الاتحاد

دنيا

الجفاف في لبنان «يجدد شباب» مهنة «السقا»

"السقّا" عائد إلى لبنان مع مسلسل التصحر والتغيير المناخي والعطش، حيث نضب الماء في الحنفيات والمواسير، بعدما كثرت الدراسات والإحصاءات وآراء الخبراء، التي تفيد بأن موسم الشتاء والصقيع تبدّل ليصبح حاراً وساخناً، والمياه تسودها الملوحة والتلوث، بسبب جفاف الآبار الارتوازية.

تجارة الشتاء
برزت صهاريج نقل المياه والجالونات الصالحة لمياه الشرب والخدمة، كتجارة يزداد نشاطها شتاء، وترتفع أسعارها. وتجارة الماء في الشتاء لم تعد مستغربة بعد مناخ الجفاف العالمي الذي يسود العالم ومنه لبنان، والخوف من الرضوخ لهذا التقليد الزاحف إلى حياة اللبنانيين، ومن غير قادر على الدفع، فأمامه صفوف طويلة من العطاش.
ويحدث ذلك ولبنان بلد الأنهار والينابيع والمياه العذبة، المخبأة والمعبأة، يعيش عملياً من دون مياه، ومصادر المياه داخل باطن الأرض، موجودة فقط على خريطة الوطن، وهي شبه مفقودة، وما اليمونة ومشغرة والليطاني ونهر الكلب والصفا، وقمم الجبال العالية، إلا على طريقة المثل العامي "السكافي حافي والحائك عريان".
ومسلسل قطع المياه مستمر بنجاح منقطع النظير، والحجج الواهية للمسؤولين لا تحمل إلاّ المعاناة والعذاب للمواطنين، فما أسهل إعلان مصلحة مياه بيروت، بأنه نظراً للشحائح الشديدة وغير المعتادة هذا العام، ستضطر المصلحة تدريجياً، حسب المناطق إلى اعتماد توزيع المياه مرة كل ثلاثة أيام، لذلك تطلب المصلحة من اللبنانيين، اتخاذ مزيد من إجراءات الدراية والتوفير في استعمال المياه حتى اجتياز الأزمة.
الحنفية مقطوعة لا تصل المياه إلى الطوابق العليا، والمياه مثل الكهرباء في "خبر كان"، لدرجة أن سعر لتر المياه يعادل إن لم يكن أغلى من سعر ليتر البنزين. ويقول افتيم عكرة، رئيس دائرة البيئة في الجامعة الأميركية، إن "أزمة تلوّث المياه دخلت باطن الأرض مع المياه الجوفية، فباتت المياه عندما تتأمن، مياهاً ملوثة، تزيد فيها كميات "الكلور" المطهر عن النسبة المطلوب توافرها، لتفقد المياه قيمتها".

أزمة توزيع
يقول عكرة إن الأزمة في لبنان ليست أزمة مياه، بل هي أزمة سوء توزيع وهدر، حيث تذهب المياه إلى البحر، على الرغم من أن الينابيع العذبة التي تنبع من قلب الشاطئ اللبناني، وتبلغ حصيلتها 180 مليون متر مكعب، تذهب كلها هدراً. عدا عن أن الآثار السلبية للمياه الارتوازية المالحة، على الخزانات والتمديدات الصحية والقساطل، تتآكل بفعل المياه المالحة، لافتا إلى أن زهاء أكثر من 45 ألف متر مكعب، تهدر يومياً في البحر في منطقة نهر الكلب، لتعذر تكريرها في الضبية، لوجدنا حجم الكارثة التي يعيشها السواد الأعظم من المواطنين".
أزمة المياه هذه، أعادت لمهنة "السقّا" بريقها ووهجها. وفي جولة على بعض المناطق بعد تأخر هطول الأمطار بسبب التصحر، والدعوة إلى صلاة "الاستسقاء"، ترى عشرات الصهاريج تتوزع على المنازل والمؤسسات لبيع المياه، عدا مئات الجالونات التي يحملها أصحابها وهم ينتظرون دورهم في التعبئة. أما "السقّاؤون" أصحاب الصهاريج وسيارات "بيك آب"، فإنهم يتسابقون فيما بينهم لأخذ الدور الأفضل، فهذا الواقع يشكل موسماً إضافياً للرزق، والكل يئن من انقطاع المياه الدائم، ومن جشع البعض في فتح العبّارات على مداها.. وتتكرر المأساة وتتعقد المشكلة، والكل يغني على ليلاه.

مهنة شاقة
عن مهنة "السقّا" الجديدة في لبنان، قال مهدي هاشم "بدأت العمل فيها منذ ثلاث سنوات، وهي مهنة لا بأس بها، وكما تعلم لدي عائلة كبيرة وهي بحاجة إلى مصروف يومي، لذلك تراني أعمل ليلاً ونهاراً حتى أستطيع تأمين القوت والكساء لأولادي".
وعن عدد نقلات المياه في اليوم، قال "بحسب الظروف والتسهيلات أحياناً ثلاث نقلات وأكثر أو كما يقولون وما فوق. إنما الصعوبة في مهنة "السقّا"، تكمن في تقنين الدولة لمياه الشرب والخدمة، وهذا ما يؤدي إلى ازدحام وانتظار طويلين، حتى يحين دورنا في تعبئة الصهريج".
وحول المدخول اليومي، أجاب "أتقاضى أجرة النقلة الواحدة ثلاثين ألف ليرة لبنانية، وحسب عدد البراميل المعبأة"، مشيرا إلى أن "الزبائن الفقراء أكرم من المقتدرين الذين يجادلون في السعر". وانصرف سهيل قدورة إلى مهنة "السقّا"، بعدما منعته الظروف من إكمال تعليمه الثانوي، قال "اتجهت إلى مهنة بيع المياه للمواطنين، خزان الصهريج يتسع لعشرة براميل أي حوالي 2000 لتر، والعمل جيداً خصوصاً في موسم الأعياد والعطلات المدرسية وعند انقطاع المياه".
علي درويش تحدث عن هذه المهنة، معتبراً أنها شاقة ولها عذابها ومصاريفها، وأضاف "لقمة العيش التي نجنيها لا تأتي بسهولة، فالواحد منا ينتظر كثيراً ليحين دوره في تعبئة الصهريج الذي يتسع لاسيما الكبير منها لـ60 برميلاً، أي 12 ألف لتر، ويختلف سعر التعبئة من مصادر المياه بواسطة الكهرباء أو بواسطة المولد الكهربائي، حيث يزداد السعر بسبب غلاء المازوت والبنزين".

اشتراطات صحية

عن الوسائل الصحية التي تستخدم في مهنة “السقّا”، قال السقا علي درويش إن “النظافة مطلوبة ومتوافرة بشكل صحيح وسليم، وقضايا التلوث والإشعاعات تزيدنا حافزاً لمزيد من الرقابة المستمرة للصهاريج وسيارات نقل المياه، حيث يتم كل أسبوع تنظيف الخزانات بالمواد المطهرة. وإذا حصل أي مكروه، فالمسؤولية تقع على الحكومة، لأن تلوث المياه في الأساس هو سبب غياب رقابة الإداريين والاختصاصيين المشرفين على السلامة العامة للمواطنين”.

اقرأ أيضا