الملحق الثقافي

الاتحاد

أحمد راشد ثاني.. القصيدة الموجعة

أحمد راشد ثاني.. على جبينك نجمة، وبين شفتيك غيمة، سافرت والسفر طويل، فمن يضيء دروبنا بالكلام الجميل؟ من يبلل زماننا بخير العبارة؟
على «ورقة سرير» قلت ما لم يقله مالك في الخمر، فأنت الجمر، والسبر. طائر يجوس في مكان القلب، والقلب يا سيدي كان مجهداً كما هم الأصدقاء الذين فروا من قسورة. تخيلتك في الوجد وجوداً وجواداً يجيد معنى الفراسة ومقايضة الفرسان.
تخيلتك كما اعتاد أن يقول الفيلسوف الفرنسي مونتيني «يحتضن كل شيء ولا يملك إلا الهواء».
تخيلتك دائماً قديساً يحشد تلاواته عند عتبة الوعي الاستثنائي، وأنت الواعي المتداعي عند نافذة المرض العتيم. أنت المستدعي، جل عناصر طاقتك الإيجابية لأجل الأسلوب العظيم، كما فكر قبل ذلك نيتشه، أنت بأسور ومحور الطوق الحزين. أنت المنتظر طائر الشوق كي يغني معك من أجل القصيدة النخبوية والشعر في مخيلتك رواية لم تنجز بعد، حكاية لم يبح قولها الأوصياء.
أنت - يا سيدي - المخطوف من عمر الزمان، والزمن لا يكون إلا لحظة عابرة ثم ينتهي إلى لا شيء؛ فالماضي مضى، والمستقبل يتخفى تحت شرشف غيمة داكنة، والحاضر مجرد قُبلة بائسة، ألم تقل الفلسفة إنا لا نغتسل في ماء النهر مرتين؟.

في العزلة الأجمل
أحمد راشد ثاني.. أنت في الأمن البعيد، في العزلة الأجمل، في الكمال بعد نقصان، في الحلم تخرج من مقبرة الجسد المؤقتة إلى حرية الأبد، إلى المدى والمدد، لتكتب قصيدتك المؤجلة هناك، لتسرد أحلامك المبجلة هناك، مع كون ينتظر اتحادك وانسجامك والتحامك واقتحامك، بعدما تلاشى اضطراب مراحل ما بعد الفراغ، بعد أن تيقنت - سيدي - أنه لا جدوى من خديعة البعد، ولا معنى لكل ما يغشى ويفشي أسرار القصيدة.
أحمد راشد ثاني.. حصاة الصبر، حصاتك وحصاتنا وحصتنا من بعض ما جاش فيك، إذ تحتسي أنت من كأسك رشفة الأحلام المبهرة، كما نحتسي نحن بقايا ذاكرة مثقوبة، مكروبة، منكوبة، مخضوبة بالفقدان، ولا يبقى غير المسلسل الإغريقي القائل إن الإنسان مقياس كل شيء، وأن طبيعتنا الرائعة ما هي إلا حقل مزروع بسنابل الحياة، ونحن طيورها المأخوذة بنشوة النشوء والارتقاء، وحكايتنا كأنها رسالة غابت بعض حروف كلماتها من أثر البلل..
نحن - سيدي - لسنا في العتمة سوى نيازك تتشطى بفعل التصادم الكوني ما بين الفضيلة والرذيلة، ما بين الحق والحقيقة، ما بين الأسود والأبيض، ما بين الشيء واللاشيء، ما بين الأنصاف عندما تصبح أردافاً تلطم الفراغ لعله ينجب معنى لوجودها.. ها أنت الآن في الحضور والغياب، في السؤال والجواب، أنت في الأسئلة كلها علامة استفهام مذهلة ولا آخر أبداً للسطر، لأنك - سيدي - لم تكمل العبارة بعد، حيث رحلت باكراً وتركت دفاترك مصفوفة في أدراج خيبتنا. تركت كراسة الحلم البهيج منزوية في مكان قصي من الذاكرة ولا أحد يتذكر لأن البصيرة والإبصار مغشية بقيمة اسمك من ملاءة المستشفى، على سريرك الأبيض المدفون بالقطن والحزن وشجن الممرضات اللاتي بكين كثيراً عندما فر العصفور الجميل من فوق الشجرة المخلدة، وبقيت الشراشف البيضاء كما قلوب من ورائك مبللة برائحة الفراق الأليم ومن فور الأسى كان وحشياً إلى حد الأسى..
سيدي في منطقة من الذاكرة في زاوية من المتخيل، في أحشاء الزمن تبدو الأشياء كأنها فقاعات عندما لا تصدر ضجيجاً، ولكن لمجرد الخروج من شرنقة الصمت، يسقط المطر وتزهر القلوب بأحزانها النبيلة ونقول جميعاً ربما هي القيمة التي مرت من هنا مدت أصابعها إلى العيون كي ترتجف ولا تجف، وكي تثمر دمعاتها عن ملح النجابة وما يصاحب ذلك من نخوة العلاقة ما بين الغيمة وصهيل الرعد وصليل البرق، وكيفما يكون الأمر لا يمكن للعقل إلا أن يكون وعاء لصور وأحداث ومشاهد لا يمكن لها أن تتشح إلا بالبريق لأنك - يا سيدي - عود الثقاب الذي أوقد حطب القصيدة لأجل أن تتدفأ الصحراء.. ويستمر الضياء حلقة وصل ما بين الموت والحياة.
أحمد راشد ثاني، كنت تبحث عن قصيدة كونية، عن أغنية ترتل فيها اسم خورفكان، بل وكل المكان، فآن لك الآن أن تفكر وأن تبعد وأن تخبر من جايلوك، بأنك الغامض المسهب في الوضوح. أنت البيان والبنان والتبيين، وأنت السر المبين في أحشاء القصيدة.. وأنك المبهم المعظم والكليم المتكلم باسم القصيدة المحدثة، والحديث الحادث ما بين القلب والحدث، ألست أنت الذي قلت إن فن الباروك، هو الرومانسية المفككة للذات المنغلقة، وأنت الذي أسفرت عن الثلاثي المقدس «الحب، التعلق، الحرية» جهات لصياغة معنى الحياة.. وأنك القابض على شريان الكلمة المكتوبة بأنامل لم ترتعش يوماً حتى ولو أمسكت بجمر المعاني لأنك - يا سيدي - في المعنى جملة فعلية، فاعلها شاعر وفعلها قصيدة منثورة على صفحات الألق، كأنها الموجة المشوشة في ساعة الشروق، وعندما يبدأ البحر الاستلقاء على ساحل الأوجاع الإنسانية وما يباغت من طيور النورس كلما حان زمن المطاردة لأسماك تغطس في الماء كأنها حسناوات في ريعان الفتنة واللذة الجهنمية.

