الاتحاد

دنيا

جيانا عيد: إنهم يحاولون كسري


دمشق ـ عمّار أبو عابد:
في زمن يتهافت فيه الممثلون والممثلات، ويتسابقون بشكل محموم كي يفوز كل منهم بأكبر قدر ممكن من الأعمال التلفزيونية في الموسم الواحد، يحتفظ قلة من الفنانين برزانتهم الفنية، ويضعون الفني قبل المادي! ويرفضون أن يدخلوا السوق كسلعة استهلاكية! وبين هؤلاء تقف الفنانة جيانا عيد أولى خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية· فهي ترفض التشتت بين أكثر من عمل، وترفض البازار! وتصر على أن تتعامل مع الفن كرسالة أكثر منه مورد رزق! ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل هي تتشدد في اختيار الشخصيات التي ستؤديها، وترفض تقديم أي تنازل مهما كان شكلياً حتى اتهمت بأنها (محافظة!)، وقال بعض المهرولين إنها تسبح عكس التيار؟!
؟ مازلت تتمسكين بموقفك بعدم القيام بأكثر من عمل تلفزيوني في الموسم الواحد، لماذا؟
؟؟ هذا هو موقفي منذ بدايتي الفنية، ولم ولن يتغير· لأن غايتي في الأساس ليست مادية بل فنية، ولأني صادقة مع نفسي ومع الآخرين، فإني لا أستطيع أن أتشتت في أكثر من عمل، والعمل الذي أقوم به يجب أن يرافقني بكل أحاسيسه وهواجسه وانفعالاته، وعندما أختار عملاً وأحبه، فيجب أن أخلص له، وأعطيه كل جهدي·
؟ وما هو عدد الأعمال التي اعتذرت عن عدم المشاركة فيها؟
؟؟ اعتذرت عن أربعة أعمال في الموسم الماضي، واقتصر عملي على مسلسل واحد هو مسلسل (الهارب) أمام الفنان طلحت حمدي، وهو من إنتاج التلفزيون السوري·
؟ ولماذا اخترت هذا العمل بالذات؟
؟؟ لأنه يحمل قيمة ورسالة اجتماعية وإنسانية واضحة، ولأن الشخصية التي أديتها، هي شخصية امرأة لا تهزم رغم انكسارها، لأنها تؤمن بالحياة وبالخير، فتحافظ على أولادها وأسرتها بكل ما أوتيت من قوة، وتربي أولادها على حب الحياة والخير·
؟ وعملك في هذا الموسم ما هو؟
؟؟ العمل الحالي الذي أتفرغ له هو (قصة حب عربية)، وهو يروي حكاية قيس ولبنى، وقد أعجبتني القصة لأننا في هذا الزمن الذي نعيشه بحاجة كثيراً للعودة إلى الرومانسية والشفافية وتمجيد قصص الحب العربية الخالدة، التي تفصح عن النفس العربية الحقيقية·
؟ ولماذا اخترت أن تقومي بشخصية أم قيس زوجة ذريح شيخ القبيلة؟
؟؟ لأن شخصية هذه المرأة قوية إلى حد أنها تجسد الحاكمة بأمر القبيلة· كما كان لها أثرها في التاريخ ويحكى عنها الكثير، حتى أن قبيلتها اعتبرتها مرجعاً· وكانت كلمتها مسموعة لما لها من حظوة ومكانة بين القبائل العربية· وقد أعجبت بهذه المرأة لما تمتلكه من قوة ذهنية وعاطفية وتأثيرية، وأعتقد أن أدائي لشخصيتها سيعبر عن الطرح الفكري للعمل·
هذه هي مآخذي
؟ أنت تعترضين على مشاركة الممثل في أكثر من عمل في وقت واحد، فما هي مآخذك على مثل هذه المشاركة، التي نراها تتكرر مع غالبية الفنانين؟
؟؟ إن هذا التوزع بين أكثر من عمل، يحول الممثل من عنصر أساسي وصاحب رؤية في مشروع فني إلى مجرد شخص يحفظ الدور ويؤديه أمام الكاميرا دون أية أبعاد حقيقية للشخصية أو الدور المؤدى· كما أن ضغط الوقت والتشتت بين أكثر من عمل يجعل من الصعب بل المستحيل على الممثل أن يبني الشخصية بشكل متصل ومتصاعد· والأسوأ من كل ذلك أنه وبغياب ظروف وتقاليد الإنتاج، فإن عبء التنسيق والتنظيم يلقى على عاتق الممثل، مما يشكل ضاغطاً إضافياً عليه·
