الاتحاد

الملحق الثقافي

قصص عن الشغف المعرفي

الطريق الصعب الى المعرفة

الطريق الصعب الى المعرفة

تقطع الطفلة المغربية «زهيرة» كل يوم 22 كيلومتراً لكي تصل إلى مدرستها، وتنال حقها في التعليم؛ حيث تسكن هذه الطفلة في الريف، في أعالي جبال الأطلس، لكن زهيرة ليست سوى واحدة من أطفال كثيرين في دول كثيرة، يعيشون المعاناة نفسها يومياً. تلك المعاناة هي موضوع فيلم وثائقي فرنسي يحمل عنوان «في الطريق إلى المدرسة» (surLe Chemin de L’Ecole) يعرض حالياً في صالات العرض السينمائية، ويلاقي نجاحاً منقطع النظير، فقد شاهده لحدّ الآن (في الأسبوع الأول من عرضه 700.000 متفرج). وبسبب هذا النجاح غير المتوقع تقرر عرض الفيلم في 350 قاعة بعد أن كان مقرراً عرضه في 180 قاعة.

إلى أكثر من دولة، في أكثر من قارة، ذهب مخرج الفيلم «بسكال بليسون» ليصور هؤلاء الصبية، ويروي قصصاً إنسانية مؤثرة لأربعة منهم من بينهم الطفلة «زهيرة». يرافق الفيلم هؤلاء الصبية في ذهابهم ورواحهم مبرزاً إصرارهم - رغم المصاعب - على النهل من ينابيع المعرفة ليقينهم بأن التعليم هو السبيل الوحيد لهم للخروج من حياة الضنك والفقر والخصاصة والارتقاء اجتماعياً. ويظهر الشريط عزيمة وصبر هؤلاء الصبية الريفيين الفقراء البسطاء، وهم يقطعون يومياً المسافات الطويلة على أقدامهم أو على ظهور الدواب لمتابعة دراستهم، مدفوعين بالأمل لاعتقادهم بأن النجاح وحده يمكن أن ينتشلهم من واقعهم البائس ويفتح أمامهم آفاق المستقبل المشرق، وأن العلم وحده يمكن أن يغيّر حياتهم إلى الأجمل والأفضل.
ولأن الفيلم يصور بصدق «نضال» هؤلاء الأطفال ومعاناتهم وتغلبهم على مصاعب كأداء من أجل العلم والمعرفة؛ فقد لاقى استحساناً ونجاحاً كبيرين لدى جمهور غربي مترف ومرفه اكتشف بإعجاب صورة مشرقة لعالم يجهله.

في أدغال كينيا
يحكي الفيلم قصة مؤثرة عن طفل من كينيا اسمه جاكسن، في الثانية عشرة من عمره، يعيش في شبه كوخ مع والديه وبقية إخوته عيشة الكفاف وسط غابة. كل صباح يقطع الطفل رفقة شقيقته الصغرى «سالومي» مسافة أربع عشرة كيلو متر ذهاباً وإياباً. كل منهما يحمل محفظته ومعه «جردل» صغير من الماء، ويسلكان مسالك وعرة على قدميهما ليصلا إلى المدرسة بلا تأخير. كل يوم يسير «جاكسن» أربع ساعات على قدميه رفقة شقيقه ليكون حاضرا عند تحية العلم. لكن هذه الصعوبات ليست وحدها ما يكافحانه. ثمة خطر أشد فتكاً يهدد حياتهما. إنها الفيلة السائبة التي دعست خمسة من زملائهما، والتي تنتشر في غابات كينيا. فضلاً عن مخاطر أخرى لا تقل خطورة عن الموت مثل اختطاف الأطفال الكينيين وتهجيرهم لبلدان أخرى لأغراض شتّى.
«جاكسن» الذي يخوض هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر بشكل يومي، والذي اختاره المخرج «بسكال بليسون» ليكون واحداً من أبطال فيلمه، هو أفقر تلميذ في الفصل، ومع ذلك، فإن نتائجه الدراسية مبهرة وهو الأول في فصله بفضل ذكائه واجتهاده وحبه للمعرفة.
وقد استضافه المخرج عند أول عرض للفيلم في فرنسا وقدمه للجمهور بعد مشاهدتهم الشريط فكان إعجابهم به كبيراً ، وصفقوا له طويلاً عندما قال لهم إن التعليم بالنسبة إليه أمر هام جداً وأنه الطريق الوحيد له للنجاح ولضمان مستقبل أفضل له ولأسرته ولبلاده.

