الاتحاد

الملحق الثقافي

جاهدة وهبه: بالفن أطير إلى سدرة شاهقة

أنشدت المغنية اللبنانية جاهدة وهبة من ألحانها ابن عربي، رابعة العدوية، جلال الدّين الرّومي، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، جبران، غوته، طاغور، سارتوريوس، أدونيس، محمود درويش، طلال حيدر، سعيد عقل، أنسي الحاج، أحلام مستغانمي، الحلّاج، لوركا، المتنبي، الحمداني، غونتر غراس، نزار قبّاني، أمل الجبوري، هدى النعماني، لميعة عمارة و غيرهم... ونالت عددًا كبيراً من الجوائز والتكريمات، من أهم ألبوماتها «كتبتَني» و «أيها النسيان هبني قُبلتك»، وقد تصدّرا لائحة مبيعات الـ (فيرجين مغاستور) لأشهر طويلة.. كما أصدرت مؤخراً ألبوماً بعنوان «شذرات في الوجد» ضمّنته شذرات بصوتها من «رباعيات الخيّام» كما باقة من أعمالها القديمة.

عملت جاهدة وهبه مع كبار المخرجين اللبنانيين والعرب، كما غنت وكرّمت بصوتها عمالقة الغناء العربي، ولها ألبومات عدة وتسجيلات كلاسيكية، صوفية ووطنية، انتقت كلماتها من كبار شعراء لبنان والعالم، الكلاسيكيين والحداثيين، واضعة لها الموسيقى بنفسها، كما لحّن لها أهم الموسيقيين اللبنانيين، مثل وديع الصافي، إيلي شويري، زاد ملتقى، زياد بطرس.
صدر لها العام الماضي كتاب بعنوان «الأزرق والهدهد / عشق في الفايسبوك» عن دار الساقي.
في هذا الحوار الذي أجريناه في دبي أثناء توزيع جوائز مجلة دبي الثقافية ـ نتعرف على مسيرة جاهدة وهبة مع الغناء والموسيقى والشعر.
تضاد جامح
نود أن نتعرف على النشأة والتكوين اللذين شكلاك وجعلا منك هذا الكيان الشعري الموسيقي الروحي والمعرفي؟
أنا بقاعية.. أخذت من «البقاع» الّلبناني هذا التضاد الجامح بين الجبل والسهل، بين المنبسط والمترامي صعوداً. هذا التلوّن الذي ترتديه بساتين القمح مع المواسم. أخذت طيبة الناس، تجذرّهم بالطّين. وعره صيَّرني مغامرة، انسيابه صيَّرني حالمة، والفن بكل وجوهه عتيق فيّ عتق وعيي، وهو ميل، متطرف، غريزي، حاد، سعيدة به كونه يوسّع أفقي ويجعلني على تماس مع كينونتي، وكبساط ريح يحملني خارج زماني ومكاني، يسرقني إلى انعتاقي، إلى منفاي.. قد يأخذني بخفّة، بوجع، بجمال، إلى ذكرى. قد يزرعني في المستقبل، قد يعيد ترتيب حاضري، ينتشلني من العادي، ويرفعني إلى هواء صحي، وقد أصيرني فيه «جاهدات» كل واحدة مني تهاجر من خلاله إلى الأشهى والأخصب... إلى غائية الوجود... إلى قناديل المحال.
والدي الضابط الشهيد في الجيش اللبناني، كان صاحب صوت جميل؛ أداؤه أغاني أم كلثوم، وفريد الأطرش ووديع الصافي كان له الدور الأكبر في إيقاظ حسي الفني، وهو من شجعني على الغناء ودراسة الموسيقى. وفقداني له في عزّ صباي أثّر فيّ كثيراً وجعلني أرى الحياة بمنظار مختلف وربما جدّي. جاءت بعدها دراساتي المختلفة في الكونسرفتوار الوطني لكي تعيد ربما ترتيب كياني الفني من دراسة الغناء الشرقي والغناء الأوبرالي باللغة العربية، وماجستير الموسيقى الشرقية، إلى العزف على العود، والإنشاد البيزنطي والسرياني والتجويد القرآني. فضلاً عن إجازة في علم النفس و ماجستير في التمثيل والإخراج.
الفن كان ولا يزال ذريعتي للطيران إلى سدرة شاهقة، وهو دليلي إلى التوهان الأقصى. أصعد من خلاله إلى عوالم أخرى. أبحث عني في أمداء الحلم، ويعبرني في رحلتي ما بصمني، ويعبرني ما سيأتي، وسيدمغني، يخرمشني ويدميني. تعبرني حياتي، يمتشقني موتي ثم يعفيني، يقول: سوف أؤجل حتفك هذه المرّة ويعدني بميتات أخرى.. هذا، بعض أنا.. فني هو أنا، هو المقلَّم بذاكرتي الحياتية والأكاديمية هو ما ربيت عليه، وهو زوجي الذي لا أذكر في أية ليلة مطر، اختطفني أو اختطفته.

