الاتحاد

الملحق الثقافي

بعد ما بعد الحداثة.. استعادة الإنسان

في الحلقة السابقة من مداخلته النقدية الموسومة بـ «الأسئلة البعدية في الفكر النقدي المعاصر»، ناقش الدكتور معن الطائي أسئلة الحداثة سواء لجهة السؤال الاجتماعي وارتباط هذه الحركة الفكرية بحركة التصنيع في المجتمعات الغربية، أو لجهة سؤال الفرد والهوية وأثر التبدل في الهياكل الاجتماعية التقليدية وتغير نمط العيش في تلك المجتمعات على الفرد، لينتقل بعد ذلك إلى سؤال اللغة والمعنى بين البنيوية وما بعد البنيوية، ليصل من ثمَّ إلى التحولات الثقافية في الفكر النقدي المعاصر، مستعرضاً بدايات التململ من النموذج الثقافي لما بعد الحداثة. وخلص الطائي إلى أن ما بعد الحداثة لم تستطع تجاوز ذاتها وانكفأت على نفسها، من خلال النزعة الانعكاسية الذاتية والنرجسية المفرطة والنوستالجيا التي حولت التاريخ إلى سلسلة من الذكريات المشتتة وغير المترابطة. .. هنا يستكمل الدكتور الطائي مداخلته النقدية.

بدأت ملامح المرحلة القادمة (بعد ما بعد الحداثة) بالتشكل من القضايا والمقولات والأطروحات التي أهملتها ما بعد الحداثة وسعت إلى تهميشها وإقصائها. إن تلك الملامح الجديدة للمرحلة التاريخية القادمة تشبه إلى حد بعيد الملامح التي تميزت بها مرحلة الحداثة الغربية، ولكنها لا تتطابق معها بالكامل. إنها عملية إعادة إحياء واعية وانتقائية ونقدية لبعض جوانب الحداثة، ما قد يساعد في تجاوز أزمات ما بعد الحداثة دون أن يعمل على خلق أزمات جديدة أخرى. يؤكد مالكوم برادبري على أن المرحلة القادمة ستكون عبارة عن (حداثة جديدة) تحل محل سكونية ومحدودية النمط ما بعد الحداثي الذي تحول إلى مجرد نوستالجيا فارغة تتوسل بالمعارضة والتناص والاستعارات المتكررة ولا تطرح أي جديد.

