صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الرحلة أهمّ من المكان

مشهد من فيلم آلات حادة (أرشيفية)

مشهد من فيلم آلات حادة (أرشيفية)

إبراهيم الملا

«لا تبحث عن الماء.. ابحث عن العطش» قد تهيئ هذه المقولة الضاجّة بمغزاها العميق، مدخلاً مناسباً للانكشاف على فيلم نجوم الغانم الجديد «آلات حادة»، الموغل بانجذاب عاصف وحميمي أيضاً نحو الأدغال البصرية والأحراش الذهنية المحيطة والمتداخلة مع أعمال وأفكار وتجارب الفنان الراحل حسن شريف، إيغالاً يتطلب الكثير من الصبر والتأمل والانشداه والمجاراة والذوبان داخل هذا الحقل الهائل من التصورات الغزيرة، والاعترافات الجامحة، والرؤى التحطيمية، والأخرى الإشراقية، التي يعرضها حسن شريف في الفيلم بجرأة وصرامة، وبصيغة تهكمية وخادعة أحيانا، خديعة تبرّر السخرية المرّة من الحياة ذاتها، الحياة المترنحّة والثملة والدائخة حدّ اليقظة الأخيرة أمام مشهدية الفقد والغياب، خديعة مماثلة لوقوف الفيلم نفسه على البرزخ الفاصل بين وجود الفنان المشتبك آنيا مع الصورة كروح وذاكرة، وبين غيابه الأكيد والقاطع كحضور وجسد.

يخترق فيلم «آلات حادة» الحدود الافتراضية بين التوثيق كبرهان على حالة مضت، وبين التقاط اللحظة الحية، والعيش فيها، وتلمّس تفاصيلها الحارة والطازجة بين أيادينا وعلى مرأى منّا، هي لحظة ديمومة متواصلة، وومضة تأثير متوهّجة لقامة فنية عالية وشائكة مازالت تعمل وتنتج على المستوى الذهني والتوثيقي وتغري المعنيين بالفن لملء فراغات نقدية كثيرة فيها وحولها، ومازالت تبتكر مساحات ثرية من الجدل والسجال والمداولة الفكرية والمعرفية لتحولات المشهد التشكيلي المعاصر محلياً وعربياً وعالمياً.

شخصية إشكالية
في هذا المناخ الإشكالي حول شخصية إشكالية وغير تقليدية شهدت كفاحاً فنياً مريراً ونضالًا فكرياً طويلًا، تجول كاميرا نجوم الغانم وسط مرئيات ناطقة داخل ورشة حسن شريف بمنطقة البرشا في دبي، تتحرك الكاميرا أفقيا في المكان، وعمودياً في خيالات صاحب المكان، وكأنها تقدم سرديات بصرية لا فكاك من سطوتها وغوايتها، خصوصا وأنها تترافق مع بوح الفنان نفسه، بوح متمهل واستعادي، شائق وشاهق، تصدّره مراجعات ذاتية وحكايات طفولة بائسة حسب وصف حسن شريف لها وأسفار ومغامرات حسّية وصداقات وتجاذبات مع نقاد وفنانين وأدباء وشعراء لم يقرأ لهم، بقدر ما قرأ حيواتهم، وقرأ الشعر في مسلكهم وجنونهم وعبثهم، وهكذا لم يكن حسن شريف ميّالا للاستعارة والتجريد ولا للشرح والإفاضة، كلماته كانت مختصرة وخاطفة ومكثفة ولكنها تمتد إلى أقاص وأوقيانوسات وفراديس ومديات معذّبة بدت أكبر من مجرّد حياة عابرة نعيشها لمرة واحدة، وفقط، حياة زئبقية ثقيلة ومتسرّبة وخدّاعة، ولا تخلو كذلك من فواصل واستراحات، تنمو فيها البهجة، وتتناسل في غيماتها أقواس قزح.
ثمة موسيقا هنا تؤجج فضاء العمل الفني الذي يقدمه حسن شريف بشهية عارية من كل تزويق وتزيين وزخرفة، موسيقا اختارتها نجوم الغانم بعناية انسياقا مع التكرار والمداومة والطرق والإيقاع الشبيه بسقوط حبات مطر على شرفات صامتة، وهي العناصر والإيقاعات التي تشكل جوهر تجربة حسن شريف، تجربة تقع تحت انتباهة عين واستفاقة فكر ومكابدة يد.
جاءت الفواصل الشعرية التي كتبتها نجوم الغانم من أجل التمهيد لانتقالات مشهدية تتحرك برشاقة وخفة وسط غابة من العلامات والعناوين والمحطات التي تشكل في النهاية «كرونولوجيا» حسن شريف نفسه، كرونولوجيا يصعب تسويرها وتحديدها وإظهار كل ملامحها في فيلم يمتد زمنه إلى ساعتين أو أقل، يأتي الشعر هنا بصيغته الكاليغرافية، كنصوص وتأملات بدت مثل كتل بصرية موزعة بوعي يلامس النسق التركيبي في الأعمال الأخيرة لحسن شريف، وبما يتطلبه هذا النسق من بناء وتجهيز يتجاوز الشكل النهائي للعمل، ويذهب بعيداً إلى ضفاف وآفاق يشتغل فيها التحليل ويتوالد فيها النظر إلى ما وراء اللوحة وما وراء المنحوتة.

