الاتحاد

الملحق الثقافي

المسرح.. العقل حين يزدهر

عبد الله السعداوي في مشهد من مسرحية « عندما صمت عبد الله الحكواتي

عبد الله السعداوي في مشهد من مسرحية « عندما صمت عبد الله الحكواتي

حين أطلقت «الهيئة العربية للمسرح» في الشارقة، مبادرتها بإنشاء مهرجان المسرح العربي عام 2009، (أول نسخة له في مصر)، وضعت نصب عينيها أن يكون هذا الحدث الثقافي العربي، محاولة لتجاوز السائد المتكرر إلى حالة من الابتكار والإبداع الفني على مستوى تناغم الشكل والمضمون، والبحث بجدّية في أشكال المسرح العربي، صوب هوية واضحة الملامح، من حيث تعدد إيقاعاته وتعبيراته ومدارسه، واختلاف فضاءاته، ليس بدافع التقليد، وإنما الإبداع المعني بالتفرّد والتجديد وروح الابتكارية، فضلاً عن هدف أصيل: أن يكون المهرجان ملتقى وتجمعا للمسرحيين العرب في شتى حقول المسرح. ملتقى يقوم في الأساس على لقاء الأجيال المسرحية، وتحقيق حوار التجارب الذي نفتقده، ليكون هذا الحدث بذلك «مظلة عربية» للحوار والفكر الجاد، ومناقشة القضايا المعاصرة ذات الصلة بمشكلات المسرح والمسرحيين، وإشاعة روح التنافس والنقد وتبادل الخبرات والأفكار، لخلق ما يمكن وصفه بـ (الحالة المسرحية).

في تقديرنا، لا يمكن أن تتحقق هذه (الحالة المسرحية) إلا بجهود المسرحيين أنفسهم، ونجاحهم في صناعة المزاج الثقافي الذي يتيح فرصة مدّ الجسور بين الجمهور والخشبة. نستذكر في السياق أن اليونسكو أصدرت عام 1967 كتابا بعنوان «المسرح العربي»، أشرفت عليه الأستاذة بجامعة (فانسان) الفرنسية نادا توميش، وكان ثمرة المائدة المستديرة التي انعقدت في بيروت في ذلك الوقت، وتحدث فيها المستشرق المعروف جاك بيرك، عن فنون العرض في العالم العربي منذ مائة عام، وخلص في النهاية إلى أن: «المسرح الحقيقي لا يولد في مجتمع إلا عندما يصل عقل الأمة إلى مستوى ضميرها وحضارتها الأصيلة».

نساء الجوائز
نستحضر هذا الكلام الذي يحمل في طياته دلالات عديدة وإشارات ينبغي الانتباه لها، نقف على أعتاب النسخة السادسة من مهرجان المسرح العربي التي تطلقها الهيئة، مساء غد (الجمعة) في قصر الثقافة بالشارقة، بحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، الرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح، الذي سيلقي رسالة اليوم العربي للمسرح، ونحو 300 مسرحي إماراتي وعربي من ضيوف المهرجان من كافة أرجاء الوطن العربي.
وبمشاركة أحد عشر عرضا مسرحيا عربيا، منها تسعة عروض تتنافس على «جائزة سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي لعام 2013»، مستذكرين أن المهرجان في دوراته الثلاث الأولى في مصر 2009، تونس 2010، بيروت 2011، لم يكن يعنى بمسألة المنافسات والجوائز، وقد بدأ هذه المهمة الصعبة بعد أن فرض وجوده وحضوره بقوة على الساحة المسرحية العربية، وكانت العاصمة الأردنية عمّان أول محطات الجائزة في النسخة الرابعة من المهرجان، وكانت المرأة المخرجة، الممثلة، الكاتبة، حاضرة في هذا المضمار بصورة لافتة، بعد أن انتزعت التونسية (مريم بوسالمي) الجائزة، بمسرحيتها (زهايمر)، وقد صنفتها لجنة التحكيم على أنها أفضل عرض مسرحي، يوظف الإسقاط السياسي، بطريقة مبتكرة، فضلا عن جماليات وبساطة السينوغرافيا، التي جاءت دقيقة ومحترفة وفق دلالات لا تخرج عن صميم العمل.
وفي الدورة الخامسة التي انعقدت في العاصمة القطرية، كانت المرأة المبدعة أيضا في المقدمة حينما حصدت المخرجة اللبنانية (لينا أبيض) برفقة ممثلتيها جوليا قصّار، وعايدة صبرا، الجائزة، عن مسرحية (الديكتاتور) النص الذي كتبه المسرحي الراحل عصام محفوظ عام 1968.
وتروي المسرحية حكاية جنرال يقود انقلابا يطيح فيه الملك الظالم، وينسى وعوده التي قطعها للجماهير التي ساندته بعد أن مالت الكفة لمصلحته، واعتُبر نص المسرحية أحد النصوص المرجعية في ريبوتوار المسرح اللبناني في عصره الذهبي، وقد تم تقديمه بعد 44 عاما من كتابته برؤية معاصرة تقوم على سينوغرافيا المسرح الفقير، وتناقش فكرة غياب البطولة الفردية، وسقوط زمن الديكتاتوريات، والتركيز على حالة الاغتراب التي يعيشها الإنسان المعاصر في ظل تحديات زمن العولمة.

