السبت 25 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
سينما الأطفال العربية مصابة بالأنيميا
سينما الأطفال العربية مصابة بالأنيميا
2 أغسطس 2005

القاهرة ـ حمدي رزق:
كأن هناك طفلين، أحدهما فضائي والآخر أرضي، الأول يحظى بكل الرعاية والثاني على الهامش، الأول تدشن له القنوات الفضائية، فيصل عددها لنحو 20 فضائية عربية موجهة للطفل، والثاني لا يجد فيلما سينمائياً واحداً يعبر عنه، ولا شخصية كارتونية واحدة تستدعيه من داره إلى دار العرض، فضلاً عن أن البنية التحتية لسينما الطفل غير متوفرة في الدول العربية، فلا دور العرض مؤهلة لاستقباله إلا كمتفرج إضافي مع الكبار من أهله ولا المنتجون على استعداد للمخاطرة بأموالهم في إنتاج أفلام للطفل، ولا الموزعون يجدون وقتاً يفرغون فيه من عرض وترويج الافلام الكوميدية للكبار ليتمكنوا من توزيع أفلام الطفل، فالكل غير مرحب·
لكن خلو سوق السينما المصرية من فيلم واحد للطفل، سياق لا يخلو من طرافة لا تدعو على الإطلاق للابتسام، إذا لم تكن تشكل أزمة ! فإذا كانت ثمة فضائيات متعددة للطفل، وأعمال تليفزيونية ناجحة جداً - وقليلة جداً - للأطفال كمسلسل 'بكار' الشهير للمخرجة المصرية الراحلة د· منى أبو النصر ومسلسل 'هنادي' الذي ظهر في رمضان الماضي مقدماً المرادف الأنثوي لذكورة 'بكار' !! - فإن بعض المنتجين فكروا في إنتاج أفلام سينمائية للطفل، كما أن وزارة الثقافة المصرية واصلت إقامتها لمهرجانها السنوى المعنون 'مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال' ونظرة للمهرجان وأخرى لأفلام الأطفال التي عرضت تجاريا العام الماضي كفيلة بتشريح وتفكيك أزمة سينما الطفل العربي، وتفسير صعوده فضائيا فقط·
فأما المهرجان فترعاه وزارة الثقافة سنويا، لكن الأفلام المصرية في هذا المهرجان بدت 'كأيتام على مائدة لئام'! ففيلم الافتتاح كان أميركيا تحت عنوان 'مغامرات بو'، أما قسم الافلام السينمائية فضم ثمانية أفلام من مختلف الجنسيات عدا العربية! فيما ضم قسم الرسوم المتحركة بالمهرجان 21 فيلما منها أفلام مصرية، أما الأقسام خارج المسابقة مثل القسم الخاص فشارك فيها 56 فيلما ليس من بينها فيلم مصري واحد، أي أن جملة ما وعرض في مهرجان القاهرة لسينما الأطفال 85 فيلما داخل المسابقة وخارجها نصيب مصر فيها 9 افلام !
وربما كان هذا ما دفع إدارة المهرجان إلى تخصيص قسم تشجيعي بالمهرجان تحت عنوان 'أضواء على أفلام الأطفال المصرية الحديثة' - مع أنه ليس ثمة افلام قديمة !! - تقدم فيه محاولات مخرجين من الشباب قدموا 22 فيلما للأطفال، لا تجد مكاناً للبث على الفضائيات أو في دور العرض وكأن دراما الأطفال لا تصلح إلا للفضائيات مع ملاحظة أن مهرجان سينما الأطفال بما يعرض من أفلام يلقى إقبالاً من النقاد والصحفيين والفنانين ونادرا ما يرتاده الأطفال أو يحثهم أهلهم على ذلك !!'
