الأحد 29 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
انكسارات نعيم شلش جمر تحت الرماد
انكسارات نعيم شلش جمر تحت الرماد
2 أغسطس 2005

دمشق ـ عمّار أبو عابد:
طبع الفنان التشكيلي
نعيم شلش لوحاته بطابع خاص، يعبّر من خلاله عن ما بداخله، وما يحيط به· ولأن في أعماق شلش انكسارات عميقة، فإنه يعبر عنها بشجن بصري، ويغطي كتلته اللونية بشفافية مريحة، فاتحاً بذلك المجال للحديث عن قصته مع الحياة، وعن انكساراته الشخصية التي هي ذاتها الانكسارات التي تعاني منها الأمة·
والفنان شلش الذي تجاوز الستين من العمر، والأستاذ السابق في كلية الفنون الجميلة، لا ينتمي لمدرسة فنية معينة، ولا يرغب بذلك· فهو يجمع ما بين المدارس جميعها، ويصطفي منها ليقيم معادلة متصالحة خاصة به· ومنذ بداياته الفنية عام ،1966 وحتى الآن عبر عن شجون وشؤون وطنية قومية، وطاف بلوحاته بمعارض شملت لبنان والعراق وليبيا والجزائر وألمانيا· كما أن بعضاً من أعماله مقتناة في الأرجنتين ولبنان وألمانيا والجزائر وسوريا·
وبعد أربعين عاماً من العطاء الفني لا يزال نعيم شلش يواصل إبداعه على حافة انكساراته الحزينة الموشاة بالحلم والأمل·
؟الألوان عندك انكسارات تقود في النتيجة إلى انكسارات الداخل، كيف تفسر لنا هذا الاتجاه؟
؟؟ الاتجاه التعبيري محدث على تجربتي، وقد أحسست بالانجذاب إليه بدافع من داخلي، حيث أقوم بالتركيز على الإنسان مع التبسيط والتحوير إلى مساحات، وأترك اللون بجانب الآخر ليعبر بالتدرج ثم بالانكسارات التي لها علاقة بشعور داخلي لدي، نتيجة الظروف التي مررت بها·
؟ الانكسارات إذن هي تعبير عن الوجع في أعماقك منذ البدايات، وأنت تتعمد سكبها على اللوحة في كل مرة؟!
؟؟ أنا لا أتعمد إظهار هذه الانكسارات، بل هي تظهر أمامي على اللوحة دون أي افتعال أو تخطيط مسبق، وإن كنت شخصياً أشعر بالارتياح النفسي لظهورها· لكنها بدأت تفقد حدتها مع الزمن، لتتحول من نار إلى جمر يكاد لا يرى! فإذا قارنت أعمالي الأولى مع الجديدة، ستجد أن اللون الفاتح أو بقعة الضوء تتزايد في السنوات الأخيرة، لتعبر عن التفاؤل، فأنا لا أرغب بالاستسلام، لذا فأعمالي تجنح لتحويل الحزن إلى انفراجات، وباستخدام اللون أزعم أن الانفراجات تعبر عما بداخلي من حب التعلق بالأمل والتحدي·
صعود وهبوط
؟ تتدرج في أعمالك بين الألوان من قاتم معتم إلى صاف، ثم تعود إلى اللون القاتم مرة أخرى، ماذا تقول من خلال ذلك؟
؟؟ ذلك يشبه خطاً بيانياً متصاعداً ونازلاً· فهو لا يستطيع أن يظل هابطاً دائماً، ولا يمكن أن يكون صاعداً باستمرار· لأن تلك هي طبيعة الحياة تعطي وتأخذ، وتفرح وتحزن· وأنا عندما أجد الأحزان من حولي، وكذلك الحروب والمآسي التي نعيشها، لا يمكنني إلا أن أعبر عنها، وبالتالي يكون الخط هابطاً، ثم أحس بضرورة التفاؤل والتحلي بالصبر· فأعود لأصعد بالخطوط تعبيراً عن الأمل·
؟(وجه كبير في لوحة كاملة) ما الذي أردت التعبير عنه من خلال رسم الوجوه الكبيرة تلك؟
؟؟ قرأت معالم الوجوه، فرأيت فيها المآسي والأحزان، ومن كثرة ما رأيت أصبح عندي مخزون كبير منها، فأصبح الوجه لا ينتمي لشخص معين، بل صار نتاج شخوص عديدين، يحتل المساحة بعفوية ويتكلم بتلقائية عن المعاناة· لذا ترى وجوهي ذات ضبابية مطلقة، تثير الحوار بين الشكل وبين ما نراه فيه·
؟ وهل أسلوبك الجديد في رسم الوجوه هو توجه نحو التبسيط؟
؟؟ على العكس تماماً، فهذه الطريقة حرمتني من التبسيط المطلق الذي تتكلم فيه المساحات اللونية، إلا أنني عبرت من خلال الملامح في الوجوه الحزينة والخشنة عن الانكسارات بطريقة أخرى·