أسئلة الحرية
يقودنا هذا الحديث بالضرورة إلى بانوراما سريعة نقرأ من خلالها العروض العربية المتنافسة على الجائزة والمشاركة في النسخة السادسة من المهرجان، ويتصدرها العرض الإماراتي (نهارات علول) نص مرعي الحليان، بتوقيع المخرج حسن رجب، إنتاج المسرح الحديث بالشارقة. ويناقش واحدة من أخطر قضايا العصر، وهي قضية الموت في سبيل المبدأ والبحث عن العدالة والحرية. فيما تطرح مسرحية الجميلات الجزائرية، نص نجاة طيبوني وإخراج صونيا ميكيو، والتي تم إنتاجها خصيصا للاحتفالات بمرور خمسين عاما على استقلال الجزائر - قصة خمس جزائريات، سقطن بين يدي قوات الاستعمار الفرنسي، الذي تفنن في تعذيبهن بشتى الوسائل لكنهن كن فخورات بنضالهن ومساهمتهن في تحقيق الاستقلال.
وفي مسرحية (ع الخشب – الأردن) نص وإخراج زيد خليل مصطفى، نجد محتوى فلسفيا عميقا يتحدث عن فكرة الخلاص بالموت (اصطلاح وجد في معظم الأعمال الشعرية للراحلين بدر شاكر السياب، صلاح عبد الصبور)، في إطار تعبيري رمزي، يصور مجموعة من الموتى الأحياء في (البرزخ) وقد استعادوا شريطا طويلا من حياتهم الممتلئة بالقمع والإرهاب الفكري ومصادرة الحريات، يجدون أن ذلك أيضا يحدث لهم في العالم الآخر، وأن موضوعة (القمع) ممتدة في الحياة والموت. وتأتي مسرحية الدومينو من الإمارات، للمخرج مروان عبد الله كي تجترح صرخة المظلوم ضد افتقار المجتمع للمساواة و العدل، و وحرية الفرد في اختيار المصير، فمن خلال تنميطه لصيرورة المجتمع وتاريخ الحدث من خلال الدومينو معادلاً موضوعياً يشق بقصة حب بين حجر الدومينو الذي بلا نقاط، وتوق هذا الحجر ليكون له كما لكل الأحجار نقاط. يدين صانع العمل أستاتيكية المصير، و يطرح السؤال الوجودي، هل نحن محكومون بأقدارنا بالولادة وما اختير لنا؟.
المسرح التونسي يرتدي عباءة شكسبير، من خلال التجريب على إحدى كلاسيكياته بعنوان: ريتشارد الثالث، نص محفوظ غزال، للمخرج جعفر القاسمي، الذي يقدّم لنا لعبة مسرحية لا تقوم على شخصية تاريخية كما يخيّل إلينا من العنوان، وإنما هي قصة حب تختزل الخوف الساكن فينا، وريتشارد الثالث في العرض التونسي، هو المعنى، هو النفي للمعنى، هو الخوف من خطر المعنى. ومرة ثانية يرتدي المسرح التونسي عباءة المسرح العالمي والكاتب العبثي الروماني الفرنسي أوجين يونسكو، في التجريب على مسرحيته الدّرس، باقتباس للمخرج غازي الزغباني، إنتاج (فضاء أرتيستو) ويناقش فيها حالات التوتر والصراع والصراخ المتزايد في الشارع التونسي، وغياب التواصل ولغة الحوار الإنساني بين أفراده، وفي الدّرس يكتشف المتفرج أن للحقيقة عدة وجوه، ومن يتوهم أنّه يملك المعرفة المطلقة، فهو في حالة من الجنون، قد تجعله يرتكب جريمة قتل معنوية على غرار الأستاذ في المسرحية، الذي قضى على تلميذته بخنقها، بعد أن مارس عليها ساديته، ليشي العرض في النهاية بأنه درس عبثي في غياب لغة التواصل بين الناس.