أيهما أخذك إلى عالمه أولاً الشعر أم الموسيقى؟
الموسيقى بالطبع ..في البدء كان الإيقاع ثم جاءت الكلمة، لعلّ إرهاصات حبي للغناء بدأت منذ كنت في رحم أمي .. إذ لا أذكر متى اكتشفت أن الموسيقى تعيش معي كفرد من عائلتي والعزف رفيق أناملي ونتاج ما تسمع أذني ..أما الشعر فقد أخذني إلى عالمه، من نهلي من المكتبة الشعرية العربية والعالمية، من رغبتي في تلحين القصائد الجميلة وإعطائها بعداً موسيقياً ...أما إذا كنت تقصد ناحية مداعبة الشعر بيراعي وليس بصوتي فأنا لا أعتبر نفسي ناظمة شعر بل شاعرة بالحب ..أنا عاشقة والعشق ضمائري المتّصلة والمنفصلة..
فرس الموسيقى
كيف تختارين القصائد وكيف استطعت الجمع بين كل هؤلاء الشعراء، على الرغم من أن كل شاعر منهم عالم وحده؟ وكيف يتكوّن حس المسؤولية بالنص لدى المطرب؟
ربما تفاجأ إن أخبرتك أن أغلب النصوص التي غنيتها لم أبحث عنها بل هي من بحث عني، أو تصادف أننا كنا في المكان نفسه في الوقت نفسه.. إنني ألتقي بنصوصي الغنائية كما يلتقي العشاق، لا أعرف متى ولا أين، أهوى الشعر العمودي والمقفّى والحديث والمترجم بحساسية والنثر وكل نص مسافر في النفس موغل في الوجع واجتراح الدهشة.
أية قصيدة جميلة تحرّضني على غنائها وتستفزني لإعطائها بعداً موسيقياً بصوتي.. ومن عادتي – ولا أعرف إن كانت حميدة أو سيئة - أن أمرض بالقصائد الجميلة ولا أشفى منها إلا عندما أغنيها، لعلّ أحساس المسؤولية بالنص يتولّد من شغف الفنان ومن حرصه على سبغ أبعاد جديدة للمفردات، ربما عليه أن يعامل الّلغة كآخَر مرغوب ومحبوب ومشتهى كأنثى من نور ونار، أن يُلبِسها خاتم حواسّه مجتمعة، حواسّه من البصيرة و العلم والخبرة، إلى معاينته لتجارب الكبار، من لمسه وتلمّسه لمزاج المشهد الغنائي إلى تذوّقه نكهات الأدب و الجمال والإبداع.
الموسيقى كالفرس الأصيل تُركِب القصيدة على صهوتها وتستطيع إيصالها إلى أغوار القلوب بخفّة وجموح غير آبهة بحواجز اللغة أو حتى بما فيها من صعوبة أو ندوب، لكنها أيضاً قد تتعثّر ولا تصل بسلامة وسلاسة إذا لم تحمل النص كالأم الحنون، عموما يعرض عليّ كل يوم قصائد جديدة «من هبّ ودَبّ ههه» لكني طبعا لا أغني إلا ما شفّ من القصائد وكما قلت إذا أعجبت بقصيدة أعانيها ولا أشفى منها إلّا إذا علّقتُني على مقصلة قوافيها، تلحيناً وغناء، كما لدي أصدقاء أثق بآرائهم وأستشيرهم، أما لغة القصائد ونسبة ملح المجاز فيها فهي البحر الذي يستهويني أولاً وأخيراً لعبوره، وهي الصديقة الّلدودة التي أجلس إليها لأعرفني أكثر، ولتسفّرني إلى مطارح الجمال والخصب.

