صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«مطبخ» الهويَّات

الطاهية للفنان يوهانش فيرمير

الطاهية للفنان يوهانش فيرمير

د. هند السليمان

للطعام ولعلاقتنا بالطعام حكايات لا تنتهي. محاولة التعرف عليها هي محاولة للتعرف على ذواتنا وعلى التجارب التي خاضتها مجتمعاتنا. وفقاً للباحثين، بدايات ظهور المطبخ كانت منذ 500 ألف سنة، بينما استخدام النار كان منذ 79 ألف سنة. ما دلالة هذه الأرقام؟ وهل بدايتها تعني بداية تشكل مفهوم التجمعات البشرية وبالتالي نشوء «المجتمع»؟

وفقاً لعلماء الأنثروبولوجيا يعد ظهور «المطبخ نهاية مرحلة الاكتفاء الذاتي»، لما يتطلبه المطبخ من تعاون اجتماعي. عملية الطبخ تحتاج وقتاً للإعداد وللمراقبة، كما تحتاج لمن يقوم بإحضار ما سيتم طبخه، وتصنيع تجهيزات المطبخ وأدواته اللازمة للطبخ. لم تعد المسألة قطفاً والتهاماً فقط، بل عملية تستوجب تحضيرات. هذه التحضيرات تتطلب تعاون عدد من الأفراد. وجود هؤلاء الأفراد لتأدية تلك المهمة يتطلب تقسيماً للأعمال بينهم، وبالتالي عملية التقسيم ستمنح البعض امتيازات وفقاً لقدراتهم، وهذا سيخلق تفاوتاً تراتبياً يمنح البعض أدواراً قيادية، وآخرين أدوار أتباع. أليس هذا هو التنظيم الاجتماعي للمجتمعات الحديثة بشكله المبسط؟ ليتحول الطعام وفق هذا المنظار، إلى أحد تمثيلات السلطة ووسيلة للثروة وأداة للتداول، فوفقاً للأعراف زعيم القبيلة أو حاكم القرية هو على الأغلب من يمتلك أكبر مخزون من الطعام، ألم تكن الثروة سابقاً تحسب وفقاً لكمية الطعام التي يمتلكها أحدهم، بل إن العملة النقدية للتداول في ذلك العصر كانت أحد أصناف الطعام.

الطعام والتغير الاجتماعي
من هنا، أول تساؤل حول مجتمعاتنا يتعلق بمغزى وجود المجتمعات خارج مسألة تأمين الطعام والأمان لأفراد المجتمع. ليصبح السؤال: هل كان للأسرة وجود في شكلها الحالي لولا اختراع فكرة طبخ الطعام ومراحل إعداد الوجبات؟ هل للأسرة وجود أو معنى للوجود بلا مائدة طعام؟ بل إن نظرية التطور أشارات إلى تأثيرات أغذية معينة كأحد العوامل التي أسهمت بتشكل الإنسان الحالي ببنيته الذهنية والجسدية. وبالتالي يصبح للطعام تأثير فيزيقي لا على جسد الإنسان فقط، بل وعلى بنية الإنسان الفكرية والثقافية وبنية المجتمعات البشرية.
تأثير الطعام لا يكون فقط في علاقة الفرد بذاته وبعلاقته مع الطبيعة، بل إن التأثير يمتد إلى علاقة الأفراد بعضهم ببعض، ومن ثم يصبح الطعام فعالاً في عملية التغير الاجتماعي، باعتباره نسقاً من أنساق التواصل والتفاعل بين الأفراد في المجتمع. في هذا يرى سامي زبيدة «أن الطعام يعد علامة ثقافية بارزة حيال الحدود الاجتماعية، فقبل ظهور القوميات السياسية بمعناها الحديث، كانت هذه الحدود هي التي تميز بين الجماعات العرقية أو الدينية أو الجمهورية»، ليضيف «إن هذا التمييز عاد في العقود الماضية ليغدو معبراً عن أزمة الهوية داخل الدول الشرق الأوسطية الحديثة بشكل عام»، وبالتالي يصبح الطعام لا مجالاً للتفاعل الاجتماعي، بل وشكلاً للتعبير عن الهوية. فمثلاً، العودة المفاجئة لاستحضار الأطباق القديمة ومحاولات رصد وتذكر الطعام التقليدي الذي تم تجاهله، قد يكون مؤشراً لمحاولات إعادة إحياء الهوية «المتخيلة»، فكل هوية هي متخيلة بشكل ما. في المقابل رفض الطعام التقليدي والإصرار على الطعام العصري هي رغبة في نفض الماضي والانتماء الهوياتي للمستقبل. ألا نجد هذا الأمر يكثر بين المراهقين، حيث يرفضون تناول وجبات المنزل التقليدية مفضلين وجبات المطاعم سريعة الإعداد. مرحلة المراهقة هي أكثر مرحلة عمرية يواجه فيها الفرد أزمة هوية. ومن هنا ألا يمكن الاستنتاج أن المجتمعات ذات قائمة الطعام معدة بطريقة إعداد ثابته لا تتغير، مؤشراً على ثبات وربما جمود نسبي لتلك المجتمعات؟
حول علاقة الطعام بعملية التغيير داخل المجتمعات، يستعرض كتاب «أنثروبولوجيا الطعام والجسد» إحدى حكايات التغير تلك، عبر حكاية الخبز في أحد القرى الإيطالية. حتى بداية القرن العشرين لم تكن كل بيوت القرية تحتوي على فرن للخبز، القلة المحظوظة هي من تملك الفرن، هذا جعل عملية إعداد الخبز، وهو مكون أساسي في طعام تلك القرية، يتم في بيت الجارة المحظوظة التي تمتلك فرناً في مطبخها. هذه الممارسة أثرت لا على العلاقات الاجتماعية بين النسوة، بل وعلى الطبيعة الاجتماعية للسكان. لأن من تمتلك الفرن لا تعلم في أي وقت ستأتي فيه الجارات إلى بيتها لإعداد الخبز، فعليها أن تكون جاهزة على الدوام لاستقبالهن، فلا خصوصية مطلقة داخل البيت، البيت يجب أن يكون أنيقاً، وعلاقتها بزوجها كذلك، عند دخول الجارات وإلا لاستدعى الأمر تدخلهن وما يتبع هذا من إحراج مشترك.
الأمر الآخر، أصبح فرن الجارة القريبة المكان الذي تلتقي فيه الجارات لإعداد خبز يتطلب إعداده وقتاً من الزمن، وليس أفضل من النميمة للقضاء على الوقت الطائل انتظاراً لجاهزية الخبز. هنا، ليس البيت وحده المفتوح على الغرباء، بل الأسرار وقصص البيوت الأخرى كلها تعرض بلا خصوصية. ما أحدث التغير في نمط القرية تلك، هو حين تم افتتاح أول سوبر ماركت في القرية يقدم فيه الخبز جاهزاً تحمله على عجل وفي أي وقت تشاء، سوبر ماركت للقرية كلها لا كما الفرن الذي يجمع سكان الشارع الواحد ممن يعرف فيه أفراده بعضهم وبعض، بكل ما تعنيه المعرفة من أسرار وتفاصيل خاصة. هذا التغيير البسيط، وكما كشفته الباحثة، وعبر زمن، أسهم، مع عوامل أخرى، في طبع المجتمع بطابع فرداني تزعزعت فيه العلاقات الاجتماعية بشكلها التقليدي القديم، لتنقل مجتمع القرية من خصائص المجتمعات الجمعية للقرى إلى خصائص المجتمعات الفردانية في المدن. أحد محاور هذا التغيير كان رغيف الخبز!

