر في العالم وفق معايير مختلفة، وفي زمننا الراهن أن لا تكون مترجماً فهذا ليس علامة نجاح أدبي على الأقل لأننا في زمن العولمة وفي زمن أصبحت فيه الترجمة أسهل ومطلوبة· بالطبع عندما يترجم نص أدبي من لغة إلى لغة يكون ذلك بحسب حاجة اللغة التي ترجم إليها، وقد تعود آليات الترجمة إلى عوامل اجتماعية، فهناك النقد الفرنسي الذي ترجم ثلاثية نجيب محفوظ بوصفها كتبت بأسلوب الرواية الفرنسية التي رائدها بلزاك· والرواية تترجم إما لأسباب اجتماعية أو سياسية، أو أن هناك الآن موضة الرواية النسائية، وأنا قد أكون ترجمت لأسباب أدبية وأتمنى ذلك بالطبع حتى في اللغة العربية· الترجمة أمر لا يقرره الكاتب بل الآخرون، وبالتالي الكاتب كشخص هامشي وغير مهم في مسألة الترجمة لأن المهم هو العمل الأدبي نفسه·
كتابة تشبه الانتفاضة
؟ في تقديمه للترجمة الإنكليزية لرواية 'الجبل الصغير' كتب الراحل ادوارد سعيد، أن كتابتك تشبه الانتفاضة الفلسطينية، وأنك تسير جنباً إلى جنب مع محمود درويش، ما رأيك بما كتبه، وفي رؤيته لروايتك في صورة شعر محمود درويش؟
؟؟ أنا أحب ادوارد سعيد، وهو صديق كبير وأعتز أنه كان صديقي ولا يزال، وعندما أشتاق له أقرأه وأحكي معه· والحقيقة أن ادوارد كتب عني عندما كنّا في بداية هذه الصداقة، وأهم نقطة في تقديري تمثلت في مقارنتي بنجيب محفوظ وهي نقطة أعطتني ثقة كبيرة بالنفس وحمّلتني شعوراً كبيراً بالمسؤولية، بمعنى أن أكون على قدر توقعات كاتب كبير مثل ادوارد سعيد، الذي أعتبره أستاذي وأرى أنه أهم ناقد معاصر في العالم وليس عند العرب تحديداً وأعيد قراءته لأتعلم منه وأستمتع بهذا الذكاء الخارق الذي لا مثيل له ولم أعرف شخصاً يتوقد ذكاء أكثر منه· أما بخصوص رأيه في كتابتي أو روايتي فقد رأى إدوارد سعيد أنه يوجد وجه للمقارنة بالوجه العام بيني وبين محمود درويش، وأنا لم أستمع إلى أي قراءة تقارن بيني وبينه· بالنسبة لي أعتبر محمود درويش أهم شاعر عربي، وهو صديقي وأنا كتبت كثيراً عن شعره وأعتقد أن هناك فرقا كبيرا بين ما أكتبه وبين ما يكتبه محمود درويش وهذا لا يتعلق بالاختلاف بين الرواية والشعر، الشعر يلخص العالم والرواية تنثر العالم، هناك شعرية في الرواية مثل ما كتب باختين وهناك نثر في الشعر، ولكن نحن أمام مفترقين، الرواية تجمع التفاصيل وتصنع البنية الدرامية بين العلاقات الإنسانية وتكتب التاريخ الذي لم يكتب، والشعر نعمة وهو موسيقى اللغة وأرقى الفنون والموسيقى لا يبحث الإنسان عن معناها فقط لكنه يبحث عن تأثيرها في روحه، وإذاً نحن أمام فنين مختلفين وإن رأيت أن هناك تقاطعات بينهما فهو لمصلحة الرواية والرواية تكون نجحت في أن ترتقي بالنثر إلى مصاف الشعر·
باب الشمس
*روايتك 'باب الشمس' التي تحولت إلى فيلم طويل باسم 'باب الشمس' أخرجه المصري يسري نصر الله وشاركت في كتابة السيناريو، من واقع هذه التجربة هل ترى أن شروط الكتابة الروائية تماثل الكتابة السينمائية؟
** أتبنى هنا رأي يسري نصر الله فهو يقول: إن الروايات الصالحة للتحول بسهولة إلى أفلام هي الروايات الرديئة لأن عقدتها بسيطة وسردها بسيط، لكنه لم يختر 'باب الشمس' لأنها رديئة إنما لأنه كان يبحث عن حكاية فلسطينية· وكان من الصعب جداً تحويل هذه الحكاية إلى سرد سينمائي لأن أسلوبها دائري وقائم على مئات الحكايات المترابطة· وكان علينا أن نكسر السرد ونحوله إلى سرد تعاقبي من أجل التقاط أحد الخيوط التي نستطيع من خلالها تحويل الرواية إلى فيلم، والرواية تحتمل عددا كبيرا من القراءات وأنا سعيد أن تتحول إلى فيلم، وسعيد