صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الدين الرسمي والتدين الشعبي

عبد الجواد يسن

تاريخياً، لم تكن بنية الديانة تنطلق بوفاة المؤسس الأول، بل كانت تظل مفتوحة لفترة زمنية لاحقة، تتفاوت في طولها من ديانة إلى أخرى، حيث تسفر ممارسات التدين في الجيل التالي عن تراكمات إضافية تنضم إلى منطوق الديانة. في غضون هذه الفترة يجرى اعتماد الصيغة النهائية «للنص» الأصلي، وتستحدث صيغ «نصوصية» جديدة. وبنهايتها كانت الديانة تتحول عن خصائصها المبكرة ذات الطابع الشفهي والبسيط إجمالاً، إلى منظومة أو منظومات واسعة مكتوبة ومدعّمة بتأصيلات نظرية مركبة.

معنى ذلك أن كل ديانة لم تكن تمر بمرحلة تأسيس واحدة كما توحي المقولات المدرسية، بل بمرحلتين تأسيسيتين: «التدشين» ثم «التدوين» قبل أن تبدأ مرحلة «التجميد»، حيث تفرض الديانة نفسها ـ في صور مذهبية متعددة ـ كنسق تدين جماعي مغلق، تمثله مدونة رسمية فقه كلامية.
بدءاً من مرحلة التجميد تطرح المدونة الرسمية نفسها بوصفها النموذج المثالي للتدين على المستويين الفردي والجماعي، في العقيدة والطقوس، وتكاليف السلوك التشريعية. ولكنها ـ واقعياً ـ لا تستغرق المساحة الكلية «للثقافة الدينية» التي تتكون تلقائياً وبشكل تدريجي كي تتسع لتيارات وممارسات تشتغل على هامش المدونة أو تفكر من خارجها. بوجه عام تظل هناك مسافة مرئية أو غير مرئية، بين المنطوق الرسمي للمدونة وأشكال من التدين الصوفي، والتفكير الفلسفي إضافة إلى ممارسات التدين الشعبي الدارجة، يختزن التديّن الشعبي من جميع هذه الروافد، لكنه يتمثلها بطريقته الخاصة. وفيما يبدو منصاعاً في الظاهر لسلطة المدونة الرسمية، يحتضن مفردات متنوعة من التصوف والتفكير الفلسفي، ويفرز أنماطه الخاصة من التفكير العامي. وبفعل فرادته الاستيعابية وقدرته على التمثل، يفرض بصمته بحيث تتلوّن التصورات الشعبية في اللاهوت والفقه بالمعطيات المحلية الدارجة ومخزون الثقافات الموروثة من الماضي، وهي ثقافات متنوعة بحكم التنوع الجغرافي والتراثي.

فروقات
لماذا تبدو المسافة بين منطوق المدونة الرسمية وممارسات التدين الشعبي ظاهرة طبيعية متكررة؟ أو في عبارة مكافئة لماذا تعجز المدونة ـ دائماً، ورغم حضور الدوافع الإيمانية ـ عن فرض نموذجها حرفياً على الواقع؟
تقدم المدونة نموذجها بما هو مطلق، أي وحيد. ومن ثم فهي تفرض رؤية حصرية واحدة لا يجوز تجاوزها. ويعني ذلك أنها تتجاهل الطبيعة التعددية للاجتماع على مستوى الشعوب، والجماعات، والأفراد. في حين أن الفعل الشعبي يمضي في اتجاه الطبيعة التعددية بفعل غريزة الاجتماع. يسهل ملاحظة الفوارق داخل الديانة الواحدة في التصور وخصائص الأداء (قارن مثلاً بين التديّن السني المصري والتديّن السني السعودي أو الأندونيسي أو الألباني/‏‏ وبين التديّن الشيعي اللبناني ومثيله في البحرين/‏‏ وبين التديّن الإباضي في عمان وفي شمال أفريقيا/‏‏ وداخل التديّن المصري يمكن الوقوف على فروق تفصيلية بين ممارسات التديّن في الصعيد ومناطق الوجه البحري/‏‏ وتبقى الفوارق الداخلية على مستوى الذوات الفردية التي تبصم التصور الديني ببصمات ضرورية متمايزة بصرف النظر عما إذا كانت ظاهرة أو مضمرة).
