الاتحاد

الملحق الثقافي

لذّة الفناء في المحبوب

خليل عيلبوني

خليل عيلبوني

يا ساقي القوم من شذاهُ
الكلُّ لما سَقَيْتَ تاهوا
ما شرب الكاس واحتساهُ
إلا محبّ قد اصطفاهُ
يا عاذلي خلِّني وشربي
فلست تدري الشراب ما هو
قم فاجتنِ قهْوة المعاني
من صفوة الكاس إذ جلاه
واسمعْ إذا غنت المثاني (1)
تقول يا هو لبيك يا هو
واطرب بذكر الحبيب وافرح
قد بلغ الشوق منتهاهُ
ما قلت للقلب أين حِبي؟
إلا وقال الضمير ها هو
بهذه الأبيات الصوفية الرائعة نستهل لقاءنا اليوم وللمرَّة الثالثة مع الشاعر الأندلسي الصوفي أبي الحسن الششتري.
?قل لي يا أبا الحسن، إلى ماذا ترمز الخمرة في شعر الصوفية عامة وفي شعرك على وجه الخصوص؟
??كما تدخل خمرة الكرم شاربها إلى عالم جميل بعيد عن الواقع، تدخل المعاني والكلمات التي تنطلق في قلب المحب للذات الإلهية قائلها إلى عالم حقيقي لا خيالي، أشبه ما يكون بالجنّة التي وعد بها الله عبيده الصالحين... نحن بالفعل حينما نناجي المحبوب بكلماتنا نشعر بالسكر وننسلخ عن عالم الماديات ونحلق في عالم الروح بلذّة ما بعدها لذّة، ونشوة تتضاءل أمامها نشوة السكر من خمرة الكرم.
?هل قابلت أبا الحسن الشاذلي.. شيخ الطريقة الشاذلية؟
??كانت أمنية عمري أن أفعل، ولكنني التقيت ببعض تلامذته.
? ولكنك اعتبرت شاذلياً...
?? نعم .. في فترة ما.
? هل رحلت عام 650 هجرية إلى الشام؟
?? نعم .. كنت أحاول أن أتبع شيخي ابن سبعين الذي نفي من مصر فتوجه إلى مكة.
? يقال أيضاً إنك خلفت أستاذك ابن سبعين في الإمامة على الفقراء والمتجردين...
?? كنت واحداً منهم وأسافر معهم في معظم الأسفار التي قمت بها.
?هل صحيح أنه كان يصحبك في تلك الأسفار أكثر من أربعمائة فقير؟
?? نعم.
?يقولون أيضاً إنك كنت إماماً لطريقة جديدة هي الطريقة الششترية، فماذا تقول؟
??كان بعض العاجزين عن فهم الشيخ ابن سبعين يجدون ضالتهم في أقوالي وأزجالي وأشعاري.. ولكنني أنا كنت تابعاً ومريداً لابن سبعين.

حنّت الطينة إلى الطينة
?أخيراً استقر بك المقام في مصر؟
?? كان ذلك هو المقام الأخير .. الموت.
?دمياط؟
?? بل في قرية صغيرة قريبة من دمياط واسمها الطينة.
?هناك قلت قولتك المأثورة: حنّت الطينة إلى الطينة. ولكن فقراءك حملوك على أعناقهم إلى دمياط.. حيث دفن جثمانك فيها. حدثنا عن مؤلفاتك يا أبا الحسن...
?? ما ذا وصلك منها يا ولدي.
?الرسالة العلمية.. وهي عن فكرك الصوفي.
?? في الموضوع نفسه لي كتاب المقاليد الوجودية في أسرار الصوفية.
? ولكنني لم أجد لك غير ذلك..
?? في أيامنا يا ولدي كنا نخط كتبنا بأيدينا... أما اليوم فالكتب بلا حصر ولا عدد.
?أتذكر بعض الكتب المفقودة.
?? العروةالوثقى في بيان السنن، إحصاء العلوم، الرسالة القدسية في توحيد العامة والخاصة، المراتب الإسلامية والإيمانية والإحسانية.
?لم أعثر على أي من هذه المؤلفات التي ذكرتها والتي ذكرها المؤرخون أيضاً.
?? وكم ضيّع القوم من هذا التراث الكبير.
? الحمد لله أن شعرك لم يفقد.
??والفضل في ذلك للفقراء.. لقد حفظوه في صدورهم جيلاً بعد جيل.
?ما زالت كلمات قصيدتك الزجلية الأولى شويخ في أرض مكناس تتردد بين الناس هذه الأيام.
?? ولكن المغنين لم يأخذوا إلا المقاطع الأولى منها.
?وهل يضايقك ذلك؟
?? قد تكون المقاطع الأخيرة أكثر تعبيراً عن فكري الصوفي.
? مثلاً؟
?? مثلاً قولي:
من عمل يا بني طيِّب
يا يُصيب إلا بطيِّب
لعيوبوا سينظر
وفعالوا يعيِّب
والمقارب بحالي
يبقى برّا مسيَّب
من معوا طيبة أنفاس
يدري عذر المغني
أش علي أنا من الناس
واش على الناس مني

