الاتحاد

دنيا

نجيب محفوظ بلغ قمة الإبداع لأنه لا يلتفت


القاهرة ـ أحمد الجندي:
سيظل عميد الرواية العربية الاديب العالمي نجيب محفوظ مادة خصبة للاحتفاليات والندوات ودراسات الباحثين والنقاد والمحللين كما سيظل إبداعه تراثاً ادبياً ساحراً لكل الاجيال في العالم العربي وجائزة نوبل التي حصل عليها محفوظ عام 1988 لفتت إليه انظار العالم لكنه قبلها كان ولا يزال علما وعلامة غاية في التأثير على ساحة الابداع العربي·
وقد أقامت الهيئة المصرية العامة للكتاب ندوة موسعة في حب نجيب محفوظ حضرها الناقد رجاء النقاش والاديب يوسف القعيد واستاذة علم الجمال د· وفاء ابراهيم·
قال الناقد د· عزازي علي عزازي إن احد المستشرقين المتابعين لحركة الادب العربي لم يكن مبالغا عندما قال: 'من احب مصر احب نجيب محفوظ'· ونحن نضيف أن من احب الثقافة والفن والابداع والرواية والسرد الجميل واحب الشخصية المصرية بكامل تفاصيلها ومكوناتها وابعادها وعمقها الفلكلوري احب محفوظ·
وقال إن نجيب محفوظ لم يكتب كلمة واحدة بدافع الثراء أو الشهرة أو لمجرد الوجود ولم تكن لديه رغبات مادية، لكنه تعامل مع إبداعه كمتصوف فكان يبدأ عملية الكتابة على مهل وبلا تسرع وبحب وإخلاص وجاء إبداعه على أعلى درجة من الاتقان·
وأضاف أن محفوظ بدأ الكتابة عام 1928 ومازال مستمرا حتى اليوم وعلى مدى كل هذه السنوات لم يتجمد ولم يتوقف عند مرحلة أو شكل ثابت من اشكال الإبداع فهو دائما متجدد يفيض تلقائية وعذوبة وعندما نقرأ آخر ما أبدعه 'احلام فترة النقاهة' نشعر بأن وراءها مبدعاً أو كاتباً عمره 20 عاماً وليس شخصاً تجاوز التسعين وكل المذاهب والأساليب القديمة والحديثة الصالحة والممكنة والمستحيلة في فن الرواية نجدها في أدب محفوظ·
أحداث مصر
وقال رجاء النقاش إن محفوظاً جسد في أدبه ما حدث في مصر منذ عام 1919 حتى اليوم مستعرضا كل الأحداث السياسية والتاريخية والاجتماعية والثقافية والفكرية والاقتصادية وتميز أدبه بأنه لا يجعل القارئ يتابعه بلا وعي فالذي يقرأ أعماله لابد ان تستغرقه ويجد نفسه متعمقاً فيها لأن محفوظاً شكل من خلال أدبه ورواياته عالماً ساحراً وجميلاً يجعل القارئ يتعمق في النص الذي يطالعه·
وأكد أن من جوانب أدب نجيب محفوظ الخلفية السياسية الواعية في كل أعماله فلا تخلو رواية او قصة من خلفية سياسية وقد قدم الباحث مصطفى بيومي الذي اعطى وقته كاملاً لأدب محفوظ دراسات متعمقة في أدب محفوظ وعلاقته بكل ما حوله من أحداث وشخوص في مصر·
واشار النقاش إلى أن هناك كتباً عديدة في ذهنه يتمنى كتابتها عن نجيب محفوظ اضافة إلى كتبه السابقة بدافع محبته للأديب الكبير وهي محبة قائمة على الفهم وأعمال العقل·
اللقاء الأول