درست علم النفس والعزف والغناء الأوبرالي والإنشاد السرياني والبيزنطي والتجويد القرآني ما مدى تأثير هذه الدراسات عليك؟
هذه الدراسات شكّلت وعيي الفني، وكمّلت شخصيتي وملّكتني أدواتي الإبداعية، وجعلتني أتلمس طريقي ونهجي وصقلت موهبتي وأتاحت لدندناتي التلحينية الصغيرة أن تنمو وتتسامق لكنها في نفس الوقت كرّستني تواقة إلى فن جدّي وأصيل وجعلتني أؤمن بالأغنية الطالعة من وجدان وقضيّة، قضيّةٌ الشِّعر مُنقذ العالم من التفاهة، وقضيّة الموسيقى لغة الله و «حديث الملائكة».
صكّ عشقي
حدّثينا عن كتابك «الأزرق والهدهد/عشق في الفايسبوك» وكيف ولدت فكرة الكتاب؟
«الأزرق والهدهد» صكّ عشقي وذرفٌ عن الجوى والوجد، أقول ذرف لأنه ليس نثراً ولا شعرا بل هو هطلٌ كالدّمع، كذاك الانفعال الماطر الذي يأتينا في الفرح والحزن في الخيبة والّلوعة في الرّوعة والدهشة، تتبادل «مكاتيب الشّتي » هذه كما نقول بالعاميّة ، شخصيتان تسبحان في العالم الافتراضي – عالم الفايسبوك – حيث الواقع ملتبس ومتلبّس بالمجاز والمجاز مسربل بالواقع.
كيف ولدت الفكرة؟ أنا فقط «رميتُ بقنديلي في البستان ليبصر جليّاً ثمّ هجعــتُ..»، كما يقول إيلوار، ولدَت من رحم العالم الإلكتروني، من قصص ألهمتني من ذاكرة هدهدتني وآتٍ وعدني، من قدر بعثرني، ولدت من شهقات تلك الشّهب السّرية الرّهيفة، ولدت من يناع الأحلام.

ما جديدك ؟
جديدي حفلات غنائية في الشارقة في 16 يناير والكويت في 25 يناير وباريس في أواخر شهر شباط، كما قمت بتأليف موسيقى تصويرية لفيلم لبناني سيبصر النور قريباً، أما الأهم فالألبوم الغنائي الذي تأخر لعدة أسباب لكني أعد الناس بإصداره خلال شهر مارس وهو من إنتاجي وألحاني ومن كلمات بابلو نيرودا، محمود درويش، أدونيس، طلال حيدر، فرّوغ فرخزاد، ولّادة بنت المستكفي وغيرهم.. ألبوم أعتز به من كل النواحي وقد عملت فيه مع عازفين رائعين من أوروبا على رأسهم عازف القانون العراقي العالمي أسامة عبد الرسول الذي أشرف على الإنتاج، وشارك كذلك في توزيع الموسيقى مع ديك فان در هرست وفيليب توريو.

اقرأ أيضا