لا توجد مدونة واحدة قادرة على استيعاب التنوع الفردي والجماعي للبشر بامتداد الزمان والمكان. لأن فكرة المطلق ذاتها لا تشتغل إلا داخل الاجتماع، أي إلا عبر آليات التنوع الفردي والجماعي. في حين أن، أي مدونة دينية هي في الواقع مدونة تاريخية رغم تضمنها قيماً مطلقة، بما هي في النهاية حصيلة لاجتماعيات حقبتي التأسيس.
في المدونة الرسمية السنية ـ حيث يسيطر الفقه على الكلام، وحيث أدت تنظيرات الشافعي الأصولية إلى تثبيت مدرسة الحديث ذات الأفق النقلي الضيق - يظهر التشدد واضحاً حيال صور التفكير من خارج النسق كالتفكير الصوفي والفلسفي، وبدرجة أقل نسبياً حيال منهج التفكير الكلامي ذاته، وهي اتسعت بالكاد لتخريجات الكلام الأشعري بما هو تيار وسطي توفيقي يتناغم مع وسطية الشافعي التي تنزع إلى النقلية.
تظل المدونة نموذجاً معيارياً مكتوباً، أي نموذجاً مثالياً. فيما تحكم الواقع ـ حيث يشتغل التديّن الشعبي - قوانين الطبيعة وغرائز الأفراد، التي تعمل بشكل ضروري يسبق التفكير والسعي الأخلاقي. لذلك، في جميع الأوقات يكون ثمة فجوة بين حالة التديّن الفعلي القائمة وحالة التديّن المثالية المكتوبة في المدونة. ومن هذه الزاوية يظهر المشكل المبدئي في التفكير الأصولي الذي يفترض قابلية هذه الفجوة للإلغاء. تبدأ الأصولية، دائماً، من نقطة نقد لحالة التديّن القائمة، وتسعى لاستدعاء الحالة المثالية كي تحل محلها وفقاً لتصور تأويلي خاص، قد يزايد أحياناً على نموذج المدونة ذاته، الذي لا يبدو مثالياً بالدرجة الكافية. بمعنى أنها تصطنع لذاتها نموذجاً واحدياً أكثر مثالية، وبالتالي أبعد مسافة عن طبائع الفعل الشعبي، التي لا تحظى في الوعي الأصولي بأي نوع من التعاطف أو التفهم.
تقدم المدونة الفقهية نظامها التشريعي كجزء من البنية المطلقة للدين، أي كمعطى نهائي ثابت غير قابل للتغير. وهو ما يعني تثبيت كتلة من الثقافة التاريخية غير القابلة بطبيعتها للتثبيت، ويفضي في لحظة ما إلى صدام ضروري مع حركة الاجتماع الخام بما إنها بطبيعتها متغيرة لا تقبل الثبات. على أرض الواقع، كما يكشف الاستقراء التاريخي، تفرض حركة الاجتماع ضروراتها على النظم التشريعية سواء كانت دينية أو غير دينية، بفعل قانون التطور. تاريخياً فرض الواقع الاجتماعي المتغير على شريعة القرآن مثلما فعل بشريعة التوراة، أن تتخلى «جزئياً» عن هيمنتها التقليدية في المجتمعات الإسلامية مع ظهور الدولة الحدثية، عبر مسار متدرج ظلت الحاجات الفعلية من خلاله تملي علاقاتها الجديدة في أرض الواقع قبل أن تتحول إلى تشريع مكتوب.