؟ في رأيك، ما الذي يدفع الممثل أو الممثلة إلى الوقوع في شرك تعدد الأعمال في وقت واحد؟
؟؟ الرغبة في مردود مادي أكبر، ولكن ذلك يأتي على حساب أعصاب الفنان وأحاسيسه وانفعالاته وتركيزه· وأنا أعتقد أنه لا يوجد أي تعويض مادي يمكن أن يعوض للفنان لحظات عطائه وجهده، لكن وبكل أسف فإنه لا يشاركني في هذه القناعة كثيرون·
اتهموني وطلبوا تنازلات
؟ ما قصة اتهام البعض لك بأنك (محافظة)؟
؟؟ نعم، إنهم يتهمونني بالمحافظة، ويطلبون أن أقدم تنازلات، ويزعمون أن الممثلة يجب أن تجسد كل الحالات· لكني أصر على أن هناك أدواراً وشخصيات لا يمكن أن ألعبها، لأنني لا أحترم شخصياتها الواقعية، وعلى سبيل المثال أنا لا أقوم بدور امرأة جانحة، ولا أستطيع أن أبرر لها جنوحها وفسادها، كما لا أستطيع أن أبرر لامرأة وصولية أساليبها الدنيئة، ولذلك أرفض مثل هذه الأدوار· وأعتبر رفضي عزاً وشرفاً، فنحن يجب أن نتعامل مع الواقع كما يجب أن يكون، لا كما هو كائن، وبالتالي فأنا لا أستطيع التعامل مع النماذج التي تبيح كل شيء من أجل الوصول إلى الثروة!·
؟ وما هي الشخصية النسائية التي يروق لك لعب دورها؟
؟؟ هناك نوعية من النساء أحب أن أجسد شخصياتهن، وهن غالباً النساء المناضلات اللواتي لا يسقطن في التجارب، ولا يضعفن أمام الحصار الإنساني المسف والرديء· بل يتجاوزن الظروف الصعبة، ويحققن قفزة نحو الأحسن من خلال خلق عالم القيم والأخلاق· هؤلاء النساء الحقيقيات هن من يحملن مفهوم العطاء والأمومة والرغبة بالارتقاء، وهن من يشكلن عندي تحريضاً من نوع جديد لتجسيد شخصياتهن·
؟ هل نفهم من هذا أنك موجودة في الشخصيات التي تؤدينها؟
؟؟ بالتأكيد في كل شخصية شيء مني، وكوني أتبناها فإنها تعبر عما أحاول أن أقوله·
؟ عند هذه النقطة دعيني أثير معك سؤالاً تقليدياً، ما هي مهمة الممثل؟
؟؟ ليست مهمة الممثل أن يمثل فقط، وإنما أن يشارك في مشروع فني إنساني كبير· أنا أعتبر أن الممثل صار سلاح العصر، ويجب أن يعرف الآخر ويحاوره ويجادله، فنحن بحاجة إلى أن نعبر عن ذاتنا الإنسانية بالحوار كي نستطيع التواجد في الكون، وكي نحافظ على خصوصيتنا وهويتنا ومفرداتنا وإنسانيتنا، وهذا ما يقدمنا للآخر بشكل حضاري·
؟ تبدو مهمات الممثل هي عينها مهمات المثقف؟
؟؟ هي كذلك، ولم يعد مقبولاً وجود الأميين أو أنصاف المتعلمين في الوسط الفني·
الكوميديا أنقذتني
؟ كانت لك تجربة كوميدية مع هشام شربتجي في (عيلة 8 نجوم)، كيف تنظرين إلى هذه التجربة، وهل صحيح أنها أخرجتك من حالة حزن واكتئاب؟
؟؟ كانت تجربة استمتعت بها، لا سيما وأن العمل كان مكتوباً بصيغة كوميدية مختلفة، كما أن المشهد كان يفرض الحالة الكوميدية، ولم يكن هناك تهريج أو إسفاف، وقد فرحت بهذا العمل لأنه أخرجني من الميلودراما الشديدة التي أوصلتني إلى حالة لم أعد أستطيع معها أن أضحك! وهكذا جاء مسلسل (عيلة 8 نجوم) فأعادني إلى اللعب·
؟ في مسرحية (شوباش) لهشام كفارنة والتي عرضت في مهرجان دمشق المسرحي الأخير، أثبتت جيانا أنها لا تزال الممثلة المسرحية التي يشار إليها بالبنان· ماذا تقولين لنا عن هذه التجربة؟·
