الاتحاد

الملحق الثقافي

التراث.. لا يستقيم إلا بالنقد

التراث، بشقيه المادي والمعنوي، هو حكاية سيرة الأولين “بعَجَرِهِمْ وبَجَرِهِمْ” كما يقولون. أي صورة ناطقة بلسانهم، تقص أثرهم وترصد مسار حيواتهم كما كانت، من بداياتها حتى نهايتها، صورة تروي مآثرهم ومفاخرهم، بسلمهم أو حربهم، بانتصاراتهم وانكساراتهم، بمسراتهم وأحزانهم، بإشراقاتهم وخيباتهم، بنضارتهم وغضارتهم، أو مرارتهم وعذاباتهم، صورة طبق الأصل عن مجتمعهم وعن زمنهم، من دون رتوش أو تزويق.

ويعتبر التراث، من أهم المؤشرات لقياس مستوى ارتقاء وتطور الأمة - الشعب، أو المجتمع، سواء لجهة قدرة أبنائه على التفاعل الإيجابي أو السلبي مع بيئتهم في الأزمنة الغابرة، أو على مستوى تناغمهم وتفاعلهم الإيجابي مع الحضارات السائدة بزمنهم، أو ملاحظة مدى شرنقتهم وانغلاقهم على ذاتهم، وانقطاعهم عن الآخرين. والتراث بهذا المعنى يشكل أحد المكونات الرئيسية لهُوية الأمة الثقافية، لأنه يلعب دوراً مهماً في تقوية روابط الانتماء الوطني، وتعزيز الشعور بالعِزَّة القومية، وخصوصاً لجهة حشد القوى على مستوى الاستجابة الإيجابية الفاعلة للتحديات الحضارية الطارئة بكل أشكالها العسكرية والعلمية والفلسفية.
ولكن السؤال الأهم، هل يقتصر دور التراث على قياس مستوى تطور الآباء والأجداد، أو دوره بالمساهمة في تشكيل مكونات الهُوية الثقافية للأمة، وتعزيز قيم الولاء والانتماء الوطني والقومي فقط؟
تؤكد الدراسات في مجال العلوم الإنسانية - على الأقل خلال العقود الخمسة الأخيرة - أن التراث، أو الموروث الثقافي بكل مستوياته وأشكاله، أو جوانبه التنويرية أو المظلمة، يمثل سيرة إيجابية للسابقين بكل المعاني الثقافية والإنسانية، وخصوصاً في عملية محاكاة الحاضر واستشراف المستقبل. وهذا ما جعل المجتمع الدولي يتداعى في إطار منظمة “اليونسكو” منذ عام 1972 لعقد اتفاقية حماية التراث العالمي، باعتباره إرثاً إنسانياً مشتركاً، يستوجب حمايته وصونه من جميع البلدان، في كل الظروف. وشارك بالتوقيع على هذه الاتفاقية 178 دولة حتى الوقت الراهن. ولم تعد الاتفاقية كما بدأت، أي مقتصرة على الجانب المادي من التراث، مثل المباني العمرانية التاريخية والمحميات الطبيعية واللُقى الآثارية والأحفوريات بكل أشكالها، وإنما باتت الاتفاقية تشمل الاهتمام بالجانب اللا مادي، أي المعنوي، مثل الآداب والفنون بأنواعها، والاحتفالات الفولكلورية بالمناسبات الموسمية أو السنوية، والعادات والتقاليد في الأزياء والزواج والمأكل والمشرب.
أي باختصار جميع الأدوات والأشياء التي تدخل في إطار السلوك الإنساني، لأنها جميعها تعتبر مكتسبات إنسانية تخص البشرية جمعاء، من حيث تفاعلها وتمازجها بالثقافات الأخرى، فتغنيها وتغتني بها.
وتُجمع الدراسات المعاصرة، على أن الدلالات المعرفية للتراث ينبغي أن تتجاوز الحاضر إلى استشراف المستقبل، لأن قراءة التاريخ الواعية، ليست استعادة للماضي الذي انطوى ومضى إلى غير رجعة بغثه وسمينه، وإنما هي بالضرورة العلمية قراءة ملهمة، ذلك لأن القراءة الواعية للصيرورة التاريخية بأخطائها وصوابها، تمثل علامات على الطريق، سواء لجهة تحفيز العقل في حالة الصواب، أو لجهة تصويب مسار التفكير، أو آلية عمل العقل في حالة الخطأ، بغرض تسديد الرؤى، في إطار تعزيز قيم الجمال بمواجهة القباحة، لجعل الحياة ممكنة من ناحية، ومن ثم الارتقاء بالسلوك الإنساني عموماً، من أجل عمار كوكب الأرض في إطار سلمي، يضمن الرفاهية للجميع من ناحية ثانية.
أما كيف يكون التراث – بشقيه المادي والمعنوي - ملهما بأخطائه وصوابه؟ فذلك هو التحدي العلمي الذي تواجهه الأمم الحية في مسيرتها الإنسانية، وخصوصاً في المنعطفات التاريخية الحادة، المتمثلة بالتحديات الحضارية الطارئة، التي تواجهها الأمم وتحدد مدى استجابتها الثقافية، وقدرتها على التفاعل والتجديد، لضمان بقائها الفاعل في الدورة الكونية للوجود، ناهيك عن قدرتها في الدفاع عن مقدراتها أو خيراتها الاقتصادية والسيادة على حدودها بكامل ترابها الوطني.