حضور كارزمي
خضع فيلم «آلات حادة» لحضور وسطوة الفنان، لكاريزما تسكنه بالأحرى، كاريزما لا يدّعيها ولكنها مطبوعة فيه، ومحيطة به مثل هالة مسترخية ومثل ضوء أليف، لا يملي الفيلم على الصورة اجتهادات وإضافات تأتي من خارج الكادر، كل العناصر البصرية فيه مشغولة على حجم وقياس المركز الذي تشعّ منه الفيوضات والرؤى والتحولات المشتبكة بسيرة حسن شريف الذاتية، والتي يتدرّج الفيلم في التقاط خيوطها، عابرا فضاءاتها الرحبة ومستدعياً أهم محطاتها، من خلال الأرشيف الفني المزدحم بأعمال منوعة ومتباينة، ابتداءً من رسوماته الكاريكاتورية في السبعينيات، وصولاً لفن الأداء الجسدي «اليبرفورمانس»، وانتهاء بآخر أعماله المفاهيمية، وكذلك من خلال الصور الأرشيفية الموثقة من قبل أصدقاء حسن شريف، عطفا على أعمال كثيرة مقتناة من قبل جامعي التحف الفنية، وأخرى تعود لمعارض شخصية عديدة قدمها شريف في العقود الأربعة الماضية، بالإضافة لأعمال تم عرضها بمتاحف محلية وعالمية مختلفة.
بدا حسن شريف في الفيلم وكأنه عصيّ على التصنيف، وأن الانعطافات القوية والهبّات العاصفة في حياته هي التي كونت شخصيته المتمردة على الأطر والمسميات الاجتماعية وحتى الفنية، فهو يرى أن تصنيفه كفنان مفاهيمي سيجعله مدافعا عن هذا التيار طوال حياته، بينما هو يعيش يوميا لحظة التغيير، حتى أن تكنيكه في إنتاج أعماله المفاهيمية، وهو تكنيك قائم على التكرار الذي يصل إلى حد إزعاج واستفزاز المتلقي، يرى أنه تكرار شكلي فقط بينما في الأصل، فإن كل جزء متشابه في هيكل العمل وشكله النهائي إنما يمتلك زمنا مختلفا عن نظيره، زمن له حيّزه الخاص ولا يمكن تكراره في المجمل، لأنه مثل نهر الفيلسوف «هيرقليطيس»، الذي لا يمكن أن تضع فيه قدمك مرتين.