جماليات الارتجال
جماليات فن الارتجال نجدها لدى فريق (أتيليه المسرح الصغير) المصري بعرض بلاستيك، وهو نتاج ورشة ارتجال الفريق على عنصري الحكي والارتجال الفني، وكتابة وإخراج شادي الدّالي، الذي يبحث من خلال مناقشته لحراك الشارع المصري في ميدان التحرير عن طعم الوطن، ورائحة الزمن الجميل، وترتكز الرؤية الإحراجية في هذا العرض على حرفية التشكيل بالجسد، والتشخيص على الخشبة.
ومن لبنان تقدم المخرجة علية الخالدي عرضا بعنوان 80 درجة، كتبته رندة الخالدي لفرقة بيروت ثمانية ونصف، ويقدّم صورا هزلية من الحياة اليومية لعائلة غريبة الأطوار، هي: جنرال متقاعد وزوجته وأخته المتقدمتين في العمر، وابنه وحيدة، ورجل يتولى شؤون المنزل، وتسكن شقة ترتفع 80 درجة عن الشارع العام، وتثير المسرحية المكتوبة في إطار كوميديا عبثية سوداء، موضوعات مختلفة مثل الشعور بالعزلة والوحدة والاغتراب الداخلي عند كبار السّن والمتقاعدين، وتقبل فكرة الحياة والموت.
وتشتمل خارطة العروض مسرحيات: عربانة (العراق) للمخرج عماد محمد، وليلي داخلي (سورية)، ومسرحية عندما صمت عبد الله الحكواتي (البحرين) وهي من نوع التراجيكوميديا، للمخرج حسين عبد علي، وفيها تلعب فنون الحكي والقص والتقمص، دورا بالغا في تنظيم مقاربات بين ماضينا وحاضرنا، وما آل إليه الواقع وما أحدثه من تهميش للإنسان المعاصر. وقبل أن نختم الحديث عن العروض المشاركة، ينبغي القول إن هذه الدورة من المهرجان يمكن تسميتها بـ (دورة الشباب)، حيث جاءت تسعة عروض من أصل المشاركات موقعة بأسماء مخرجين شباب، كما تشهد أكبر تجمع مسرحي في الوطن العربي، بين كتاب ومخرجين ونقاد وممثلين وممثلات وشخصيات بارزة ذات صلة بالثقافة والفكر والفن.