بين الصين والسعودية
لنختتم هنا بسؤال نحاول من خلاله إسقاط هذا المفهوم على مجتمعنا السعودي، تعد الكبسة الطعام الرئيسي عندنا، التي أصبحنا نُعرف بها كمكون لهويتنا الثقافية أمام الآخرين، في المقابل لم يدخل الأرز مطبخنا بشكل واسع إلا قبل مائتين سنة، وذلك عبر «التمّن» العراقي، فكيف أصبح أشهر أطباقنا من منتج لم نتعرف عليه إلا منذ فترة قريبة نسبياً رغم وجود محاصيل زراعية أخرى في المنطقة وإن كانت محدودة، ومن هنا يصبح السؤال، ألا يفترض عادة أن يكون الطعام الأشهر في البلد من حصيلة منتجها الزراعي، فلماذا وجبتنا الأشهر هي الأرز؟ في المقابل هناك التمر، وعلى الأغلب حين يحضر في مطبخنا فهو يحضر بشكله الخام رغم وفرة إنتاجه هنا، فلا تنوع في الإعداد أو التصنيع.
على صعيد آخر، مجتمعنا يوصم عادة بأنه مجتمع محافظ ومع هذا نجد في مدننا، وعلى امتداد الشوارع، انتشاراً لمطاعم من مختلف الجنسيات والنكهات، بل إننا بدأنا نستهلك تلك الأكلات من البلدان المتعددة، في منازلنا بتلذذ، فلماذا كانت معدتنا أكثر انفتاحاً على ثقافة الآخرين بينما أفكارنا ليست بذات درجة الانفتاح؟
في المقابل المجتمع الصيني، وهو أيضاً مجتمع محافظ ولكن محافظته كذلك انسحبت على ذائقته الطعامية، فمن النادر أن يتقبل الصيني النكهات المغايرة للطعام، وهذا أحد أسباب وجود أحياء صينية في مدن الغرب التي هاجر لها الصينيون، فما الذي يصنع هذا التمايز بين المجتمعات في الانفتاح الذائقي والفكري؟

حدود الطعام
يرى سامي زبيدة «أن الطعام يعد علامة ثقافية بارزة حيال الحدود الاجتماعية، فقبل ظهور القوميات السياسية بمعناها الحديث، كانت هذه الحدود هي التي تميز بين الجماعات العرقية أو الدينية أو الجمهورية»، ليضيف «إن هذا التمييز عاد في العقود الماضية ليغدو معبرا عن أزمة الهوية داخل الدول الشرق الأوسطية الحديثة بشكل عام». وبالتالي يصبح الطعام لا مجالاً للتفاعل الاجتماعي بل وشكلاً للتعبير عن الهوية. فمثلاً، العودة المفاجئة لاستحضار الأطباق القديمة ومحاولات رصد وتذكر الطعام التقليدي الذي تم تجاهله، قد يكون مؤشراً لمحاولات إعادة إحياء الهوية «المتخيلة»، فكل هوية هي متخيلة بشكل ما. في المقابل رفض الطعام التقليدي والإصرار على الطعام العصري هي رغبة في نفض الماضي والانتماء الهووي للمستقبل. ألا نجد هذا الأمر يكثر بين المراهقين، حيث يرفضون تناول وجبات المنزل التقليدية مفضلين وجبات المطاعم سريعة الإعداد. مرحلة المراهقة هي أكثر مرحلة عمرية يواجه فيها الفرد أزمة هوية. ومن هنا ألا يمكن الاستنتاج أن قائمة الطعام المعدة بطريقة إعداد ثابتة لا تتغير في بعض المجتمعات، هي مؤشر على ثبات وربما جمود نسبي لتلك المجتمعات؟