تتسع المدونات الفقهية بالضرورة لنوع من التنوع التأويلي على مستوى الفروع. ورغم نزوعها التلقائي المضاد للتطور، تضطر إلى استيعاب التغيرات الاجتماعية من داخل آلياتها الأصولية، خصوصاً في المراحل المبكرة، حيث لا يكون التطور الاجتماعي جذرياً إلى حد التناقض الكلي مع اجتماعيات التأسيس. لكن عندما يصل التطور الاجتماعي إلى حد التغير الجذري يمتنع استيعابه من قبل الآليات الداخلية للمدونة، ويفرض حضوره بالتجاور مع المدونة ورغماً عنها.
على الدوام يظهر التدين الشعبي مرونة أكبر واستجابة أسرع حيال حركة التطور الاجتماعي، قياساً إلى التدين الرسمي أو المؤسسي. وفى هذا الصدد يمارس الفعل الشعبي حيال المدونة الموروثة عمليات متنوعة من الالتفاف، أو الانتقاء، أو التحوير، أو التبرير، أو الترحيل، أو التجميع بقصد الموازنة بين فكرة الإلزام الكامنة في التكاليف كما تطرحها المدونة، وحاجاته الطبيعية التي تحركها الغرائز وضرورات الاجتماع الواقعية.

الظاهرة
الفارق بين المدونة الرسمية والتدين الشعبي هو الفارق بين الدين في النظرية والدين في الواقع. الوقوف على هذا الفارق عملية ضرورية لفهم الدين. الدين ظاهرة اجتماعية واسعة ومركبة، وليس الأفكار المكتوبة في الفكر والكلام والفلسفة، هذه التجليات الفكرية لا تحيط بظاهرة الدين مكتملة: لأن الدين لا يشتغل في الفكر فحسب بل في الروح، ونزوعات الذات، وفي السلوك العملي على المستويين الفردي والجماعي. ولأن ثمة فارقاً بين الفكرة حين تقرأ في الفكر وحين تقرأ في الواقع، أعني إن ثمة فارقاً بين قراءة الدين كـ«مفهوم» وقراءة الدين كـ«ظاهرة». في المفهوم تتجرد الظاهرة من حمولة الواقع، ولكنها تثقل من جديد بحمولة الفكر الذي يعيد تشكيلها بآليات الذهن التجريدية، أما في قراءة الظاهرة فتظهر المفاهيم فجّة على طبيعتها وهي تتولد من جوف الواقع. وهذا يؤكد على أهمية البعد الأنثروبولوجي في دراسة الظاهرة الدين، التي لا تزال أسيرة لمنهج القراءة النظري في الفقه والكلام والفلسفة.
في مقابل المدونة الرسمية كنسق نظري مغلق ينتمي إلى الماضي، يعبر التديّن الشعبي عن الدين في تجليه الواقعي الحي والآني، وهو ما يعطي التديّن الشعبي خصائصه المميزة:
تظهر الخاصية الأوضح في طابعه الاحتوائي التعددي، قياساً إلى المدونة الرسمية ذات التكوين شبه الأحادي الخاضع لهيمنة الفقه. يتعاطى الفقه مع الدين بما هو نسق جماعي مكون من منظومة تكاليف تفصيلية واجبة الطاعة على نحو محدد. ويأتي طغيان الغرض الفقهي على حساب المعنى الذاتي للدين كتجربة روحية ذات بعد وجداني وعقلي من جهة، وعلى حساب جوهره الكلي كمضمون إيماني أخلاقي من جهة ثانية.
خلافاً لتوجهات المدونة (التي تنفر من التصوّف بما هو تفكير في الدين بالحدس المباشر من خلال التجربة الذاتية، وتنفر من التفلسف بما هو تفكير في الدين من خارج النسق النقلي على مستوى الموضوع والمنهج، وحتى من الكلام بما هو تفكير في الدين من خارج النسق على مستوى المنهج) يتسع التدين الشعبي لجميع هذه الأشكال من التفكير الديني ويتفاعل معها من خلال مخزونه العفوي الأقرب بطبيعته إلى منابع الوعي الروحي المباشرة، ومن هذه الزاوية يظهر تجاوبه الخاص مع مضامين وآليات التدين الصوفي.
ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن قراءة العلاقة بين التديّن الشعبي الاعتيادي والتديّن الأصولي المتطرف كعلاقة نفور متبادل في صميمها (رغم أنها تبدو ملتبسة من بعض الزوايا). تنظر الأصولية إجمالاً إلى الممارسات الشعبية كنمط تدين فج متساهل، أو منحرف عن النموذج المكتوب، وتابع دائماّ للسلطة الخارجة عادة عن الدين. فيما يشعر الشارع الاعتيادي بالطبيعة الأحادية المتزمتة للأصولية وإيقاعها التكليفي الخشن المخاصم للعفوية والتعدد.
بوجه عام، ورغم تسرب بعض التصورات المنغلقة من ثقافة المدونة أو من الثقافات الأسبق، تبدو الممارسات الشعبية في مجملها أوسع انفتاحاً على المضامين الدنيوية أو أكثر تصالحاً مع فكرة الحياة من أدبيات المدونة التقليدية المنحدرة من تاريخ ديني متشائم بطبعه. وهذا واضح ـ مثلاً ـ في الموقف الشعبي الصريح من قضية الفن التي يقرؤها بطريقة مغايرة تماماً لقراءة المدونة الفقهية. ففيما تقطع المدونة في مجملها بتحريم الغناء، والموسيقا، والنحت، والتصوير، تمارس الشعوب هذه الفنون بشكل تلقائي، جماعي أو فردي، دون شعور بالإثم. الموقف الشعبي هنا يتوفر على تأويله الخاص، لتأييد إحساسه الطبيعي بأن التحريم لا يمكن نسبته إلى الله. وهذا موقف «ديني» يضع نفسه في موقع مقابل للمدونة، أو في موقع الفاعل في العملية الدينية، وليس مجرد المتلقي كما تفترض المدونة. الموقف الشعبي عادة ما يطلب الفتوى، ولكنه يتمثلها وغالباً ما يعيد تأويلها.
في هذا السياق ـ أيضاً ـ يبدو التدين الشعبي أقدر على التسامح مع الآخر الديني من موقع المشاركة التي يفرضها الواقع، قياساً إلى المدونة الفقهية التي تنطلق من أرضية نظرية حصرية، والتي تكونت بامتداد عصر التدوين في سياق اجتماعي أحادي على وقع الانتصار السياسي للدولة. كيف يمكن العمل على إحياء وتنشيط خصائص التديّن الشعبي في مواجهة الحالة الأصولية المتطرفة، التي تستدعى إلى المجتمع أسوأ ما في تراث المدونة، حيث يغلب الشق الشكلاني الجاف والخشن على حساب جوهر الدين وقيمه الكلية المطلقة ذات المضمون الروحي الإنساني؟

سياقان
في السياق المسيحي الغربي سبقت الممارسات والتصورات الشعبية الكنيسة في التكيّف مع التطورات الحداثية التي فرضها قانون التطور منذ القرن السابع عشر. أقرّت الكنيسة بتراجعها أمام سلطة العلم وسيادة العلمانية، وتخلت رسمياً عن صلاحياتها التقليدية في المجالين العام والخاص. لقد أظهرت الكنيسة في نهاية المطاف مرونة كافية لقبول مفاهيم الحداثة والتعايش معها.
أما في السياق الإسلامي العربي، حيث لا توجد مؤسسة جامعة تمثل الديانة، لا تبدو المدونة الرسمية، كما تعبر عنها الهيئات الفقهية القريبة من الدولة، قادرة على استيعاب التطورات الحداثية الجزئية التي جرى استيعابها بالفعل داخل الممارسات والتصورات الشعبية.