الاتحاد

دنيا

بيتر بينينسون نصير المنسيين في العالم

ترجمة وإعداد-هالة دروج:
ليست كثيرة هي المقالات الصحفية التي يمكن وصفها بأنها أحدثت تغييرا ايجابيا كبيرا في العالم· لكن في يوم الأحد 28 مايو من عام 1961 نشرت صحيفة الأوبزيرفر على الصفحة الأولى في ملحق ريفيو مقالا بعنوان 'السجناء المنسيون' بقلم بيتر بينينسون، المحامي اللندني الذي كان في الثالثة والثلاثين من عمره· كانت تلك المقالة بداية لسلسلة من المقالات التي شكلت حملة كبيرة شنها بينينسون بعد أن علم بقضية طالبين برتغاليين تعرضا للاعتقال والسجن بسبب قيامهما بشرب نخب الحرية في إحدى مقاهي لشبونة وذلك إبان نظام سالازار الديكتاتوري· أثارت القصة غضب المحامي الشاب الذي هام على وجهه في شوارع لندن محاولا إيجاد وسيلة للفت نظر الرأي العام إلى هذه القضية·
جاء حل بينينسون سهلا وبسيطا للغاية وهو إمطار النظام البرتغالي بوابل من الرسائل المكتوبة التي تطالبه بإنصاف السجناء وعدم الإساءة إليهم· ولكن عوضا عن القيام بحملة واحدة موجهة لبلد بعينه فكر بينينسون بتوسيع نطاق نشاطه ليسلط الضوء على معاناة السجناء السياسيين والدينيين في جميع أنحاء العالم· وكانت هذه الفكرة محور مقالاته في الأوبزيرفر والتي جاءت على شكل سلسلة من الرسائل التي نشرت تحت مسمى 'المطالبة بالعفو'·
تناولت مقالة 'السجناء المنسيون' قصة ستة رجال وضعوا في سجون انفرادية بسبب تعبيرهم عن آرائهم ومعتقداتهم، استخدم الكاتب مصطلح سجناء الرأي لوصفهم· جاء في مقدمة المقالة: 'افتح الصحيفة في أي يوم من أيام الأسبوع وستجد فيها تقريرا من مكان ما في العالم يروي قصة إنسان يتعرض للسجن أو التعذيب أو يواجه حكما بالإعدام لأن توجهه الفكري أو الديني لا يتناسب مع توجهات حكومته· عند الاطلاع على هذه القصص ينتاب القارئ شعورا بالعجز· لكن لو اتحدت مشاعر الاستياء هذه من جميع بقاع الأرض في بوتقة واحدة يمكننا أن نقوم بشيء فعال'·
ما نشر على صفحات الأوبزيرفر لم يكن مجرد مقالة صحفية، بل كان الخطوة الأولى في حملة خطط لها بينيسون وأصدقاؤه منذ أشهر· أطلق الرفاق على الحملة اسم 'المطالبة بالعفو، '1961 وكانت تعتمد أساسا على قيام الناس العاديين بكتابة رسائل توجه الى السلطات الحكومية للضغط عليها ومطالبتها بتحقيق العدالة والامتناع عن انتهاك حقوق الانسان· طالبت مقالة الأوبزيرفر التي كتبها بينينسون القراء بكتابة الرسائل نيابة عن السجناء الستة الذين نشرت قصصهم أيضا في صحف أخرى في الولايات المتحدة والهند وايطاليا وهولندا والدنمارك وجنوب أفريقيا وبلجيكا وغيرها· أثارت الحملة ردود أفعال قوية للغاية إذ تدفق سيل من الرسائل الى بينيسون والى الحكومات المعنية· كما أرسل الناس التبرعات، وقدموا معلومات عن سجناء آخرين يحتاجون الى المطالبة بحقوقهم· وبذلك ظهرت أول فرق لهذه الحركة التي عملت على قضايا سجناء فرديين، ثم ظهرت فروع جديدة في دول أخرى·
لم يكن بينينسون يتوقع أن تحقق حملته ذلك النجاح الكبير· فقد أصبح مصطلح 'سجين الرأي' الذي اعتمده شائع الاستخدام بين الشعوب· وبات شعار الحركة الذي صور على شكل شمعة محاطة بسلك من الشريط الشائك رمز الأمل في العالم·
وتبين خلال أقل من عام أن الحملة التي قام بها بيتر بينيسون آخذة بالتحول الى حركة كبيرة تمخضت عن ولادة ما يعرف اليوم باسم منظمة العفو الدولية· تضم المنظمة حاليا ما يزيد عن 1,5 مليون عضوا في 162 دولة يقومون بنشاطهم في تسليط الضوء على طيف واسع من انتهاكات حقوق الإنسان التي يشهدها العالم في مختلف بقاعه· عملت حملات المنظمة على إنقاذ عدد لا حصر له من السجناء من التعذيب والموت وأثارت قضايا ما يزيد عن 47 ألف من سجناء الرأي وغيرهم من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان· وفي عام 1977 حصلت المنظمة على جائزة نوبل للسلام لنشاطها الدؤوب في درء الظلم عن الشعوب·