وليست بعيدة أيضا تلك الأفلام السينمائية التي قدمها منتجون مغمورون باسم افلام الأطفال، والتي لم تكن كذلك على الإطلاق ! والأصل فيها هو النجاح المدوي الذي صنعه كليب غنائي لفريق أطفال انقسم على نفسه بعد الكليب إلى فرق عدة، كان اسمه 'فري بيبي' وقدم الكليب الشهير 'بابا فين'، الذي اعتبر أهم أغنيات الأطفال والكبار على السواء في عام ،2002 وهذا الفريق نفسه استثمره المنتجون في افلام سينمائية تجارية، بلغت 4 افلام هي 'شبر ونص' و'فرح' و'سبايسي بيبي' و'بيبي شقاوة'·وبدلاً من أن تكون الافلام الأربعة أبواباً لدخول سينما الطفل إلى الحلبة، كانت مدعاة نفور للأطفال وأهاليهم من دخول دور العرض ! فمدير الرقابة آنذاك الناقد والمخرج د· مدكور ثابت اضطر لعقد 'مجلس شورى نقاد' لأخذ رأي النخبة في هذه الافلام، فأسفرت جلسات المشاهدة عن 39 ملاحظة رقابية على الافلام الأربعة، وتضمنت المشاهد المحذوفة دخول الأطفال البرلمان بالملابس الداخلية، وحمارا يرتدي خوذة وحزام أمان، وجلسات يتعاطى فيها الأطفال المخدرات، فضلاً عن أغان وجمل حوارية نابية، يخجل منها الكبار قبل الصغار، ويومها قال مدكور ثابت 'فرق كبير بين حرية الابداع وحرية تشويه سلوك أطفالنا'! وفشلت هذه الافلام فشلاً منقطع النظير، فلا هي نالت احترام الطفل والأسرة والنقاد ولا ربحت تجاريا بل مُنيت بخسائر في الإيرادات ليس لها مثيل في السينما المصرية·
صعود فضائي
ومن بين قرابة 20 فضائية عربية للطفل، ثمة فضائيتان مصريتان تعنيان به، وتنتجان وتعرضان له مسلسلات الكارتون·· الأولى هي الفضائية المتخصصة قناة 'النيل للأسرة والطفل'، والثانية مشتركة بين مصر والامارات وتبث على القمر الصناعي المصري 'نايل سات' واسمها 'قناتي'، والتي يملكها لبناني - أميركي اسمه 'راشد أسومة'، وترفع شعار مخاطبة الأطفال من 4 إلى 14 عاماً·
وتشهد قنوات الأطفال هذه ضخاً رهيبا لمسلسلات الأطفال العربية والأجنبية المدبلجة، فضلاً عما تبثه القنوات المحلية المصرية من مسلسلات أشهرها وأقدمها 'بكار'·· في الماضي كانت شخصية 'بقلظ' هي الأشهر، وكانت عبارة عن عروسة لطفل صغير أحبه الأطفال كثيرا وكانت الإعلامية نجوى إبراهيم هي مقدمة البرنامج الذي أعطاها لقب 'ماما نجوى' إلى أن انقطع بثه عام 1986 ثم أعقبه في الشهرة برنامج 'بوجي وطمطم' لهالة فاخر ويونس شلبي الذي كتبه صلاح جاهين·
وفيما تبث 'قناتي' نحو 21 ساعة، تبث 'النيل للأسرة والطفل' 14 ساعة فقط وفضلاً عن العرائس والرسوم المتحركة لبكار وهنادي تعتمد هذه القنوات على حكايات شعبية مطورة حسب مقتضيات العصر، مثل مصباح علاء الدين وست الحسن والشاطر حسن وأحياناً قصص 'ألف ليلة وليلة'، فضلاً عن حكايات اجتماعية معاصرة غالباً ما توجه في سياق إرشادي للأطفال لتقويمهم أخلاقياً وعقلياً !
وهذه الصيغة الفضائية هي الرائجة الآن في التخاطب الفني مع الطفل العربي، ليس لأنها الصيغة المثلى قدر ما هي الصيغة الموجودة وحدها أمامه، إلا إذا قرر الطفل حضور فيلم من نوعية 'شبر ونص'!!وهكذا يجد الطفل العربي نفسه بإزاء أحد خيارين، فإما التوجه لمشاهدة افلام الكبار - الكوميدية غالباً - أو انتظار فيلم أجنبي تعرضه صالات السينما العربية حيث تلقى الافلام الأجنبية التي تقدمها دور العرض للطفل نجاحاً مدهشاً، سواء كانت من الكارتون المعالج بطرق بالغة الحداثة في فن الجرافيك مثل 'الأرنب روجرز' أو كانت افلاما عادية بطلها طفل لعل أشهرها ثلاثية 'وحدي في المنزل'·
فيلم مصري
المخرجة الراحلة د· منى أبو النصر التي ابتكرت شخصية 'بكار' وقدمتها في مسلسل تليفزيوني شهير حمل اسم 'بكار' كانت قبل رحيلها عام 2003 قد يئست من تقديم فيلم سينمائي للطفل العربي· وكانت تقول: أتمنى تقديم هذا الفيلم وهو حلمي الكبير، وأحتفظ بسيناريو فيلم سينمائي عنوانه 'بكار والبحث عن قلب الملك توت' ورسمه بالفعل مصطفى حسين فنان الكاريكاتير الشهير، لكن أين الميزانية؟·
ورحلت د· منى، ولم يتمكن ابنها المخرج شريف صبري الذي يواصل إخراج حلقات مسلسل 'بكار' من إخراج حلم والدته·
والفيلم المصري الوحيد للأطفال والذي لم يعرض حتى الآن فضائيا ولا في دور العرض يحمل عنوان 'الفارس والأمير'، ولأن كل المعنيين بسينما الطفل يرفعون شعار أين الميزانية ولأن المنتجين والموزعين يهربون من التصدي لهذه الافلام، فإن الذي تصدى لإنتاج الفيلم جهة سعودية، وإن كان كل فريق الفيلم تأليفاً وتحريكاً وإخراجاً وصوتاً مصريا، وكتبه وأخرجه السيناريست بشير الديك ورسم شخصياته '30 شخصية' رسام الكاريكاتير الشهير مصطفى حسين، وبلغت ميزانية الفيلم أكثر من مليوني دولار!