قراءة واعية
ثمة مقدمات ضرورية، للبدء في القراءة الواعية للموروث الثقافي. ولعل أولى هذه المقدمات، تكمن في إجراء مصالحة ذاتية مع الماضي، أي قبول الموروث الثقافي بكل إشراقاته وسقطاته، من دون تمييز أو تنقيح أو حذف وشطب. لا بل الإقبال عليه بحدب واعتزاز بما له، والاعتذار عما عليه. فمثلاً ماذا يعيب العرب لو أقدمت الجامعة العربية بمراجعة حقيقية لتاريخ الرق والعبودية ومنطق الجواري والغلمان والموالي، الذي ساد في الواقع العربي قبل الإسلام وبعده بأشكال مختلفة، واعتذرت عن هذه اللطخ السوداء في تاريخنا، الحافل بالقيم العظيمة، التي لا زالت حتى هذه اللحظة تستمد مشروعيتها الإنسانية، من جوهرها الأخلاقي قبل الديني بكثير، فضلا عن دورنا في التراكم الحضاري للإنسانية جمعاء في مجالات العلوم والفلسفة والآداب والفنون عموماً.
وربما تكون ثاني المقدمات الضرورية في القراءة الواعية لموروثنا الثقافي، تقديم العقل على النقل، لأننا مارسنا النقل على مدى ثمانية قرون، وعلى وجه الدقة منذ وفاة ابن رشد آخر الفلاسفة العرب المبدعين، الذين قدموا إضافات جديدة للوعي الإنساني. ومنذ ذلك التاريخ لم يتمكن العرب والمسلمين عموما من تحقيق التجديد المنشود، أو أقله تقديم إضافات إبداعية فاعلة أو ذات معنى. وما يؤكد عقم فاعلية “النقل” هو فشل نظرية الإحياء الديني، التي قال بها منذ قرنين على الأقل، من أُطلق عليهم اسم “مصلحي عصر النهضة”، بدءاً من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ومروراً بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وشكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي، ووصولاً إلى حسن حنفي وسليم العوا ومحمد عمارة ورضوان السيد وغيرهم كثيرون، وما بين الصف الثاني والثالث، جماعة “الإخوان المسلمين” وملحقات هذا التنظيم الباطني، من الجماعات الجهادية والتكفيرية على مختلف مسمياتها، التي ألحقت بالنهضة أو مشروع الحداثة العربية، أكثر بكثير مما ألحقه الاستعمار عينه.
ولعل المقدمة الضرورية الثالثة، هي استخدام أدوات العلم الحديث في منهجية تفكيك التراث، وخصوصاً الجزء المدون، انطلاقاً من التعامل معه كنص لغوي، حَمَّال للمعاني والدلالات المتبدلة بتبدل الأيام والمراحل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وكان العرب من الشعوب السباقة في استنباط علم الكلام، الذي وأدناه قبل أن يشتد عوده مع الأسف الشديد. وتطور في الوقت الراهن إلى علوم اللغويات والألسنيات بمدارسها المتعددة.
أما رابع المقدمات، فهي ضرورة وضع الموروث الثقافي بمجمله، تحت ميزان المراجعة والنقد، من دون استثناء سواء على مستوى النصوص أو مستوى الشخصيات، في كل المراحل التاريخية، كون التراث بشقيه، في أبعاده الثقافية ومعانيه النهائية، منجزات حضارية، تمثل إرثاً إنسانياً للجميع،- كما أسلفنا - وإن كانت تمايزاتها الفنية والجمالية والفلسفية والعلمية تشكل خصوصية ثقافية لمبدعيها أو لأهلها الأصليين. ذلك لأن منطق قيام الحضارات ليس مُنّبَتاً عما قبله، وإنما يقوم في أية بقعة من بقاع الأرض، أو لدى أي شعب من الشعوب، على تراكم إبداعات الجنس البشري منذ فجر التاريخ.
