الأحد 22 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المورفين الحيواني ثورة علاجية
المورفين الحيواني ثورة علاجية
2 أغسطس 2005

الأبحاث الاختبارية التي تديرها مع فريقها منذ سنوات، خبيرة البيولوجيا العصبية البروفيسورة 'شوتيما بويكانابو' أظهرت مؤخراً وجود نوع آخر من المورفين، مورفين غير نباتي كالذي لا نعرف غيره، تنتجه خلايا الجسم البشري أو الحيواني، وقد يكون علاجاً شافياً لمرض باركنسون أو الشلل الرعاشي، ولأمراض القلب والشرايين وغيرها·
على العكس تماماً من الاعتقاد السائد منذ أكثر من 6000 سنة حتى الآن، فإن المورفين ليس مادة نباتية فقط، بل إن هذه المادة المهدئة والمخدرة والأقوى مفعولاً، والتي كان السومريون قد اكتشفوها واستخدموها منذ الألف الرابع قبل الميلاد، هي أيضاً مادة بيولوجية خلوية تنتجها ذاتياً أجسام البشر والحيوانات·· هذا ما توصلت إليه مؤخراً نتائج الأبحاث الاختبارية التي أجراها فريق البروفيسورة 'شوتيما بويكنابو' من جامعة 'مارتن لوثر' في ألمانيا، والتي عادت وأكدتها لاحقاً أبحاث اختبارية مقارنة أجراها في الولايات المتحدة فريق البروفيسور 'جورج ستيفانو' من معهد 'علوم الأعصاب' في نيويورك·
هذا الاكتشاف المثير، والذي أقل ما يمكن أن يقال فيه انه يأتي كمفاجأة كبرى غير متوقعة، من شأنه وفي الدرجة الأولى، إحداث ثورة جذرية في عالم الطب· وكما تقول البروفيسورة 'شوتيما': 'أصبحنا نعرف الآن أننا قادرون على إنتاج المورفين بأنفسنا، وهذا ما يضعنا أمام عصر جديد تماماً سواء في الصناعة الصيدلانية أو في فهم ومعالجة الألم أو في المناعة الذاتية والخلاص من مشكلات الإدمان'· مرجعيات طبية طرحت الكثير من التساؤلات حول هذه المسألة، منها أن الكثير من كتب الطب، الحديثة والقديمة، تتحدث عن 'مادة مورفين ينتجها الجسم البشري أو الحيواني' ولها مفعول مماثل تماماً للمورفين النباتي، المصنّع صيدلانياً، وتعرف باسم 'الإندو مورفين' وهذا ما يعني على الأقل أن هذا المورفين الجسماني أو العضوي أو الحيواني، كان معروفاً من قبل، فلماذا إذن تجاهل هذه الحقيقة العلمية حتى الآن؟·· وهل كان السبب هو الصناعات الصيدلانية التي لا تهمها سوى الأرباح التجارية أولاً وأخيراً؟·· وما الفرق بين المورفين النباتي وبين المورفين الجسماني المسمى علمياً إندومورفين؟·
مفعول الاندومورفين قصير الأجل لأن مكوناته تتحلل خلال دقيقتين، أي قبل أن تتمكن من الوصول إلى الدماغ، وفي المقابل يستمر مفعول المورفين ما بين عشرين وستين دقيقة، مما يعطيه الوقت الكافي للوصول إلى الدماغ والى إظهار مفعوله·
مورفين·· الحليب
إلى ذلك، كانت أبحاث في البيولوجيا العصبية قد أظهرت في السبعينات وجود آثار مورفين عادي في أجسام الحيوانات والبشر، لكن العلماء فسروا ذلك في حينه بأنه ناجم عن بعض المواد الغذائية التي تحتوي عليه، كالحليب بصورة خاصة، غير أن ذلك التفسير لم يكن مقنعاً للجميع، من أمثال البروفيسورة 'شوتيما' التي ارتأت الشروع في أبحاثه لحسم هذه المسألة· تقول: 'تجاه تعدد التفسيرات والآراء، كانت الطريقة الوحيدة لكشف الحقيقة هي في البحث عن آلية إنتاج الاندومورفين داخل خلايا الجسم مباشرة، وهذا تماما ما فعلناه'· ولإثبات أن المورفين الموجود في أجسامنا ليس متأتياً من المواد الغذائية، قامت 'شوتيما' وفريقها بزراعة عينة من الخلايا العصبية البشرية إلى جانب خمس مواد من العناصر المستخدمة في تصنيع المورفين النباتي وذلك بهدف معرفة ما إذا كانت تلك العناصر سوف تتخالط مع المورفين الموجود في الخلايا العصبية البشرية·