سردٌ آسر
اعتمدت نجوم الغانم في الفيلم على رموز وإشارات وإيحاءات سمعية وبصرية استثمرتها وبشكل مواز في التأسيس لإطلالة حسن شريف في كل مشهد مستقل، إطلاله كان فيها السرد الذاتي طاغيا وآسرا، فكل هذه الحكمة والفلسفة الخاصة التي ينطلق منها الفنان لابد وأن تتحول سريعا إلى قوام فاتن وسمت مدهش، لا يزاحمان دهشة وفتنة الأعمال والصور المتدفقة على شريط الفيلم، بقدر امتزاجهما مع هذا النداء الخفي الذي يجعلك منقادا لتفاصيل نابضة وملموسة داخل الفيلم، ويجعلك محاطا أيضا برعاية غير متكلّفة من حسن شريف نفسه، ومن دون تجرح أن عزلة الفنان بأدواتك الحادة، بفضولك وتساؤلاتك ورغبتك في اكتشاف منابع هذه الموهبة المتفردة، أمّا هذه الحيرة القابعة بين الفضول والتردد، فقد كشفت عنها نجوم الغانم في نهاية الفيلم عندما سألت حسن شريف: هل سببنا لك إزعاجا؟
وكانت ضحكته الخافتة كفيلة بأن تزيل كل لبس بأن قلبه يسع الجميع، حتى وإن بدا ظاهريا أنه من نوعية الفنانين المسكونين بفوبيا الآخر، هناك مساحة من المحبة لا يمكن تشويهها في دواخل حسن شريف، مساحة للقطط الصغيرة التي يرعاها في بيته، والشجرة المعدنية التي يرويها كل يوم، وملكة بريطانيا التي يشرب معها شاي العصر بحديقته، ومساحة أكبر لأصدقائه الحقيقيين والمتخيلين أيضاً رغم خصوصيتهم وندرتهم في حياته.
يرى حسن شريف أن الرحلة بالنسبة له أهم من الوصول إلى المكان، وأن العيش في التناقض هو العيش الحقيقي لأنك لا يمكن أن تعرف اللون الأبيض إذا لم تر أمامك اللون الأسود، وأن التناقض هو الذي يخلق الانسجام والتناغم في حياتنا.
موضحا أن أعماله تجمع بين نقيضين متضادين: القطع والربط، والبتر والوصل، وشبه هذا الفعل بما كانت تقوم به شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة حيث انتصرت على شهريار بالغواية والدهاء وأجلت موتها من خلال تقطيع الرواية إلى قصص وتحويلها إلى رواية لا نهائية، مشيرا إلى أن الربط والقطع هما فعل أنثوي بامتياز، وأنه يشعر بوجود أنثى كبيرة في داخله، لا تمل من خلق إيقاع متواصل يجعل الحياة مستمرة وقابلة للعيش، مؤكدا تعلقه بالجانب الطقسي البدائي الذي مارسه الإنسان القديم بعفويته وفطرته ورغبته الصافية في الاكتشاف، وليس بالجانب الروحاني الثيولوجي المنشأ، مشيرا إلى أن مفهومي الفراغ والهدر هما مفهومان مهمان في التيارات التشكيلية المعاصرة، قائلا: «جميل أن يهدر الفنان وقته لإنتاج أعمال فنية».
يقول حسن شريف أيضا، وفي إحدى شهاداته الضارية بالفيلم: «أنا عائلة نفسي، يتملكني شعور بالاستحواذ لا أستطيع تفسيره، ولكنني غير أسير للحنين أو النوستالجيا، أنا أعيش تناقضي الجميل، أخلق قصصا وأنشرها على شكل أعمال فنية، الحياة كلها خلق لقصص جديدة، وتخفيف من وطأة قصص قديمة». إنها الرواية غير المكتملة إذن، المصاغة بوهم الخواتيم، ولا خواتيم لها، إنها الأضداد الملتحمة أيضا، والتناقضات المتعانقة، التي تذكرنا بالتوصيف النيهلستي للشاعر الراحل أحمد راشد ثاني، عندما شبّه نفسه في لقاء معه نهاية الثمانينيات بـ: «الغريق الشرس» جامعاً بين الانهدام والانبعاث، وبين الهشاشة والصلابة، وبين الغريزة والقانون، وبين الحرية والخذلان، على أرضية «الكونتراست» المولّد لجماليات الافتراق، بين المتنافر شكلا والمتناغم ضمنا، بين الضوء والظل، أو بين الامتلاء والخواء، تماما في تلك المسافة الذهبية التي تتّسع فيها المعاني وتضيق فيها العبارات، إنها «قوة الروح» ذاتها التي تمتع بها حسن شريف ليس بالمفهوم الصوفي والعرفاني، ولكن بالمفهوم الوجودي المتحرر من كل قيد خارجي، ومن كل تصنيف فني انتقائي، ومن كل اتجاه ملزم، بهذا اهتدى حسن شريف للغموض كلّه، في الوضوح كلّه، وذهب إلى هاوية باذخة، ارتفعت به فوق الجميع !، متفرداً واستثنائياً ولا يشبهه أحد.

عن الفيلم
فيلم «آلات حادة» وثائقي من إخراج وسيناريو : نجوم الغانم.
إنتاج : نجوم الغانم وخالد البدور.
تصوير: إلياس طراد.
مونتاج: آن دي مو.
موسيقى: محمد حداد.
حظي الفيلم بدعم من الشيخة حور القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للفنون، ومن هدى الخميس كانو مؤسسة مجموعة أبوظبي للثقافة، ومن أصدقاء ومحبي حسن شريف.
حاز الفيلم جائزة المهر الإماراتي لفئة الأفلام الطويلة بالدورة الـ14 من مهرجان دبي السينمائي الدولي.