ما يعني أن للتراث دور فاعل في قيام أي حضارة، وبالتالي يلعب دوراً حيوياً في استشراف مستقبل الإنسانية عموماً، سواء لجهة التطوير، أو لجهة الحؤول دون انتكاسات مؤذية للبشرية، كما حصل مثلاً في الحربين الكونيتين خلال القرن الماضي. وهو بهذا المعنى بمثابة إرث مشترك لجميع أمم الأرض.
لا ريب أن هناك العديد من المحاولات النهضوية المعاصرة، وهي محاولات نقدية فذة بكل المقاييس العلمية، لتفعيل العقل العربي، في تعامله مع الموروث الثقافي ببعديه الديني والأخلاقي، في كل مستوياته الفلسفية والعقدية، البرهانية أو العرفانية، مثل محاولات المفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي قدم إسهامات جليلة وعظيمة في قراءة وتحليل النزعات العقلانية في الفلسفة العربية والإسلامية، وأضاء كما لم يفعل غيره على الإرث الرشدي العقلاني، القائم بجوهره على العلاقة التكاملية الوثيقة بين الفلسفة والشريعة الإسلامية، ساعياً إلى تأصيل الفلسفة الرشدية، التي استقت رؤاها من الإشراقات العقلية المتقدمة لأهل علم الكلام العرب، وأبرزهم «فرقة المعتزلة». كما تجدر الإشارة إلى جهود المفكر الجزائري محمد أركون، الذي يقوم مشروعه الفكري على ما يمكن أن نسميه «فلسفة زحزحة النص»، في محاولة علمية رصينة، لاستخدام أدوات «علم الكلام الحديثة» في تجاوز المعنى الموروث بالنص، الذي تقادم العهد بدلالاته. وهناك آخرون أمثال المفكر اللبناني حسين مروة، الذي يعتبر جهده، من خلال كتاب «النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية» بجزئيه، تجربة طليعية معاصرة في قراءة الإرث العربي والإسلامي قراءة علمية مبكرة، جعلته يدفع حياته ثمناً لمشروعه العقلاني منتصف الثمانينيات الماضية. كذلك لا يجوز تجاهل جهود كوكبة كبيرة من المفكرين، تمحورت بمجملها على تحرير العقل العربي أمثال: صادق جلال العظم وبرهان غليون وجوج طرابيشي وحليم بركات وآخرون كُثر، لعبوا دورا مهماً في تفعيل العقل العربي.
غير أن المشكلة الحقيقية التي تواجه العقل العربي المعاصر، أو ما يمكن أن نسميه، غياب النموذج الفلسفي العربي الجديد، الذي يستمد أدواته النقدية، ورؤاه المعرفية، من حقله الاجتماعي الخاص. وهي أدوات يفترض أن لا تقتصر فعاليتها العلمية على موضوعها التراثي – العربي- الخاص، وإنما يتجاوزه إلى الراهن أو الحاضر أولاً، وفي الوقت عينه يتجاوز الخاص إلى العام أو الآخر على المستوى الكوني. لأن معيار علمية الأدوات النقدية أو حداثة رؤاها المعرفية، ترتبط بمدى قدرتها على الفعالية في تحليل النص التراثي الآخر، لتلعب دورها في عملية إغواء وجذب الآخر، لتستخدمها في البحث والتحليل كأدوات علمية، حداثية، كونية، على كل المستويات المعرفية. وليس كما يدعو حسن حنفي بالرد على الاستشراق في ما يسميه «الاستغراب». لأن الشرط الحداثي بالمعايير العلمية، هو القدرة على استقطاب الآخر المختلف.