ويقول بشير الديك: لقد تقدم فن سينما الطفل بصورة لافتة في العالم كله، وحين وقع اختيار المنتج عليّ لكتابة وإخراج الفيلم اخترت قصة الفاتح العربي المسلم محمد بن القاسم الذي فتح في العصر الأموي بلاد ما وراء النهر 'الهند وأفغانستان وباكستان' واستغرقت كتابته عامين حتى صار الفيلم جزءا مني وأشعر بكل كادر فيه، وهو من نوعية تحتاج إلى قدر كبير من التخيل، ولشدة حبي للفيلم قمت بتصميم تماثيل للشخصيات الرئيسية في الفيلم·
وبلغ عدد العاملين في هذا الفيلم 75 فناناً، وكان الهدف من كل هذا التجمع الفني تحقيق النجاح لأول فيلم سينمائي عربي بالرسوم المتحركة، وكانت هناك خطة طموحة لتسويق الفيلم داخليا وخارجيا، سواء عن طريق العرض السينمائي أو افلام الفيديو علاوة على دبلجة صوتية له بالإنجليزية والفرنسية والأوردية لتوزيعه في دول جنوب شرق آسيا، كما كان مقرراً عرضه في أميركا وأوروبا، لكن خطة التسويق صادفت تعثراً واضحاً صحيح أنه بيع لعدد من الفضائيات العربية والآسيوية، غير أنه لم يطرح في فضائيات أوروبية وأميركية ولا في دور العرض في مصر·وقال ان افلام الأطفال ليست كأي افلام سينمائية، فهي مطلوبة دائماً ما دام هناك أطفال، وإنتاج هذه الافلام مجز للغاية، لكن المنتجين لا يفهمون ذلك، والإنتاج هو الإشكالية الأم في سينما الطفل الآن، وهم يلجأون للفضائيات لأنها أقل تكلفة وهي في نظرهم أسهل تسويقا!د· أسماء أبو طالب -استاذة الدراما والسيناريو ومخرجة افلام أطفال- تقول: الفيلم الموجه للطفل سيظل يحمل قيما تربوية وسلوكية متعددة، خاصة إذا كانت هذه الافلام تقدم له بشكل غير مباشر، عن طريق الشخصيات التي يتوحد معها الطفل، مما يجعل الفيلم الموجه اليه رسالة تربوية
د· زينب زمزم قدمت حتى الآن عشرات الافلام القصيرة للأطفال من الرسوم المتحركة أو الصلصال ونالت جوائز عدة ·· وانتجت أحد الافلام للأطفال بتكلفة 15 ألف دولار على نفقتها الخاصة مدته 15 دقيقة ومازال محفوظاً في العلب، فلم تجد من يشتريه ولا من يسوقه، لعدم وجود جهاز مختص بتمويل أو تسويق هذه الافلام·
وتقول: في فترة ماضية فكرت في تقديم افلام سينمائية للأطفال عن التاريخ الفرعوني، وطلبت نصيحة فنان الديكور والمناظر صلاح مرعي بحكم علاقته بالراحل شادي عبد السلام مخرج فيلم 'المومياء' ووصل المشروع إلى حد الاكتمال، وعرضته على وزارة الثقافة وشركات قطاع خاص، فرفض كلاهما تمويل المشروع· رغم أن دراسات السوق أثبتت وجود عائدات هائلة في هذا المجال، على المدى البعيد، غير أن هذا لا يمنع وجود جهات قادرة على إنتاج هذه الافلام لكنها لا تفعل·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©