يشار هنا إلى أنه، من الناحية الكيميائية، تحتوي كل خلية مورفين نباتي على ذرتين من الأوكسجين (18)، وهو أوكسجين خاص أثقل من الأوكسجين العادي· وكما تقول 'شوتيما': 'إن الخلايا الجسمانية لا تنتج سوى كمية ضئيلة جداً من المورفين بحدود بضعة نانوجرام فقط، وهذا ما يوجب استخدام أجهزة خاصة وبالغة الحساسية في الاختبارات، منها مثلاً تقنية التصوير الكروموسومي في الحالة الغازية'· وفي محصلة الاختبارات تبين أن المورفين الذي تنتجه الخلايا المزروعة إلى جانب الأوكسجين 18 أثقل من المورفين العادي بأربعة أضعاف، وهذا ما يثبت بصورة حاسمة قدرة الخلايا الحيوانية على إنتاج المورفين· ولكن ما أهمية هذا الاكتشاف وما المتغيرات التي سوف يحدثها ثبوت وجود المورفين البشري؟
الباحث الأميركي، البروفيسور 'جورج ستيفانو' الذي قام باختبارات تأكيدية لاختبارات البروفيسورة 'شوتيما' يقول إنه أصبح ممكناً الآن تخفيف الألم من خلال زيادة كمية المورفين التي ينتجها جسم المريض نفسه، وذلك من خلال حقنه بمادة 'راتيكلين' مثلاً، فإن هذا من شأنه التخلص من العوارض الجانبية التي تتسبب بها غالباً حقن المورفين الصيدلاني·· ومن ضيق التنفس الذي قد تتسبب به جرعة زائدة من ذلك المورفين الغريب عن الجسم·
أهداف علاجية
من جهتها، تسعى البروفيسورة 'شوتيما' إلى استخدام هذا الاكتشاف في فهم مرض باركنسون، تقول: 'إن مادة 'دوبامين' التي يؤدي نقصها إلى ظهور عوارض هذا المرض، هي في الواقع من منتجات المورفين الجسماني، وبالتالي فإن التلاعب في ضبط هذا الإنتاج قد يؤدي إلى الشفاء من مرض باركنسون'·
'شوتيما' تأمل أيضاً في استخدام المورفين الجسماني في علاج العديد من الالتهابات الناجمة إجمالاً عن ضعف في أنظمة المناعة الذاتية، والمؤدية غالباً إلى أمراض القلب والشرايين، وخاصة بعدما ثبت مؤخراً من دور أساسي للالتهابات في إعاقة حركة لويحات الدم المسبب الأساسي للجلطة القلبية·
لكن، تضيف 'شوتيما'، لا يمكن الرهان على الشروع في أبحاث كهذه قبل التأكد من أن المورفين الجسماني لديه القدرة البيولوجية الكافية للتأثير على خلايانا·
على أي حال، فإن أبحاثاً أجراها البروفيسور 'جورج ستيفانو' عام ،2003 تبعث على الكثير من التفاؤل: ففي الأنسجة العصبية والمناعية، اكتشف بروتيناً على سطح كل خلية تقتصر مهمته فقط على امتصاص ما أمكنه من مورفين·· وبالتالي، فإذا تأكد وجود مثل هذا البروتين فعلاً، فسيكون في ذلك تأكيد على وجود دور هام للمورفين الجسماني على مجمل الجسم· لكن تبقى تحديات كبيرة أمام العلماء في هذا المجال، في طليعتها: كيف يمكن ضبط عملية إنتاج المورفين الجسماني؟·· التطبيقات الصيدلانية لاكتشاف المورفين الجسماني ما يزال بانتظارها المزيد من الوقت لتدخل حيز التنفيذ·· إنما يبقى أن هذا المورفين 'الداخلي' قد فتح الباب واسعاً على آفاق علمية وعملية لا حدود لها·
من جهته، يتوقف الدكتور 'جان كلود مونييه' مدير مختبر أبحاث البيولوجيا العصبية في مركز خزس الفرنسي، عند ما توصلت إليه 'شوتيما' و'ستيفان' حول ضعف حيوية المورفين الجسماني، معتبراً أن ذلك بحد ذاته يشكل إنجازاً علمياً بالغ الأهمية، لكنه يشدد على أنه قبل التفكير بأية تطبيقات صيدلانية، يجب التأكد مما إذا كانت الخلايا الدماغية تقوم فعلاً بإفراز مادة 'ألكوليد'· 'مونييه' يؤكد أنه في حال تم التأكد نهائياً، من إنتاج الخلايا الجسمانية للمورفين، فمعنى ذلك ثبوت وجود نظام تواصل ما بين المورفين والدماغ، وهذا ما يشكل بحد ذاته كشفاً علمياً بالغ الأهمية في مجال بيولوجيا أو وظائف الأعصاب·
'أورينت برس'
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©