بين العامية والفصحى
?أتساءل يا أبا الحسن .. هل هذه الكلمات العامية.. وبلهجات المغرب والمشرق أكثر قدرة على تجسيد مشاعرك وحمل فكرك إلى الناس في الشعر المنظوم بالفصحى؟
??لكل مقام مقال يا ولدي... أنا رجل طريقة أكثر مني رجل شعر، ويجب أن أتحدث بلغة الناس حتى أستطيع الدخول إلى قلوبهم وعقولهم.
? ولكنك شاعر مبدع أيضاً.
? لا فضل لموهبتي في ذلك.
? لمن الفضل إذن؟
?? للفكر الصوفي الذي حملته وعشته ومت فيه.
?أكاد أفهم أن فكركم ليس أكثر من كلمات الشعر!
??ولكن الشعر نفسه من عطايا المحبوب... هل رأيت أو سمعت أن هناك شاعراً مبدعاً لم يكن الحب هو المثير والمحرك والفاعل في كل ما نظم.
? اسمح لي يا أبا الحسن أن أقرأ بعض أبيات من شعرك أمامك.
?? كلي أذان صاغية يا ولدي.
نظرت فلم أنظر سواك أحبُّهُ
ولولاك ما طاب الهوى للذي يهوى
ولما اجتلاك الفكر في خلوة الرضا
وغيّبتُ قال الناس ضلَّتْ بي الأهوا
لعمرك ما ضلَّ المحب ولا غوى
ولكنهم لما عموا أخطأوا الفتوى
ولو شهدوا معنى جمالك مثلما
شهدت بعين القلب ما أنكروا الدعوى
خلعت عذاري في هواك ومن يكن
خليع عذار في الهوى شَرَّه النجوى
ومزقت أثواب الوقار تهتكاً
عليك وطابت في محبتك البلوى
فما في الهوى شكوى ولو مُزَّق الحَشا
وعار على العشاق في حبك الشكوى

? ولماذا حفظت هذه القصيدة بالذات؟
?? لأنها تكاد تكون نموذجاً لكل شعرك.
?? شعري كله في موضوع واحد.. هو الحب الإلهي. وفي ذلك أقول:

سقيتُ كأس الهوى قديماً
من غير أرضي ولا سمائي
أصبحت فيه فريد عصري
بين الورى حاملاً لوائي
لي مذهبٌ، مذهبٌ عجيبٌ
في الحب قد فاق يا هنائي
يا من همو للجميل أهلٌ
إن لم يمنوا فيا شقائي

? معظم شعرك يا أبا الحسن يتكئ على السكر بالكلمات ونجوى الحبيب المتجلّي في الذات الإلهية.
?? بل كله يا ولدي ..
? فبماذا نختم هذا اللقاء.
?? بقصيدة تنبَّهْ قد بدت شمس العُقارِ.
? ولماذا هذه القصيدة بالذات.
?? لأن لها ذكريات خاصة يا ولدي، فقد قلتها بعد دخولي أحد الأديرة.. وأنا المسلم الذي لا يشرب الخمر.. وخمر الدير كان مشهوراً ومعروفاً لدى معظم الشعراء العرب.. ولكنني في ذلك الدير تجرعت كؤوس الكلمة وحلقت في فضاء الحبيب.. وسكرت في النجوى.
? شوقتني لسماعها يا أبا الحسن..
?? أقول:

تنبّهْ قد بدت شمس العُقارِ
وقد غلب الشعاعُ على النهارِ



سلافاً قد صفت قدماً وراقتْ
أدرها بالصغار وبالكبارِ
فما عصرت وما جعلت بدن (2)
وما سبكت زجاجتها بنارِ
شربناها بدير ليس فيه
سوى الحلاّج (3) في خلع العَذارِ
قديمٌ عهدنا بالسكر عزّاً
وما سُكْرُ الفتى منها بعارِ
نشا في القوم شماس (4) لطيفٌ
يجر الذيل في ثوب الوقارِ
فأفناهم به عنهم فتاهوا
فما يرويهم شربُ البحارِ
تراهم شاخصين بغير لبٍّ (5)
وقد سُلبوا بغير الاختيارِ
وعند دخولهم في الدير ألقوا
عصاهم إذ ألمّوا بالجوارِ
كما ألقى الكليمُ (6) بها عصاه
وولىَّ بالمخافة للفرار
وخلّوا رأس ما لهمو طريحاً
هناك وأقبلوا بالافتقار
إضاعةُ ما لهم وجبت عليهم
كما وجب السؤالُ بالاضطرارِ
لسان الششتريِّ بهم ولوعٌ
وعنهم حاله مُرُّ اصطبارِ

???
المراجع:
ديوان الششتري: تحقيق وتقديم الدكتور علي سامي النشّار.
ويكيبيديا الموسوعة الحرّة.
لسان العرب: ابن منظور.

معاني الكلمات:
-1خلع العذار: ترك الحياء .. وتحرر من الخجل.
-2 الدن: الوعاء الذي يحفظ فيه الخمر.
-3 الحلاج: أحد فلاسفة الصوفية وأعلامها واسمه أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج.
-4 الشماس: درجة في الرهبنة المسيحية.
-5 اللب: العقل.
-6 الكليم: النبي موسى عليه السلام.

اقرأ أيضا