ضد «موت الإنسان»
من أبرز الجوانب التي بدأت الثقافة الغربية باستعادتها من مرحلة الحداثة هي إعادة إحياء النزعة الإنسانية وتجاوز مفهوم «موت الإنسان» الذي ظهر لأول مرة مع الحركة البنيوية واستمر فيما بعد البنيوية. وقد رصدت الباحثة (نيكولاين تيمر) عودة الاهتمام بالنزعة الإنسانية (وقضايا الذات والذاتية في مجالات علم النفس والعلوم الاجتماعية في الغرب مع بداية التسعينيات من القرن العشرين، بعد أن كانت قد تعرضت للتشويه والتشكيك والتفكيك في مرحلة ما بعد الحداثة. من أبرز مظاهر عودة النزعة الإنسانية في مجالات العلوم النفسية والاجتماعية حسب تيمر، الاهتمام المتزايد بالتجربة الإنسانية ودلالاتها وتفاعل الوعي مع العالم الخارجي والإشكاليات الوجودية للذات التي تظهر نتيجة تغير السياقات الاجتماعية والثقافية. فلم يعد النسق أو النظام هو القوة الفاعلة والمهيمنة على الذات الإنسانية، تلك الذات التي تحولت مع ما بعد الحداثة إلى بؤرة تقاطع الخطابات، وفقدت وحدتها وهويتها. غير أن صورة الذات الإنسانية التي بدأت بالظهور مجدداً في الدراسات والبحوث الفلسفية والنفسية والاجتماعية لا تتطابق مع صورة الذات النرجسية المتضخمة التي جسدتها الحداثة. إنها ذات تموضع نفسها في شبكة من العلاقات المتبادلة مع الذوات الأخرى، كما عبر هابرماس عن ذلك في فلسفته النقدية التواصلية.
كما بدأت مرحلة الجديدة بالانفتاح على العالم الخارجي والتحرر من سجن اللغة وسجن الخطاب. وفي مقابل التصور ما بعد البنيوي وما بعد الحداثي للإكراهات التي يخضع لها الوعي الإنساني من قبل الخطاب المهيمن على الفضاء الاجتماعي ومؤسساته المتنوعة، قدم المفكر الألماني يورغن هابرماس تصوره عن ما يدعوه (بالفضاء العمومي).
فقد سعى هابرماس من خلال جهده الفكري المتميز إلى تجسير الفجوة بين عالم الأنساق والعالم المعيش. يشكل مفهوم (الفضاء العمومي)، وهو من اختراع الفيلسوف الألماني كانط، مفتاح الممارسة الديموقراطية في نظر هابرماس. ويعرف (الفضاء العمومي) بوصفه دائرة التوسط بين المجتمع المدني والدولة. والرأي العام هو وسيلة المواطنين للضغط على الدولة. تكتسب مفردات مثل «الفضاء المفتوح» و«الرأي العام» و«التبادل العقلاني» أهمية بالغة في الخطاب الثقافي لبعد ما بعد الحداثة بشكل عام، وذلك لأنها تقف بالضد من مفردات روّجت لها ما بعد الحداثة مثل «فضاء القوة والهيمنة» و«القهر والكبت والتهميش» و«المصالح الفردية المتطرفة» و«اللعب واللا عقلانية المطلقة». ومع استثمار مفهوم (الفضاء العمومي) تنهار تلقائياً جميع مقولات فوكو وليوتار ودريدا حول عنف الخطاب والسرديات الكبرى وتعطيل فاعليات التواصل اللغوية.
ومثلما رفض هابرماس الانغلاق الشكلي والبنيوي على صعيد اللغة، رفض كذلك الإلغاء المطلق للواقع الاجتماعي عند ما بعد البنيوية، يذهب هابرماس إلى أن العلاقة بين العقل الفردي والمحيط الاجتماعي هي علاقة تبادلية تفاعلية.
يتعذر على العقل المفرد الإحاطة الشاملة بالحقيقة، مثلما لا تستطيع الجماعة فرض خطابها بوصفه تعبيراً عن تلك الحقيقة، ولذلك تبرز أهمية التوافق والتواصل والنقاش الحر المفتوح حول قضاياها. فالحقيقة، كما يتصورها هابرماس، تتغير وتتبدل باستمرار مع اشتراطات وضرورات الحياة والفعل الاجتماعي.

