الاتحاد

الملحق الثقافي

علي عبد الله خليفة..لا يتشابه الشعراء

كتب علي عبد الله خليفة قصيدته الأولى المنشورة عام 1963 في بيروت (الصدر الذي احتضن التجارب الإبداعية ومعظم الأصوات الشعرية الشابة في الوطن العربي) ليطبع ديوانه الأول بعدها بسنوات، وبعد أكثر من أربعين عاماً سيصدر مجموعته السابعة (لا يتشابه الشجر) وبينهما تاريخ طويل من العطاء والتجربة الثقافية والفكرية النظرية والعملية ، تجدر الإشارة إليها كونها حق للشاعر وتاريخه الأدبي والإنساني.

الشاعر البحريني علي عبد الله خليفة، يعيش دوما تجربة متألقة بها من الحداثة قدر ما بها من الجذور، تجمعهما تجربة إبداعية مميزة - خاصة على مستوى الخليج العربي - فيما يخص الكتابة العامية بالنفَس الحداثي. كما الكتابة الحديثة بالمفردة العامية والرمز المشاع، وهي واضحة في معظم قصائد ديوانه الأول (أنين الصواري) الصادر عام 1969، والذي يعد من التجارب الشعرية المطبوعة الأولى المتبناة من أسرة الأدباء والكتاب في البحرين إبان إشهارها في العام نفسه، بعد مخاض طويل قام به شاعرنا مع بعض الشعراء والأدباء الآخرين، ليستمر حتى يومنا هذا في عطاء أثمر الكثير من التجارب والإصدارات القيمة والمهمة على الساحة الخليجية والعربية.
علي، ابن المحرق، وأبيه الغواص، وأمه التي صلت الفجر إيذانا بمطلعه (كما يقول الشاعر) والجيران، رفاق الصبا وتراب الحواري والظلم والعشق والمحبة المملوءة بها قلوب أصحابها، حاول علي أن ينقل الواقع الذي أحبه إلى الآخرين، كونه يمتلك موهبة وإبداع صياغة الكلمة بشعرية يمكن أن تصل بها أسرع من أنواع الكلام الأخرى. كما يمكن أن تكون أكثر ضجة وأعلى صوتاً وأكثر قبولا، فجمع الشاعر، كل ما قيل وكتب في الشعر والحكاية والمثل والنوادر في صبر وتأن أخذ معظم سنوات العمر، واحتفظ بها كذخيرة حياتية وثقافية، قدم الكثير منها في برامج إذاعية وكتابات ومحاضرات لتكون ذخيرته الأولى في فهمه للتراث، وتفعيله، ونقله من مرحلته الشفاهية إلى واقع التدوين والحفظ، في واحدة من أهم تجاربه العملية المجيّرة لخدمة الثقافة والمترجمة في تأسيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية في الدوحة، ورئاسته تحرير مجلته «المأثورات الشعبية»، والتي لا يخفى على أي باحث ومتتبع أهميتها في خدمة التراث ونشره وتعميمه.
أسس علي مع رفاق الدرب أسرة الأدباء والكتاب، وخاضوا صراعاً مريراً مع كافة السلطات الثقافية لإثبات كينونة هذا الوليد الذي نما كنبتة شيطانية تسلقت كل الجدران والحوائط الثقافية في المنطقة من خلال إصدارات وكتابات ومنتديات أصحابها وغيرهم من المولعين بالهمّ الثقافي، لتظهر مجلّتا «كتابات» و «كلمات» اللتان كان شاعرنا من مؤسسيها، وليعود من الدوحة إلى دائرة الثقافة بالبحرين ليعاود اهتمامه الثقافي ويساهم من خلال الدولة في الخلق الثقافي، لينتقل إلى الديوان الأميري في وظيفة رئيس قسم البحوث والدراسات في خدمته للثقافة والمثقفين كتكملة لرسالته التي ابتدأت مع أول أقصوصة ورق تحوي أبياتا شعرية أعجبته، وضعها تحت لوح الزجاج على مكتبه الخشبي الصغير في الغرفة العلوية لبيت الغواص عبد الله خليفة.
بين العامية والفصحى
قال الشاعر في شهادته أمام ملتقى الشعر العربي الرابع إن «كتابة الشعر بالعامية كتابة مرحلية، وأن هذا الشعر بلا مستقبل، لأن اللهجة في تطور يومي مستمر بفعل تطور المجتمع وانتشار التعليم، وتنبأ بأن تضيق الشقة ما بين العامية والفصحى كمحصلة طبيعية، بحيث ترقى العامية شيئاً فشيئاً لتصبح أقرب ما تكون إلى الفصحى».
وفيها، أي الشهادة، يتوصل الشاعر لشرح ما استغلق من مفهوم التزاوج بين الفصحى والعامية، وكتابة الفصحى للهمّ اليومي بمفردات متداولة بألقابها وتحويراتها واشتقاقاتها، وهي بداية الشاعر الحقيقية في كتابته الشعر من واقع اليومي المعاش.

