الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المرأة المفترى عليها
المرأة المفترى عليها
2 أغسطس 2005

وفاء محمود العلي:
ربما لا نأتي بجديد حين نقدم توصيفاً نقدياً للطريقة التي تتعاطى بها وسائل الإعلام، وهي هنا تحديداً السينما، حين نقول إنها قدمت للمرأة صورة نمطية تقليدية تدور في فلك واحد لا تغادره، فهي إما الزوجة والأم وربة البيت التقليدية المحاصرة بين هموم الزوج والأولاد، أو العاملة الممزقة بين متطلبات العمل ومسؤوليات الزوج والأولاد وتوابعهما·
وتهمل الأفلام والمسلسلات ـ إلا نادرا ـ أدواراً أخرى كثيرة تقوم بها المرأة في الواقع مثل الدارسة والباحثة والمبدعة والمحامية والمهندسة والقاضية والمدرسة والمناضلة والمعتقلة السياسية وغيرها من الأدوار التي تشارك من خلالها في تنمية المجتمع والمساهمة في صنع القرار على المستويات السياسية والإدارية والاقتصادية· وحتى لو تعطفت وقدمت هذه الأدوار فهي في الغالب تتعامل معها على مستوى المعالجة الدرامية كما لو أنها مشكلة أو مأزق أو ورطة تجعل النساء يخشين من هذا النموذج أو تكرار مأساته الحياتية والأسرية·
والغريب أن المرأة في الحالتين أو النموذجين السابقين تقدم في هذا الإطار أو الكادر بلغة السينمائيين بوصفها تفتقر إلى العقلية العملية وتتسم بضيق الأفق وقد تلجأ إلى الشعوذة والسحر والزار وغيرها من الممارسات الاجتماعية في سعيها لاكتساب حب الرجل ومحاربة أي امرأة أخرى تشاركها فيه حتى لو كانت في وضع علمي أو ذات مركز اجتماعي مرموق، كما أنها تفتقر إلى هوية مستقلة وتلجأ في حل مشكلاتها إلى الرجل سواء كان أبا أو زوجا أو أخا أو ابنا، أو تظهرها في صورة المرأة التي تخشى فقدان جمالها وتخاف من تقدمها في السن الذي يعني فقدان الرجل·
فضاءات نمطية
وهكذا تتحرك الصورة في الفضاءات التي رسمها لها المجتمع كأنثى، أما المرأة التي تحاول الرفض أو التمرد على هذه الصورة النمطية فغالبا ما تنتهي حياتها أو محاولتها للتمرد على نحو مريع وليس أمامها إلا الموت أو الانتحار أو الانحراف وهكذا تقوم السينما عن قصد أو غير قصد بتكريس تبعية المرأة المطلقة وغير المبررة للرجل حتى لو كان ظالما لان المقابل اسوأ بكثير من رفض القمع، وعليه، ليس أمامها سوى خيار واحد هو القبول بالعسف والظلم بأشكاله المختلفة، حتى لو كانت مبررات التمرد واقعية ومقبولة على المستوى الديني والأخلاقي أو كان الظلم الذي يمارس في حقها واضحا وبشعا ويتنافى بشكل سافر مع تعاليم الدين الحق لكنه مقبول من قبل العرف والتقاليد·
إرث أيديولوجي
وتجمع الدراسات والبحوث والكتب التي عالجت هذا الموضوع على أن السينما شوهت صورة المرأة العربية، وأظهرتها بصورة سلبية ومزيفة ولم تتعرض للقضايا والمشكلات الحقيقية التي تعاني منها المرأة خاصة المرأة العاملة·
وتؤكد الناقدة السورية ديانا جبور أن المرأة في الأفلام السورية تحمل الكثير من الإرث الأيديولوجي والنفسي والتراثي والحضاري، وأن صورة المرأة حملت وجهة النظر الاجتماعية السائدة باعتبارها رمزا للشر والغواية علاوة على الدونية التي ينظر إليها من خلالها، إضافة إلى كونها العضو الضعيف والجاهل الذي يحتاج عادة إلى من يقوم على شؤونه ويحل له مشكلاته ويتخذ عنه القرارات المهمة وغير ذلك كثير· وتشير إلى أن قضية المرأة في بعض الأفلام عولجت ضمن ثنائية 'الضحية والجلاد' لكن المرأة ظلت آثمة أو مدانة في جميع الأفلام تقريبا (السكين لخالد حمادة، شيء ما يحترق لغسان شميط، السيد التقدمي لنبيل المالح)، ولا تنفي وجود بعض النماذج المشرقة في بعض الأفلام التي أبرزت قدسية الهالة التي تحيط بالأم (آه يا بحر لمحمد شاهين، صعود المطر لعبد اللطيف عبد الحميد)·
الأنثى اللعوب
ويقول الناقد السينمائي سمير الجمل: 'السينما العربية وخاصة المصرية لم تنصف المرأة بل على العكس جرحتها وطعنتها وأظهرتها مجرد جسد فحطت من قيمتها، انه ميراث قديم وضع المرأة في صورة الأنثى اللعوب، أو أظهرها ضعيفة ومستكينة، أو امرأة متسلطة تتحكم بالرجل وتستبد به، وإن ظهرت أفلام قليلة أنصفت المرأة بشكل حقيقي لكن لا بد من الاعتراف أن كتاب السيناريو قدموا صورة مشوهة عن المرأة'·