أدب بعد ما بعد الحداثة
وعلى الصعيد الأدبي حدد الناقدان مالكوم برادبري وريتشارد رولاند في كتابهما الصادر عام 1991 بعنوان (من البيوريتانية إلى ما بعد الحداثة) لحظة تحول الأدب من ما بعد الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة بنهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين. واتفق معهما الناقد (باري لويس) في مقالته التي شارك بها في (قاموس روتلدج النقدي لفكر ما بعد الحداثة) وأشار إلى أن الفترة بين (1989 و 1992) بوصفها لحظة التحول التاريخية إلى أدب بعد ما بعد الحداثة.
وفي عام 1993 نشر الروائي الأميركي البارز ديفيد فوستر والاس مقالاً مهماً بعنوان (مراجعة نقدية للقصة المعاصرة: التلفزيون والقصة الأميركية) تقصى فيه مظاهر تراجع ما بعد الحداثة في القص الأميركي المعاصر. أكد والاس على أنه لم يعد بمقدور القصة المعاصرة في أميركا توظيف تقانات ما وراء القص وذلك لأن التلفزيون كان قد استعان بها بشكل مكثف وأفرغها من محتواها.
وأشار إلى ظهور عدد من الروائيين الجدد في أميركا تجاوزوا تقانات ما بعد الحداثة واتجهوا نحو توظيف (القص التصويري)، وعبر والاس عن أمله في أن تتمخض هذه البدايات للروائيين الجدد عن تأسيس تقانات جديدة تقوم على التفاعل الإيجابي بين الروائي والقارئ. أعيد طبع هذا المقال في كتاب صدر عام 1997 ولاقى ترحيباً واسعاً. وقد كانت فترة التسعينيات مرحلة مثيرة في تاريخ الرواية الأميركية وذلك لأنها شهدت ظهور جيل جديد من الروائيين يبحثون عن التغيير ويسعون إلى تأسيس حساسيتهم الروائية الخاصة، مع استمرار الجيل السابق لهم في الكتابة بنشاط وقوة. ففي الوقت الذي ظهر فيه كل من ديفيد فوستر والاس وجونثان فرنزن ومارك دانيلفسكي وديف إيغرز كان كل من جوناثان بارث ووليم غاس وبول أوستر يقدمون أفضل أعمالهم الروائية وأكثرها نضجاً. ومثلما رافق ظهور تقانات ما وراء القص وما وراء القص التاريخي مجموعة من النقاد الذين اهتموا بتقصي جماليات وتقانات بعد ما بعد الحداثة في الأدب بشكل عام، وفي مجال السرد بشكل خاص، مثل تشارلز بي هاريس وروبرت مكلافن.
ويمكن الإشارة إلى أهم التقانات والجماليات التي بدأت في الظهور في الأعمال الأدبية لبعد ما بعد الحداثة بالنقاط التالية:
? عودة الاهتمام بالشكل والنظام والترتيب بدلاً من اللانظام والفوضى والتشويش على عمليات التلقي والاستقبال، والتي غالباً ما كان يتم توظيفها في أدب ما بعد الحداثة.
? السعي نحو تحقيق الشمولية والتكامل والوحدة والغلق في العمل الفني من خلال خلق إطارات فنية لتأطير الحدود الفاصلة بين عالم النص والعالم الخارجي.
? عودة الاهتمام بالقصة والحبكة التقليدية والتخلي عن تعقيدات تقانات ما بعد الحداثة من أجل تحقيق الوضوح وتجنب الغموض. يظهر أدب بعد ما بعد الحداثة اهتماماً متزايداً بالترابط المنطقي للأحداث في القصة وبناء الحبكة.
? عودة الاهتمام بالشخصية بوصفها ذاتاً تجريبية وليست مجرد كائن من ورق أو تركيب خيالي. وبحث جوانب التجربة الإنسانية وطبيعة المواقف الوجودية من خلال حركة الشخصية المتخيلة داخل إطار العمل الفني والأدبي. يتجاوز القص فيما بعد الحداثة استراتيجيات ما بعد الحداثة لتعطيل الفاعلية الإنسانية للشخصيات الروائية والتذكير المتعمد بحقيقتها المتخيلة ولا واقعيتها.
? السعي لخلق نوع من التعاطف والتواصل بين القارئ والشخصية المتخيلة وما تتعرض له من أزمات، أو تتخذه من مواقف وتجاوز تقانات التغريب وكسر الألفة، والتي كثيراً ما تم توظيفها في أدب ما بعد الحداثة.
? تأكيد إمكانيات القص والوحدات السردية الكبرى على تمثيل العالم الخارجي، وتجاوز مفهوم اللاإحالة للأنساق التمثيلية في أدب ما بعد الحداثة. يؤمن الأدب في بعد ما بعد الحداثة بوجود الواقع الاجتماعي الخارجي، ولكنه لا يتعامل معه على أساس النظرية الانعكاسية الاختزالية، بل من خلال خلق إطارات فنية وجمالية تعمل على تكثيف هذا الواقع من أجل السمو والتجاوز. يقول الناقد البارز روبرت مكلافن أن إحدى الطرق الجيدة التي اتبعتها بعد ما بعد الحداثة هي استمرار الإيمان بقدرة الأدب على اتخاذ مواقف نقدية من العالم الاجتماعي خارج النص.

اقرأ أيضا