عندما تلعب الصدفة
يكاد هذا الفيلم يكون ابن الصدفة، فالصدفة وحدها قادت المخرج إلى ثيمته السينمائية هذه.. إذ أن باسكال بليسن - المختص في الأفلام الوثائقية - لم يكن يخطط لإنجاز هذا الفيلم بل ذهب إلى شمال كينيا لتصوير الحيوانات وخاصّة الزرافات، وإعداد شريط وثائقي عنها، إلاّ أنّه لاحظ أثناء أقامته في منطقة «البحيرات الكبرى» بكينيا بعض التلاميذ يمرون ذهابا وإيابا إلى مدارسهم، ورأى المشقة التي يتكبدها صبية يافعون من أجل ذلك، فتولّدت لديه فكرة إنجاز فيلم وثائقي عنهم، واختار أطفالا تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة وتبعد منازل أهلهم وذويهم عن مدارسهم عشرة كيلومترات على الأقل... وهكذا ولد الفيلم.
لكن الصدفة لم تكن حاضرة والمخرج يلاحق فكرته هنا وهناك.. بل بحث عن أطفال مشابهين، ليعثر على ضالته في طفل هندي وآخر أرجنتيني والطفلة المغربية زهيرة التي انتقاها لتكون شخصية أساسية في شريطه الوثائقي، حيث ترافقها كاميرا المخرج في رحلتها وسط مشاهد طبيعية خلابة.
وفي متابعته للفيلم، يتخيل المشاهد أن فيلم «الطريق إلى المدرسة» ليس شريطاً وثائقياً بل يكاد يكون فيلم مغامرات لما أبرزه من مصاعب ومخاطر تعترض الطفلة في رحلتها عبر الجبال والوهاد ...
ومن يشاهد الفيلم يكتشف أن من أكثر اللقطات جمالاً وصدقاً في الشريط تلك المشاهد التي تظهر تلاحم أسر هؤلاء الأطفال، وتآزرهم، ومشاعر التراحم والمودة والحب بين الآباء والأمهات والأبناء وبين الأخوة، فالطفل الهندي يقطع يومياًِ مسافة أربعة كيلومترات، ولأنه يشكو من إعاقة في رجليه فان إخوته يتولون دفع وجر ما يشبه الكرسي المتحرك لإيصاله معهم إلى المدرسة، أما الطفل الأرجنتيني كارلوس، ابن الحادية عشرة، فيقطع على ظهر حصان ثمانية عشر كيلومترا للوصول رفقة شقيقته الصغرى إلى المدرسة الأقرب إلى منزل والديه، ويقوم بهذه الرحلة المضنية مرتين كل يوم مهما كنت الأحوال الجوية، وفي كل الفصول.
يبقى أن القاسم المشترك بين كل هؤلاء الأطفال، وتجاربهم المؤثرة، والذي أراد المخرج الفرنسي إبرازه، هو تعطشهم للمعرفة وشغفهم بالتعليم، وقد نجح المخرج في تحويل الواقع اليومي لهؤلاء الصبية إلى قصص إنسانية مؤثرة سعياً منه إلى تبليغ رسالة مفادها أن هؤلاء الأطفال على اختلاف لغاتهم وأديانهم وبلدانهم، ليسوا سوى أمثلة للشجاعة والإصرار والعزيمة وحب الحياة.

اقرأ أيضا