رائحة الحلم
أحمد راشد ثاني.. في الحلم تبدو الغيمة شرشف الاتحاد الجسدي ما بين روحين وتبدو النجمة النشوة القصوى حين يلتئم الشتات وتقرع الرغبة أجراس الرجفة العظيمة، في الحلم تبدو أنت سيدي مثل فراشة تلون حقل الذاكرة وتفتش عن لحظتها الضائعة في الحلم، تبدو قصيدتك مثل وخزة ترتعش لها السماوات والأرض وتمتد الجبال وينشف البحر المسجور.
أحمد راشد ثاني.. الآن تجلس قصيدتك متكئة على وجع أيامك تفكر فيك وتتذكرنا وتذكرنا بأنك السارد الذي حك صدغ صمتنا، حتى خدش جلد زماننا لأجل أن نفرك الجفون وتغني معاً من أجل عالم يخلع ملابس بؤسه وسواده ويتخلى عن أنانيته الفاحشة، ويمضي بلا غبن ولا حزن. يمضي محتسياً كأس الحياة بلا زبد ولا كمد، يمضي مكتسياً جلباب ابن طفيل الذي قال قصيدته العظمى بعد أن غادر جبل المقطم ليسعد الناس جميعاً بصوفية غير ملتبسة بالغشاوة. «بنيرفانا» لا تختزل الزمن بقدر ما تفصل قميصه الصوف من وهج الانتماء لغايات عالم يصفو كصفاء عيني أنثى أوغلت في نعيم الجسد وجنة الرعشة القصوى، ساعة اكتساب الروح معنى الحياة..
أحمد راشد ثاني.. ستكون في الأديم أو السديم أو في أول البوح أو في الزمان القديم.. في عدمك أو كونك المستديم ستكون أنت والقصيدة صنوان وعنفوان، ستكون أنت سيدي كما جرى لصاحب «تهافت التهافت» تخب خبيبك، وتخض خضيضك، وتحكي القصة من أولها وآخرها للذين غابت عنهم سرعة البداهة، للذين طارت من بين أصابعهم فراشات الأمل واكتفوا بالنصف الفارغ من الكأس. ستكون أنت سيدي الجزيرة التي طوقها المحيط بأغنيات الطير ورعشة الموجة وانسجام الرمل مع الأمل وانسياب القريحة على ذهني قارعة وبارعة. ستكون مثل سنبلة مهيفة الظل والنخل جناح يرفرف وصباح يزف أخبار الخيوط الذهبية وما ساورها من قدرة على النصوع والبوح بالإشراقة المبجلة.
أحمد راشد ثاني.. لم تزل على المكتب بعض قصاصات وقصص وخواص من ترمل المكان بالابتسامة وحكايات ما قبل الصباح. لم تزل في الغرفة الضيقة رائحة حلم لم يكتمل وبقايا عطر أجل تلاشيه لعل وعسى يستيقظ النائم ليستدعي جل أشيائه الصغيرة ثم يتأبط حقيبته السوداء وكتبه وأقلامه محتفلاً بليلة جديدة وأصدقاء، يتكاثرون كلما جن الليل واشتد بياضه، وكلما نعست العيون مكتفية بقدر زهيد من الصحوة وأنت سيدي التائه اليقظ، أنت المتعظ من غفوة الليل التي لا تجدي، بل أنت المتحمس دوماً لكتابة القصيدة كلما نامت النجوم في أحضان السماء ومال القمر يهمس في آذان الحسان مغبطاً الفتنة والوشم المدلل على خد أو جيد..
أنت سيدي المنعم بالصمت، أنت المجلل بقماشتك البيضاء تستدعي ذاكرتك في العزلة وكأنك تود أن تكتب آخر قصيدة لم يسعفك المرض أن تنهي آخر مقطع لها.. أنت سيدي في المكان القصي تعيد قراءة روايتك الوحيدة لتضع آخر اللمسات ثم تشهق قائلاً: كفى.. كفى، لقد أنهيت ما بدأت.. لكن عمرك القصير لم يمهلك لأن تقول كما قال أفلاطون حين وفاته هذا كفى، لأنه عاش لأطول عمر، عاش للثمانين وقد فاض به التعب، وعجزت الفلسفة أن تعطيه ما هو أكثر.. فقال عبارته الأشهر: هكذا يكفي.. فأغمض العينين، لكنك سيدي لا زلت تنظرنا بقلبك.. بقصيدتك الأثرى.

اقرأ أيضا