دور الدولة
طبعاً لا يجوز التغافل عن دور الدولة في هذا السياق، وهو دور يفترض أن يقوم على مسارين:
في المسار الأول، يتعين على الدولة إقامة مراكز الأبحاث، التي تستقطب الدارسين والباحثين في الموروث الثقافي المخطوط، والإنفاق على هذه المراكز بسخاء يتيح للباحثين التفرغ الكامل، ومن ثم تأمين سبل حماية الباحثين من أية ضغوط أو تهديدات، ليتسنى لهم القيام بدورهم بمنتهى الحرية، وكما يليق بمقومات البحث العلمي. في المسار الثاني يتعين على الدولة، إصدار التشريعات والقوانين اللازمة، التي ترعى حماية وصون الموروث الثقافي بشقيه، وتخصيص الميزانيات اللازمة لرعاية وصيانة الجانب المادي، وتوثيق الجانب المعنوي أو اللامادي، من خلال متخصصين محترفين لا هواة. وأخيراً إصدار قوانين تُجَرِّم كل من يعمل متعمداً على طمس أو تغييب أو إتلاف أي جزء من التراث بذرائع أنها تمس القيم الأخلاقية أو الدينية، أو أنها تتنافى مع العادات أو التقاليد الاجتماعية، أو ما تحدثه من ضرر بالمجتمع، وما شاكل من هذه المزاعم، التي يطلقها بعض المتزمتين، وكأنهم أوصياء على عقول الناس.
المؤكد أن الإقبال على الموروث الثقافي من هذه المنطلقات أو القواعد، لا بد أن يلعب دوراً عظيماً في تطوير احترام التنوع الثقافي والإبداع الإنساني، سواء داخل الدولة الواحدة المتعددة القوميات أو الإثنيات العرقية والدينية، أو داخل المجتمع الكوني، ما يعزز ثقافة التسامح، التي تعتبر شرطاً ضرورياً لإنتاج الشخصية السوية، القادرة على المثاقفة والتفاعل الإيجابي مع المعطيات الحضارية كيفما جاءت وأينما حَلَّتْ، كما كانت عليه الشخصية العربية، التي أنتجت منظومة “مكارم الأخلاق” قبل الإسلام بمئات وربما آلاف السنين. وبفضل مكارم الأخلاق استطاعت الشخصية العربية أن تستجيب أولاً للتحدي القرآني، ولاحقاً للتحديات الحضارية المواكبة لعصرها، ومن ثم تجاوزتها بعد أن أضافت عليها من الإبداعات، ما جعل الحضارة العربية والإسلامية تنتشر في العالم - بالمعنى السيادي -، خلال فترة زمنية قياسية، لم تعرف الحضارات السابقة عليها أو اللاحقة لها، نظيراً لسرعة انطلاقتها وسيادة خطابها الثقافي على العالم القديم.

اقرأ أيضا