أنه بذل جهداً كبيراً ليحولها إلى فيلم، ولأول مرة تصور نكبة فلسطين في السينما· وهو حدث مهم على المستوى البصري وبالطبع أنا أعتقد أن الجهد الذي بذلته في الرواية من أجل تجميع الحكاية الفلسطينية وكتابة النكبة لأول مرة في العالم العربي كان كبيراً، وهذا المجهود يستحق أن يقرأ بأكثر من شكل وقد جرت محاولة مسرحة 'باب الشمس' في مسرح القصبة في رام الله، وقراءة 'باب الشمس' ثم كتابتها من جديد ثم فتح باب النكبة الفلسطينية من أجل قراءتها من جديد أرى أنها ضرورة سياسية وعربية أيضاً·
بين القارئ والكاتب
؟ هل تكتب الرواية وفي ذهنك انفعالات القارئ بالنص؟ وهل يمكن للكاتب أن يكتب روايته كقارئ لها؟
؟؟ لدي فكرة أحب أن أكررها دائماً، وهي: يجب على الكاتب أن يكتب كقارئ من أجل أن يقرأ القارئ ككاتب، وهذا لا يعني أنني أتماهى مع القارئ لكنني أكتب لأن الكتابة وسيلة لقراءة الناس والمجتمع· وأنا لا أكتب أشياء أعرفها إنما لا أعرفها لأتعلم، وهي وسيلة للمعرفة والمتعة، واكتشاف الذات والذهاب للآخرين والتفاعل معهم واكتشافهم واكتشاف عوامل لا أعرفها· ومن أجل أن أكتب 'يالو' تعلمت اللغة السريانية، ومن أجل 'باب الشمس' قضيت سنوات في المخيمات الفلسطينية، ولأكتب 'غاندي الصغير' عشت مع ماسحي الأحذية في بيروت· أنا ضد الكاتب الذي يتنبأ، أنا كاتب متواضع أتعلم من الناس لغة الكلام كي أدخلها في اللغة المكتوبة وبهذا المعنى تصبح كتابتي هي رحلتي في الحياة· ولا أستطيع اعتبار أن الكاتب يكتب إن لم تصبح الكتابة وسيلته للحياة والكاتب الناجح هو الذي ينجح في أن يخترع شخصيات يصدقها الناس ويعتبرونها شخصيات حيّة، وفي تلك اللحظة يصبح هو غير مهم وتصبح هذه الشخصيات هي المهمة أي أن الكاتب هو أداة من أجل أن يبلور شخصيات مصيرها التحول إلى شخصيات حقيقية في وعي القرّاء إلى درجة أن الشخصية الخيالية تصبح حقيقية في الوقت الذي يتحول فيه الكاتب إلى شخصية غير حقيقية كأنه لم يكن أهم ما في الرواية·
؟ روايتك الأخيرة 'يالو' بطلها 'يالو' هو نموذج من بشاعات الحرب وهمجيتها وهي تغرق في سوداوية مطلقة، والشخصيات كلها غير سوية و'يالو' هو خلاصة تلك الكوارث والصراعات، هل البطل صورة عن ذهنيتك في هذا الزمن من الإحباط العربي؟
؟؟ إن التعذيب الذي تعرض له يالو كان بهدف تفكيك شخصيته والطلب الغريب الذي طلبه منه ضابط المخابرات أي كتابة قصة حياته، وهو طلب ما زال يطلب في السجون العربية، كان بهدف إعادة بنائها، وهكذا أعاد (يالو) كتابة حياته من جديد وأعاد تركيب شخصيته وتركيب نفسه· وفي الظروف اللعينة التي نمر بها، والمرشحة لأن تزداد سوءاً، تبدو الكتابة والحب هما المكانان اللذان يستطيع من خلالهما الفرد في العالم أن يعيد تأليف نفسه وينخرط من جديد في التاريخ· و(يالو) عاش وينتمي إلى ثقافة إثنية، وعايش ظروف الحرب الصعبة، وعاش كضحية وكجلاد وأحببته منذ أن بدأ يتشكل على الورق فأصبت بحالة من الأسى والإعجاب والخوف منه وهو يجسد أسئلة إنسانية كبرى، بين الضحية والجلاد، وبين الخير والشر، وهو إنسان تلتقي فيه كل المتناقضات لكن عليه في النهاية أن يصنع إنسانيته· ذلك أن إنسانية الإنسان لا نرثها يجب أن نصنعها كل يوم وإلا أخذتنا الفوارغ السوداء الموجودة فينا، وتحولنا إلى أداة لتدمير الآخرين· وكانت تجربة (يالو) خاصة ومهمة لأن البناء الروائي قائم على إعادة كتابة نفس القصة بأشكال مختلفة، وعملية استكشاف كيف يندمج الواقع بالخيال· لقد تمتعت كثيراً وحزنت كثيراً وأنا أكتبها·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©