الفكر المسرحي
ينبغي القول إن المهرجانات المسرحية ليس عروضا مسرحية فحسب، فهناك الحراك الفكري الجمالي، ونعتقد أنّه يشكل العلامة الفارقة في نجاح أي مهرجان مهما كان مستوى التفوق في جانبه التقني، ونعتقد أيضا أن مهرجان المسرح العربي كان واعيا منذ انطلاقته إلى أهمية التنظير في المسرح، وأهمية الجانب الثقافي، بدء من توقيع اتفاقية الشراكة مع منظمة اليونسكو، لخدمة الفن الهادف على المستوى العربي، فعالمنا أكثر ما يحتاجه اليوم هو ثقافة مسرح مستنيرة، كما أنها تمثل خطوة مهمة لتحقيق حوار عربي دولي وحوار عربي عربي لخدمة أهدافنا وطموحاتنا في تحقيق هوية للمسرح العربي، مرورا بإنشاء العديد من المراكز المهتمة بتطوير الثقافة الجماهيرية في الوطن العربي، ومن ثم تحقيق مشروع الاستراتيجية العربية لتنمية الثقافة المسرحية، وانتهاء بعمليات توثيق ذاكرة مهرجانات المسرح العربي، وكان آخرها توثيق ذاكرة مهرجان المسرح الأردني، ولعل هذه النسخة من المهرجان تستجيب بقوة إلى كل هذه الطموحات والمشاريع ذات الصلة بتنمية الفكر المسرحي، وتتميز دورة هذا العام من المهرجان بتركيزها على الارتقاء بالمفهوم التنظيري الفكري للمسرح، حيث سنشهد ملتقيين فكريين، الأول:لتعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي، وأطلقته الهيئة في نيسان الماضي، ويجمع ستة مواقع إلكترونية مختصة بالمسرح،تعمل على رصد الخبر المسرحي في الوطن العربي وترويجه. أما الملتقى الثاني فهو خاص بالمسرحيين العرب في المغتربات، وتنظمه الهيئة لغايات الاستفادة المتبادلة بين المسرحيين العرب في بلاد الهجرة والاغتراب. على مستوى الإصدارات الجديدة من الكتب التي أصدرتها الهيئة خصيصا لهذه الدورة، سنقرأ كتابا عن التجارب الإخراجية في الإمارات للدكتورة العراقية عواطف نعيم، وإصدار للباحث المغربي عبد الرحمن بن زيدان عن النص والكتابة المسرحية في الإمارات، وهناك العديد من الكتب المتخصصة في مجالات مسرح الشباب، وعن التجارب والهياكل الإماراتية المسرحية، هذا بالإضافة إلى ما سنشهده من ندوات نقدية تحليلية للعروض المسرحية، بما يتيح الظهور للنقد التطبيقي الموضوعي الحضور والتأكيد على أهمية هذا المضمار المواكب لتطور الحركة المسرحية، وأيضا ندوات فكرية مختلفة، وربما يكون أهم ما في الجانب الفكري التنظيري، محتوى جلسات ومحور المؤتمر الفكري، الذي سيعقد في قصر الثقافة في الثاني عشر من يناير الجاري، تحت عنوان (المسرح والهويات الثقافية) ويتحدث فيه كل من : أنطون معلوف (لبنان)، فيليب ساجروف (بريطانيا) الدكتور خالد أمين (المغرب) ستيف فرنانديز (الفلبين) جيسيكا كاهاوا (أوغندا) الدكتور محمد علي (إيران) والبروفيسور محمد شاهين (بنغلاديش) عز الدين المدني (تونس) عبد الفتاح قلعجي (سورية) روجيه عساف (لبنان).
علي عبدون (الجزائر) الدكتورة أماني فؤاد (مصر). ومن النشاطات الفكرية المهمة تنظيم محاضرة بعنوان (الريادة العربية في المسرح) يتحدث فيها الدكتور علي الخزاعي (البحرين) والدكتور مخلوف بوكروح (الجزائر)، وهناك مناظرة في سبيل ريادة النص المسرحي العربي، يتحدث فيها الدكتور سيد علي إسماعيل (مصر).
فيما تختتم الفعاليات الفكرية بندوة نقد التجربة «همزة وصل» وهي ندوة اعتادت الهيئة على تنظيمها على هامش مهرجانات المسرح العربي . وتعتبر العنوان العريض للندوات الفكرية التي تقدم دراسة وتحليلا ونقدا للتجارب المسرحية في الوطن العربي، بما يحقق الكثير لهذه المسارح على مستوى الارتقاء بالحلة الفكرية، وعلى مستوى تدعيم التجارب وتطويرها ومواكبتها.

من خلال ذلك لكل تطور في الظاهرة المسرحية باعتبارها إحدى الوسائل المعتمدة في عملية الأرشفة والتوثيق للمحافظة على الذاكرة المسرحية وحفظها من الضياع ووضعها أمام الباحثين في فنون المسرح، أما ندوة هذا المهرجان فتتركز في عنوان(المسرح في الإمارات)، ويشتمل على محاور: الكتابة المسرحية في الإمارات. التجارب الإخراجية، تجارب التمثيل، مسرح الطفل، المسرح المدرسي، مسرح الناشئة، المسرح الجامعي، مسرح الشباب، ويلفت الانتباه في السياق تنظيم (الملتقى التدريبي) ويشتمل على أربع ورش تدريبية مكثفة في : خيال الظل (سامي عبد الحليم إبراهيم- الإمارات) الأراجوز (محمد فوزي – مصر) الدّمى (الأسعد المحواشي (تونس) الحكواتي (ماحي الصديق – الجزائر).

اقرأ أيضا