الاتحاد

دنيا

الحوار الزوجي


قال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)
لم تعد الصناعة مقتصرة على المعامل والمصانع والمواد والأدوات فحسب بل اتسعت دائرتها لتشمل صناعة الأفراد، والمشاعر، والحياة، والسعادة، بل إن التركيز بات اليوم منصباً على تحقيق كل ذلك· ولا بد من البدء بصناعة الأفكار ووجهات النظر والأحداث والمواقف والتكيف معها، وتشمل الصناعة برامج وأنشطة العلاقات الإنسانية من قبل الأفراد أنفسهم وصناعة الحماس والدافعية لديهم والرغبة في التحدي، من خلال تفعيل البرامج الديناميكية النشطة التي تتحدد فيها خطط الوصول إلى أهداف حقيقية واقعية تنطلق من الذات واستثمار القوى والطاقة الكامنة فيها·
ولكي نحقق ما تقدم لابد من استكمال الحوار ليمتد إلى حوار الأزواج والزوجات ولينسجم مع الأفكار السابقة فقد طرحنا أسس الحوار، وحوار الذات، والحوار الأسري، وفكرتنا اليوم عن حوار الأزواج وأساليب صناعتهم السعادة والحياة والحاضر والمستقبل إن شاء الله·
بديهيات
من بديهيات الحوار الزوجي هي أن الرجال قوامون على النساء، والقوامة تعني:
(صناعة القرار) و(مسؤولية القرار) و(تنفيذ القرار) و(تحمل نتائج القرار)، ويتفق معي أغلب الأزواج والزوجات على أن الحياة الزوجية اليوم أصبحت أكثر تغيرا، فالمتغيرات التي تحيط بالأسرة تحتاج لقائد فعال ومحاور متميز، ليس لإصدار القرارات فحسب بل للتفكير بحاضر الأسرة والعلاقة بين أفرادها، ورسم مستقبلها، ورفدهم بخبراته وخبرات من هم حوله ممن يتلاءم تفكيرهم وتوجهم معه ومع أفراد أسرته·
مهارات الحوار المسؤول
·1 الأحداث السابقة: مراجعة أهم الأحداث في الحياة الزوجية والأسرية، والبدء بالتفكير بأسبابها ونتائجها·
·2 تسمية المُحاوِر: تحديد الشخص الذي نتحاور معه (الزوجة أو الأبناء، أو آخرين)، والمتوقع منه تقديم المساعدة والدعم اللازم لإنجاح أفكارنا الجديدة·
·3 سمات المُحاور: التعرف على سمات الشخص المحاور، واختيار الأزواج أساليب الحوار المحببة لهم، ووفقا لدرجة تعليم الشخص المقابل (الزوجة أو الأبناء، أو آخرين)، وفهمه، ودرجة صلاحه وصلاح أفكاره، وحرصه على استمرار العلاقة الزوجية والأسرية·
·4 تحديد ظروف الحوار: من خلال لعب دور المحاور، وأن يعرض الأزواج عليه كل ما يرغبون في عرضه أو قوله من أسئلة ورغبات وقرارات (بأسلوب تمثيلي)، وحوار كل زوج لذاته قبل البدء بالحوار الفعلي (ماذا سيكون رد فعل المحاوَر المقابل إن تحدثت معه وهو غاضب، أو تعبان، أو مريض، أو عنده مشكلة معنية، أو أن يكون مرهقا طوال اليوم، أو لديه عدة مواقف سابقة معي؟)، ماذا أقول له لأقنعه بفكرتي أو اقتراحاتي، إن قال لي كذا·· ما هو الرد المناسب مني؟ وكيف سأتقبله منه؟
·5 التقبل: اختيار الكلمات والعبارات المناسبة والتي يمكنني تقبلها لو قيلت لي من الشخص ذاته، وتجنب ما أكره أن يوجه لي أو أن يقال في حضوري، وعلي التوجه بالحوار لكل ما يريحني ومحبب لنفسي، وتجنب كل ما يزعجني الوصول إليه·
·6 الهدوء والتأني: قد يصل الحوار إلى نقطة يغضب فيها أحد المتحاورين لأي سبب كان منطقي أو غير منطقي، هل يفترض أن أتمالك نفسي أو أن أكون هادئا متأنيا، وماذا سأجني في كلتي الحالتين؟ وهل علي أن أأخذ برأيه إن كان رأيا صائبا كما حدث عندما أشارت سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها على الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يبدأ بحلق رأسه ليتبعه الصحابة من حوله بعد أن رفضوا ذلك، فاستمع للرأي الآخر ربما كان في ذلك الرأي الخير والفائدة لي ولعلاقتنا، وليسأل كل زوج نفسه عند الغضب كيف أتصرف؟ هل أرد، وإن أردت أن تنقل أسرتك لأهدافك وأحلامك وتحقيق سعادتك معهم لا بد من تحويل الغضب إلى صمت أو هدوء أو طاعة لله (بالوضوء أو الصلاة والاستغفار)·