؟؟ أقول لك بصراحة بعد غيابي عن المسرح، كنت أشعر بالمغامرة والتمرد على الخوف، وأنا أصعد إلى المسرح، لأرى هل مازلت كممثلة أمتلك أدواته؟ ومن حسن حظي أن النص كان شاعرياً، كأنه قصيدة كتبت بلغة درامية، ولم يخرج عن إطار طموحاتي في الدفاع عن المرأة، لا سيما أن المسرحية كانت تطرح مشكلتها، ولحسن حظي فإن الجمهور أحب عودتي للمسرح، وكانت إطلالتي حلوة وإن كانت مختزلة ومكثفة·
؟ ما هو مفهوم النجومية، وما الذي يصنع النجومية عندنا؟
؟؟ النجم الحقيقي تصنعه السينما، أما التلفزيون فهو شريط فيديو لا يكون شيئاً، وقد يمحى ليسجل عليه موضوع آخر· لذا لا يوجد نجم في التلفزيون، أما تكريس أسماء معينة في أعمال متكررة فلا يعني النجومية، لأن نجومية التلفزيون مزيفة وليس لها جذور·
؟ الهاجس الإبداعي يجعل بعض الفنانين غير راضين عن أدائهم لأعمالهم الماضية، هل أنت كذلك؟ وما هو الدور الذي تعتقدين أنه بحاجة إلى إعادة؟
؟؟ عندما أشاهد مسلسلاتي الماضية قد يعجبني منها مشهد واحد، وقد لا يعجبني المسلسل كله، ودائماً أجد أن عندي ملاحظات أتمنى تلافيها من خلال إعادة تجسيد الدور· لكن هيهات أن يتاح لنا تكرار اللحظة نفسها والإحساس نفسه! وأريد أن أقول لك إنني الآن عندما أصور، وعندما يعيدون المشهد لا أقف لأشاهد، لأنني لو فعلت لطلبت إعادة التصوير مرة أخرى، لذا أترك الحكم للمخرج ولا أشاهد العمل إلا أثناء عرضه على الشاشة·
؟ لماذا؟ هل لأن الإبداع جملة ناقصة؟
؟؟ أكيد إن الإبداع يظل جملة ناقصة، وهو لا يكتمل إلا بموت الفنان وغياب هاجسه الإبداعي·
إنهن مهتمات بالشكل
؟ يدخل الوسط الفني كل سنة عدد من الفنانات الجديدات، فما هي ملاحظاتك على هؤلاء الوافدات إلى عالم الفن؟
؟؟ بكل أسف فإن الغالبية منهن لا يعرفن أهمية الرسالة التي سيقمن بأدائها! وهن مهتمات بالشكل وبالشهرة وماذا سيحصدن من ثمار؟! ربما هناك بعض الاستثناءات لأن السطحية هي التي تسود، والثقافة تكاد تكون معدومة، وهناك اهتمام زائد بالشكل على حساب المضمون والثقافة والمسؤولية· وهناك عدم جدية وخفة في التعامل مع الفن·
؟ خلال مسيرتك الفنية هل تعرضت لمحاولات فرض تنازلات عليك؟ وكيف واجهت ذلك؟
؟؟ للأسف تعرضت لضغوط كي أقدم تنازلات مادية ومعنوية وإنسانية وفنية، لكني صمدت وقاومت ورفضت، وما تزال رغبتي عارمة في ألا أقدم أي تنازل·
إحباط ومقاومة
؟ وما هو الثمن الذي دفعته؟
؟؟ لقد جرت محاولات لكسري! وتكسير رغبة الصمود عندي· وربما أثر ذلك علي مادياً، لكني مستمرة في نهجي الذي يشكل لي حماية مادية ومعنوية وإبداعية·
؟ وما الذي تستطيعين فعله الآن؟
؟؟ أكثر ما أستطيع فعله هو أن أحافظ على داخلي، على ذاتي وأحمي نفسي من الانكسار· وأن أبقى محافظة على إحساسي ومسؤوليتي تجاه فني وبلدي، ولا أقدم أي تنازل على أي صعيد·
؟ وهل معك كثيرون في هذا الموقف؟
؟؟ من المؤسف أن الذين يرفضون الاستسلام والتنازل هم الأقلية، بينما ما يسود هو التزلف والتسلق والكذب·
؟ ألا يشعرك هذا الجو بالإحباط؟
؟؟ لقد كنت أعتقد دائماً أن الجيد لا بد أن يفرض نفسه، وأن البقاء للأفضل، وأنا أشك الآن في أن ذلك سيتحقق في هذا الجو، لكن الشك لا يضعفني، بل يقوي عندي الرغبة في الاستمرار والبقاء والمقاومة·

اقرأ أيضا