حين أحس النخل بالدماء ساخنة
تلامس الجذور
تضاحكت عذوقه من بعد صمتها الحزين
ورافق السماء، وانحنى
يقبل الجبين
فسال دمع لحظة المهابة

كما شرح المزاوجة بين الفصحى والعامية، وأوضح أهمية الكتابة في الواقع اليومي المعاش ليس ضمن المفردات فقط، بل ضمن الواقع الاجتماعي السياسي المعاش والمتبني همّ فيضانات الأحداث التي مرت وتمر بها المنطقة العربية عامة والبحرين خاصة، دون انفصال ما بين الكتابة في عيون الحبيبة أو عيون الموتى.

كبرت بنت البساتين.. تنامت
في رياح المستحيل
كانت السقيا .. دماء
كنت عبد الله تاريخاً من الذل
وللفقر وعاء
رافض أنت، ومرفوض عنيد

و عودة للمخزون الحضاري الأدبي في ذاكرة جمعت المدرسة النبطية (عبد الله الفرج ومحمد بن لعبون ومحمد الفيحاني) والمدرسة البصرية (عبود الكرخي وأبو ضاري)، وهما المدرستان الأساسيتان في الشعر الشعبي المتداولة أشعارهما في منطقة الخليج، إضافة لمخزونه اليومي، يقول خليفة: «رضعت الشعر الشعبي مع أول قطرة من صدر تلك الأم البسيطة التي كانت بالنسبة لي حتى آخر ساعة لها في الحياة مستودعاً لا ينضب من تلك المادة. نشأت في بيت مغرم نهاراً، بمناسبة وبدون مناسبة، برواية وترديد الأشعار الشعبية من مجزوء القصائد ونثار الأبيات المتفرقة والمواويل والبوذيات والأزجال ونصوص الأغاني الشعبية».

الموال الحديث
بعد (أنين الصواري) 1969، قدم علي عبد الله خليفة تجربته الأولى في كتابة (الموال الحديث) كواحدة من أقوى التجارب في كتابة الموال المكتوب بلغة اليوم، والمعبرة عن همّ الإنسان الحديث اليومي في الخليج، ليضع ويصحح مفهوم الشعر الشعبي في التناول بلغة ومفهوم اليوم حول المعطيات والمفاهيم الاجتماعية والسياسية.

أصحابنا جيف بعد العمر شانت خوافيكم
يا خيبتى في الأمل يوم ذوى فيكم
جفنا نوايا الجذب يا عون وافيكم
لجلوب ما هى سوا والعارفين اكثار
واللى اعتمر بالوفا ما ينتوى لك ثار
إنسان لا تعتجب دوبه العطا .. مكثار
يوم انجوى عنكم .. حذر يوافيكم

في عودة أكثر فجائعية من (أنين الصواري) قدم علي (إضاءة لذاكرة الوطن)، وفيه ينتقل من الهم الخاص إلى الهم العام، ومن غوص البحر إلى غوص الطين والتراب والموت وحيثيات الواقع السياسي الخاص والعام، ليعاود الكتابة في (عصافير المساء) ضمن كتاب يضم 4 أشرطة بصوت الشاعر وألحان أحمد الجميري وخالد الشيخ في تحفة موسيقية شعرية وتجربة جديدة في تقديم الشعر الشعبي والمتواصل عبر السماع أكثر منه القراءة:

عزيزي، يا ضما افادى
وياشوق الشير للمايْ
أحيّى طلعة جبينك
وهي تغبش على الدنيا، وتبدعها
وأحيّى عمرك الذاوي ورا اللقمه
وصافح كفك السمره
وهي تطلع مع الأعشاب

قدم الشاعر بعد (عصافير المساء) والتي ربما كانت استراحة المحارب ديوانه (في وداع السيدة الخضراء ) عام 1992، في تجربة حاول الشاعر فيها أن تكون مغايرة لتجاربه السابقة بالفصحى السهلة والمتمكنة في مفرداتها ورموز كلماتها، تراوحت ما بين شبه المباشرة والرمزية:

بهذا الزمان الرديء
إذا جئت شهماً
وأسقيت من دمك الوردة الذابلة
وقاومت بالصدق وجه الحياة الكذوب القميء
سينفضّ من حولك السامرون
ويهجرك الأقربون
وترميك بالطوب من جهلها السابلة
تؤلب من كل صوب عليك الضفادع
فتغدوا أسيرا لقيل وقال
ويبقى السؤال السؤال:
لماذا يهز جنون العواصف سعف النخيل
وتمضي العواصف ..تمضي
وتبقى النخيل ؟؟

اقرأ أيضا