صورة رخيصة
من جهتها ترى الممثلة منال سلامة أنه: 'في فترة الثمانينات إلى التسعينات كان هناك كم هائل من الأفلام التجارية التي روجت لصورة رخيصة جدا عن المرأة، بدافع السعي وراء الربح من قبل المنتج، فعندما ينجح نوع من الأفلام في تحقيق إيرادات كبيرة يتجه المنتجون إلى نسخ أفلام على النمط نفسه، وهذا ما نلحظه الآن في الإنتاج السينمائي المتهافت على سينما الشباب'·
الوجه الآخر
أما الناقد السينمائي حسام لاشين فيقول: 'تجلى الوجه الآخر للمرأة في السينما الجادة التي قدمت المرأة بتنويعات مختلفة في الأفلام التقليدية مثل (الحرام أو دعاء الكروان) ومنها أفلام قدمت في فترة الثمانينات والسبعينات أطلق عليها السينما الواقعية الجديدة وفيها ظهرت المرأة التي تعاني من القهر وتعيش حالة من التشتت داخل مجتمع ذكوري يحاول أن يفرض سيطرته على المرأة ويكرس نزواته، ويستولي عليها· إن المرأة ظلمت كثيرا في السينما المصرية لكن هناك إرهاصات نجحت في أن تنصف هذه المرأة وان لم تكن قد أنصفتها تماما حتى هذه اللحظة'·
تزييف وتلفيق
ويعلق المخرج نبيل المالح بالقول: 'إن الميزة الرئيسة للسينما السورية أنها لم تأخذ إرثا كبيرا من تقديم المرأة في السينما المصرية التقليدية فيما عدا أفلام قليلة، فقد تم تلفيق وتزييف صورة المرأة عامة في المجتمع العربي في الخمسينات والستينات· إن السينما السورية استطاعت في القطاع العام خصوصا أن تقدم تصورا مختلفا لصورة المرأة من خلال مخرجين مثقفين، ذوي نظرة متحررة من القيود ومن الاعتبارات والأحكام المسبقة فتخلصوا من فكرة أن المرأة جسد وأنها تابعة للرجل واستطاعوا أن يحققوا مقاربات مختلفة النوعية من مخرج لآخر بالتعامل مع المرأة'·
غواية وغرائز
مما سبق يمكن القول إن السينما العربية تعاملت مع المرأة بوصفها موضوعا غرائزيا وقامت بالمتاجرة بالمرأة من خلال تقديمها في إطار عنصر الغواية والإثارة وكأنها مجرد جسد جميل مطلوب إظهار محاسنه ومفاتنه وهو ما يعرض المرأة لأشكال مختلفة من الامتهان والسوقية ويجعلها في حالة اغتراب متواصل عن أدوارها الجادة المتعددة والمطلوبة منها باعتبارها مواطنا منتجا وكائنا بشريا بل وإنسان له حقوقه ومكانته وكرامته التي ينبغي أن تصان، وهكذا يمكن اعتبار السينما واحدة من العوامل التي تساهم في تخلف المرأة العربية وحجب دورها الحقيقي المأمول منها في تنمية المجتمع وتفاعلها المثمر والبناء والمسؤول مع هموم مجتمعها وما يتعرض له من تحديات تستوجب استنهاض طاقات كل فرد فيه·
تخويل ضمني
ومن المعروف أن غالبية الذين تصدوا لصناعة السينما هم من الرجال في مقابل غياب الحضور الفعال للمرأة في عمليات الإنتاج والإخراج وما تبقى داخل هذه الصناعة، وهكذا لم تكن المرأة العقل المدبر أو المبرمج للعمل السينمائي وإنما اختارت التمثيل على الإخراج أو السيناريو، مما يعني أنها خولت الرجل ضمنيا - بقصد أو بدون قصد- أن يتحدث عن مشاكلها وهمومها وبلورة مكانتها فهل كان هذا سببا من الأسباب التي رسمت هذه الصورة السلبية للمرأة أم أن قوانين السوق والتوزيع والشباك تفرض سطوتها على الرجل والمرأة على حد سواء!؟·
وبعد، يبقى السؤال قائماً: لماذا توضع المرأة دائما أمام خيارين أحلاهما مر؟ فإما قبول الظلم والقمع والاضطهاد والتخلف والهامشية ونصف المواطنة والسلبية والعجز وإما أن تنحرف وتتحول إلى غانية تنهشها الذئاب وتصبح لقمة سائغة للوحوش المفترسة، ولماذا لا يكون هناك حل ثالث عادل ومنطقي يتمثل في تجذير علاقة تكامل وتكافؤ بين الرجل والمرأة في مجتمع يحترم كليهما، ويتيح لكل منهما أن يمارس دوره الطبيعي الذي يتلاءم مع قدراته وخصائصه وطبيعة تكوينه؟·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©