·7 الحدود: لا بد من ضبط حدودك ليضبط الآخر حدوده معك، فالكلام مع الزوجة يختلف عنه مع الابن ومع الأب يختلف عنه مع آخر، فمهما كان السبب لا بد من العودة إلى الحدود وبقاء الاحترام بينكم (وأيا كان الشخص فاحترامك لغيرك هو احترامك لنفسك)·
·8 الاستمرار: لتفعيل دور القائد والقوامة والزوج الصالح لا بد من تعزيز دور الآخر وعدم مقاطعته حين يتحدث، وتشجيعه على الاستمرار ومتابعة تغير الآخر وانفعالاته·
·9 ليكن الأزواج فعالين من خلال التخطيط للحياة الأسرية الحالية والمستقبلية، والوصول إلى الأهداف من خلال السير في اتجاهها والتحقق من الأداء الفعال من خلال دمج المعارف والمعلومات والخبرات عن أفراد الأسرة مع الأنشطة الأسرية والتفهم لحاجات أفرادها لتكون المحصلة بالتأكيد التميز والريادة ليس في الحوار فحسب بل في الحوار والسعادة والوصول إلى النجاح المهني بإذن الله تعالى·
إن الخبرات والمعلومات مضافاً إليها الأنشطة الأسرية والتفهم لحاجات أفرادها تساوي التميز والريادة· ولذلك لا بد من استقراء أفراد كل أسرة لأسس الحوار ومحاوره من الواقع الذي يعيشه كل منهم، وإحاطته بسمات كل فرد من أفراد الأسرة، وكذلك إحاطته باحتياجات الإنسان الأربعة وهي: (الحب وتلبية الحاجات الأساسية والتقدير والتغيير)، ومتابعة أثره على التوافق الزوجي والعاطفي، والفكري، والاجتماعي، والنفسي ودور كل ما تقدم في ديمومة الكيان الزوجي والأسري·
تساؤلات
في أغلب الأفكار نشرنا آراء الأزواج والزوجات عن طريق مراسلتهم لهذه الزاوية، ولكن الأمر في فكرتنا اليوم يختلف، إذ سنرد إن شاء الله على تساؤلات الأبناء واستفساراتهم بسبب اضطراب الحوار بين الأزواج والزوجات مما أثار فزعهم وقلقهم وتوجهوا إلينينا ومن أهم هذه التساؤلات ما يلي:
حوارات أسرية
الطرف الأول (1): تسألني إحدى الفتيات وهي في مرحلة الطفولة المتوسطة، لماذا يتخاصم والدي مع والدتي باستمرار، ولا يكتفيان بالخصام بل بالمشاحنات وبصوت عالٍ، وتستمر مضارباتهما لعدة أيام وأحيانا تصل إلينا هذه الخلافات، فننال نصيبنا من الكلام القاسي أو الضرب أحيانا من جهة واحدة وأخرى من قبل الوالدين معا؟ فهل توجد طريقة لوقف هذا النزاع وتجنيبنا الخوف والألم معا؟·
الطرف الثاني: تألمت كثيرا لهذا التساؤل من فتاة بريئة ترغب في الحصول على الرعاية والاهتمام والحب والشعور بأنها مقبولة لأنها فرد من هذه الأسرة، وترغب في رؤية والديها متحابين منسجمين كما تتوقع أن يكون عليه باقي الأسر، وأعتقد أن اقتراحي لهذه الفتاة الطيبة أن تبدأ بالحوار الهادئ مع ذاتها وتسأل ذاتها هل يمكنني أن أساهم في التخفيف من هذه النزاعات، هل أنا أو أخوتي سبب من أسباب المشكلات، هل يمكنني التخفيف عن أعباء والدتي لأتيح لها فرصة التفكير بالمشكلة الحقيقية بينها وبين والدي؟ إن كان جوابك بنتي نعم! فأرجو متابعة الخطوات في هذا المقال والمقالات القادمة·
وإذا أردنا الإجابة بعمومية الأمر أجد أن من الضروري أن يتحلى الوالدان بضبط النفس أمام الأبناء لأهمية الأمر وأثره على نفسياتهم، وإذا كانت هناك مشكلة طارئة وحدثت أمام الأبناء فلا بد من التجمل في الحوار ومراعاة مشاعر أولادنا وبعد فترة يمكننا أن نتحاور بالطريقة التي تُرضي الله سبحانه، وتتلاءم ومستوانا الثقافي والعلمي والإنساني، فالعلاقة الزوجية علاقة عهد مع الله عز وجل ولا بد من مراعاته إذ قال تعالى (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)·