خوليو دو بينا فالديز، رئيس اتحاد التجار في جمهورية الدومينيكان، كان واحدا من السجناء الذين استفادوا من نشاط حملات الدفاع عن حقوق الانسان· يتحدث خوليو عن أثر حملة الرسائل التي أطلقها بينينسون على تحسين مستوى المعاملة التي كان يلقاها في السجن ويقول: 'عندما وردت الدفعة الأولى من الرسائل بدأ الحراس يعيدون إلي ملابسي· وبعد وصول الدفعة الثانية قدم مدير السجن لرؤيتي· أما الدفعة الثالثة فحملت المدير على الاتصال برؤسائه· وتواصل سيل الرسائل إلى أن وصل عددها إلى 3 آلاف وتم إبلاغ الرئيس بذلك فأبلغ إدارة السجن بإطلاق سراحي'·
في بداية حركة حقوق الإنسان كانت جهود بينينسون هي الأساس الذي اعتمد عليه نجاحها· فكان يقدم جزءا كبيرا من التمويل الذي احتاجت إليه، وكان يهتم بكل نشاط من نشاطات المنظمة حيث قال عن تلك البدايات: 'في ذلك الوقت كنا ما نزال في مراحلنا الأولى نحاول الانطلاق في نشاطنا· جربنا كل طرق الوصول الى الانتشار، وشعرنا بامتنان كبير لمساعدة العاملين في الصحافة المكتوبة والمرئية من جميع أنحاء العالم الذين لم يعمدوا فقط الى إرسال معلومات عن أسماء السجناء بل كانوا أيضا يقدمون لنا الفرصة لنشر القصص عن السجناء أيضا'·
بمناسبة الاحتفال بالذكرى العشرين لتأسيس منظمة العفو الدولية قام بينيسون بإيقاد شمعة وقال: 'أشعل هذه الشمعة 'لمحاربة النسيان'- كما قال شكسبير- وذلك كي يبقى المنسيون دائما في ذاكرتنا· فنحن في منظمة العفو نحارب النسيان'·
ولد بينينسون في 31 يوليو من عام 1921 وهو حفيد لمصرفي يهودي روسي لكنه اعتنق المسيحية فيما بعد· تلقى تعليمه على يد مدرس خاص ثم التحق بمدرسة إيتون وتابع دراسة التاريخ في جامعة أكسفورد· منذ صغره أبدى بينيسون مؤشرات لرفضه تقبل الخطأ عندما اشتكى إلى مدير المدرسة بسبب رداءة نوعية الطعام الذي يقدم الى الطلبة وهو ما اضطر ادارة المدرسة الى ارسال تقرير الى والدته تحذرها فيه من سلوك ابنها الثوري· في عمر السادسة عشر قام بحملته الأولى للحصول على دعم المدرسة للجنة الإغاثة الإسبانية التي كانت تساعد الأيتام الجمهوريين ابان الحرب الأهلية· وقام هو بنفسه بتبني أحد هؤلاء الأيتام· وبعد مغادرته مدرسة إيتون ساعد والدته التي كانت تعرف بالتزامها السياسي في البحث عن مأوى للأطفال اللاجئين القادمين الى لندن·
أرسلته لجنة اتحاد التجارة الى اسبانيا كمراقب من طرفها لعمليات محاكمة النقابيين في الخمسينات من القرن الماضي· وقد استاء بينيسون كثيرا مما شاهده في قاعات المحاكم والسجون· ووصل استياؤه في أحد المواقف الى درجة قام فيها باعداد قائمة بمجموعة من الشكاوى واجه بها القاضي المسؤول وكانت النتيجة أن انتهت القضية بالبراءة، وهو أمر نادر ابان الفاشية في اسبانيا·
لكن بعد 83 عاما من عمره الذي أمضاه في تذكر المنسيين قضى بينيسون نحبه بعد صراعه مع المرض وذلك في الخامس والعشرين من فبراير الحالي في مستشفى جون راديكليف في أكسفورد· في التصريح الذي أدلت به بعد وفاته قالت إيرين خان، الأمين العام الحالي لمنظمة العفو الدولية: 'كانت رؤيته هي السبب في ظهور المنظمة· كان بيتر بينينسون في حياته وفيا لعهده بالالتزام بمحاربة الظلم في العالم· لقد أدخل النور الى ظلام السجون ورعب غرف التعذيب ومأساة معسكرات الموت في جميع أنحاء الأرض· كان الرجل الذي سطع نور ضميره في عالم الظلم والقسوة، الذي آمن بقوة الناس العاديين ومقدرتهم على إحداث تغييرات غير عادية'· ولم يختلف الجميع على أن بينينسون هو الذي أضاء شعلة الحق التي ظلت متقدة بفضل جهود منظمة العفو الدولية الحثيثة لمحاربة الاستغلال والاساءة الى آدمية الإنسان في أي مكان من العالم·

اقرأ أيضا