؟ وأين الفرح في لوحاتك بعد كل هذه الانكسارات الحزينة؟
؟؟ الفرح موجود في التكوين الرصين للوحة، ويكون عندما أكوّن إيقاعها بجملة بصرية، تعطيني موسيقى متطابقة مع الموسيقى التي في داخلي، وبالتالي عندما أفرغ من اللوحة أشعر بالفرح، وعندما يتذوقها المتلقي يكون الفرح أيضاً·
؟ نلاحظ استخدامك للرسوم الهندسية في لوحاتك، فهل تعتبرها ضرورية لإغناء اللوحة؟
؟؟ أنا بطبيعتي أميل للعمارة والهندسة، فأرى الشكل الإنساني كسطوح وكتل، فالخط المنحني أو المستقيم له تعبير في لوحاتي أكثر من الكتلة الهلامية، لأن هذه الخطوط تعطيني الإحساس بالموسيقى اللونية، فتساعدني على أن أعطي ما لدي من موسيقى بصرية·
؟ في مسيرتك الفنية الطويلة لا يلحظ أنك تلتزم بمدرسة فنية معينة؟
؟؟ أنا لست ضد أية مدرسة فنية، كما أنني لا أكره أي أسلوب، وقد تأخذني السريالية أو التعبيرية، وقد أقترب من التجريد، لكنه لا يكون عندئذ التجريد المجاني، وإنما التبسيط الذي قد يقال عنه بأنه يقترب بدرجة ما من التجريد، لأنني لا أرضى إلا عن العمل المتكامل بنائياً·
؟ وهل أنت مع الواقعية في الرسم إلى حد ما؟
؟؟ الواقعية أعود إليها بين فترة وأخرى، وذلك لإتقان اليد والعين، ولكن الزمن باعد بيني وبين الواقعية، لأن أسلوبي لا ينتمي إلى أي مدرسة، وأنا أكره القيود·
ألواني تعبر عني
؟ في لوحاتك طغيان لألوان معينة على مساحات واسعة على حساب ألوان أخرى، فهل هذا متعمد أم تلقائي؟
؟؟ أجد نفسي أميل إلى اللون الرمادي والأزرق و (الموف) وقريباً جداً من هذه الألوان· وغالباً ما تختارها يدي بلا شعور مني، وقد حاولت الابتعاد عنها، كي لا أتقيد بها، ولكن دون جدوى· فهي تسيطر علي لأنها قريبة من داخلي، وتضعني في حالة تأمل·
؟ من الواضح أنك ذو مزاج حزين، فكيف تحقق الشفافية في لوحتك؟ ولماذا؟
؟؟ أنا عاشق للألوان الشفافة، وأسعى دائماً كي تكون موجودة ما أمكن، لذا أكثر من البقع اللونية، وأحيطها بالألوان الشفافة أو المريحة، حتى أخلق جواً من الأمل والتفاؤل، وأحقق التوازن بين الإحباط والنظرة نحو المستقبل·
؟ أين تصنف أعمالك بين الحداثة والتقليدية، وبين المدارس الأوروبية السائدة؟
؟؟ أعمالي فيها حداثة، وفيها تقريب، وفيها شيء من المدارس الأوروبية المعاصرة· لكنها ليست أوروبية بالتأكيد، بل فيها مسحة شرقية ظاهرة· وما يظهر من أعمالي هو نوع من التصالح بين المدارس أو معادلة تجمع ما بين القديم والحديث، فأنا أمزج بين كل ذلك في داخلي·
؟ من خلال انكساراتك ووجوهك المتجهمة وفسحات الأمل، هل أنت صحفي تؤرخ للحظة أم ماذا؟
؟؟ أنا لست صحافياً أو كاتباً أو مصوراً فوتوغرافياً، بل فنان أعبر بشكل غير مباشر، وبطريقتي الخاصة عن مشاعري وأحاسيسي، وموقفي من هذا العالم· ولا يمكنني أن أكون محايداً، كما أنني لست مباشراً، بل أحاول أن أبدع في العمق، وبما يستحق أن يستمر·
؟ إذن كيف تولد اللوحة مع نعيم شلش؟
؟؟ عندما أعاني ذلك الجيشان الداخلي تقودني الرغبة للإمساك بالريشة، وأترك لمشاعري أن تحدد الموضوع فيولد العمل· ويبدو أن الإنسان العربي يشغلني بقضيته وهمومه، فأجدني معبراً عنه بلغة الفن·
؟ وما هو جديدك الآن؟
؟؟ حالياً أقوم بتجربة الرسم بقلم الرصاص وعلى مساحات كبيرة، تحضنها ألوان بسيطة· وأنا أعتبر هذه التجربة نقلة مهمة وجديدة، وما شجعني عليها تركيزي على رسم الوجوه فقط، حيث وجدت أن (الرصاص) يحرضني على أفكار لم يسبق أن راودتني·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©