فكم نحتاج من الدقة والتريث قبل أن نبدأ الحوار بيننا كأزواج وزوجات وبيننا وبين أبنائنا أو أمامهم، ولا بد أن نتدرب ونتمرن على الحوار الزوجي الهادئ مهما اختلفنا في وجهات النظر فلن يحل المشكلة الصراخ أو الغضب ولا بد لنا من التحكم بانفعالاتنا·
خطوات للوصول إلى الحوار الفعال
ولكي تنعم أسرنا بالحوار البناء والهادئ والمثمر، لا بد أن نتذكر خطوات مهمة للحوار الزوجي والأسري، وتوفيرها في البيئة الكفيلة ببدء العلاقة الأسرية وتنميتها من خلال اتباع الآتي وهي:
·1 بناء مفاهيم وقيم مشتركة بين الأزواج والزوجات وبينهم وبين الأبناء وبذل الجهود المشتركة معا لتحقيق التوافق الأسري·
·2 اختيار الألفاظ المناسبة للحوار واللغات الإيجابية (لغة اللسان وفصاحته، لغة الجسد، شحنات الذات الهادئة (الإيجابية) أو المنفعلة (السلبية)، وبالتأكيد المكان المناسب·
·3 تذكير المحاور بسمات الآخر أو الآخرين (العاطفية، والشخصية، والاجتماعية، والدينية) ونقاط قوتهم قبل البدء بالحوار وبالأخص إذا كانت هناك فرصة ممائلة سلك فيها سلوكا متميزا ونال استحسان أفراد الأسرة·
·4 إيجاد لغة أو حوار إيجابي ناضج بين الأزواج والزوجات مهما كان الموضوع بحيث لا يختلفوا في الأسس التي يطبقونها، فكلنا يبحث عمن يستمع له ويشاركه ويتفاعل معه ومع أفكاره وحتى مشكلاته التي هي جزء من نموه وتطوره·
·5 اعتماد الحوار الأسري في توضيح القرارات واتخاذها بشكل جمعي لكل فرد من أفرادها لتفادي تصدع الجدار الأسري أو تعرضه لعملية التفتت الأسري·
·6 عقد جلسة مصارحة بين الأبوين والأبناء وتوضيح بعض النقاط الأساسية للاتفاق على قوانين للحوار الأسري ومشاركة الأبناء وتحديد أدوارهم للمساعدة في التخفيف من الضغوط، وإشاعة الأجواء الآمنة في الحوار الناجح إن شاء الله·
·7 ولتوفير البيئة المناسبة للحوار لا بد من ملاحظة المتفرجين على هذا الحوار ومراعاة نفسياتهم وأثر كل سلوك أو كلمة أو حركة على مشاعرهم بل وأكثر من ذلك على مستقبلهم الشخصي الذاتي والزوجي والأسري·
·8 اهتمام الأسرة بدورها في تنشئة أفرادها بحرص وأمان وأداء أدوارها نجاح·
·9 تفعيل دور الأسرة في صياغة حاضر الفرد ومستقبله ودوره المجتمعي، من خلال تشجيعه على أداء دوره ووظائفه المنوطة به على خير وجه·
·10 اعتماد سهولة العبارات وانسيابيتها، وصدقها ولينها وودِّها، وحسن عرضها وبالأخص عند وجود الأبناء فلا بد من مراعاة مراحلهم العمرية، ومستوى تفكيرهم، وأهمية تفهمهم للأسلوب الحواري وتقبله ليصبح جزءا من سلوكياتهم، وأقترح إفهامهم أسباب الخلاف ومشاركتهم في بعض المرافق فيه المتعلقة بهم وفقا لمستوياتهم العمرية·
·11 تشجيع الأبناء على كتابة أفكارهم ومذكراتهم بفعالية ليتعرف عليها الأبوان·
·12 تدريب أفراد الأسرة جميعا على التعبير عن ذاتهم بثقة وبعزة نفس وعن أية أحداث أو مواقف مهما كانت نتائجها وتعليمهم أساليب التقييم الموضوعية·
·13 تبصير الأبناء بمشكلاتهم والتحديات التي تواجههم وأساليب إقناع الآخرين بوجهات نظرهم·
·14 تعويد أفراد الأسرة على أساليب اختيار القرارات والحلول لتلبية كل حاجة من حاجاتهم سواء كانت (مهنية، شخصية، عائلية بما فيها المشكلات والتحديات التي يشعر الفرد فيها بأنها غير قابلة للحل)·
·15 استمرار تحفيز أفراد الأسرة للبقاء في مقدمة المتنافسين، التفاؤل بحدوث التغيير الإيجابي·
ولا ننسى حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي آخر)
ولنتذكر قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)·
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه

اقرأ أيضا