وقال يوسف القعيد إن نجيب محفوظ منذ عرفته عام 1963 عندما كنت مجنداً بالقوات المسلحة لم يتغير وأشعر دائما بأنني أمام رجل لا يمر عليه الزمن ولا يتأثر بالسنوات وتتابعها فهو متجدد الفكر حاضر الذهن سريع البديهة لم يفقد دعابته وسخريته وقفشاته ولم تتغير حياته كثيراً رغم ما بها من منعطفات كثيرة·
وعن قصة معرفته بنجيب محفوظ قال: اخرجت رقم هاتفه من دليل التليفون وهو لم يتغير حتى الآن واتصلت به وطلبت منه موعداً فاستجاب على الفور وتقابلنا في مقهى 'ريش' وكانت هذه هي المرة الاولى التي أرى فيها نجيب محفوظ ومنذ ذلك الوقت في بداية الستينات لم تنقطع علاقتي به وأصبح لنا لقاء يومي ورغم مقابلته يومياً على مدى أربعين سنة أو يزيد اكتشف دائماً جديداً في شخصية نجيب محفوظ·
واضاف: هناك سؤال طرح منذ سنوات بعيدة ولا يزال مطروحاً وهو هل أصبح نجيب محفوظ عقبة في تاريخ أو مشوار الرواية العربية؟ هذا السؤال كان عنواناً لمقال كتبه الناقد رجاء النقاش عام 1963 وكان يهدف بهذا المقال إلى تحفيز الاجيال الشابة·· والإجابة على السؤال تستدعي أن نقول إن محفوظاً وضع أسس وقواعد الرواية العربية ولا يمكن أن يكون عقبة في تاريخها والسؤال كان مقصوداً به استفزاز جيل الستينات الذي انتمي إليه والأجيال التالية لنا حتى نبدع ادباً روائياً يحمل بصماتنا بعيداً عن تقليد محفوظ·
وأوضح أن جيل الستينات حاول الخروج من عباءة نجيب محفوظ والتمرد والبحث عن اشكال أدبية مغايرة وكان محفوظ بتواضعه يشجع على هذا الاختلاف ويدعو إليه ويطالب كل الأدباء بالتعبير عن انفسهم فهو ليس مزهواً بأعماله التي قدمها رغم عظمة هذه الأعمال ورغم تقدير العالم كله لها لكن يظل السؤال مطروحاً ومازلنا نبحث له عن إجابة فنحن نطالب النقاد بإلقاء نظرة عميقة على ما حدث على الساحة الادبية في العالم العربي منذ عام ·1960
استقلالية
وأكد ان محفوظاً لم يدخل طوال حياته سفارة أجنبية في مصر وهذا يوضح مدى استقلاليته وعدم تبعيته لأي قوى أو ثقافة خارجية ورغم كل ثقافته السياسية لم ينضم يوماً لحزب سياسي ولم ينكر أنه وفدي الهوى ورغم ما قيل عن عداء محفوظ لثورة يوليو فإنه استقبل في منزله خالد عبدالناصر وقت أن زاره أثناء مرضه ومن يومها اصبحا صديقين وعندما دُعي لحضور حفل زفاف ابنة خالد لم يذهب لأنه لم يعتد حضور حفلات الزفاف لكنه أرسل زوجته وابنته وهما تحملان هدية قيمة للعروس·
وقال إن محفوظ رغم مكانته العالمية لديه القدرة على إعادة النظر في معتقداته ولا يعتبر هذا تقليلاً من شأن نفسه، وكان ولا يزال يسمي الكتابة عملاً ولا يسميها كتابة وهذا يوضح مدى تقديسه لها وعندما يبدأ موسم الكتابة عنده في نهاية اكتوبر وينتهي في اخر ابريل لا يغادر منزله إلا مرة واحدة في الأسبوع ولا تغريه أي مناسبة اجتماعية·
وقال إن لمحفوظ عبارات حكيمة مثل 'المتلفت لا يصل أبداً إلى هدفه' والعبارة غاية في الصدق فالذي لديه قضية أو هدف أو مشروع يسعى إلى تحقيقه عليه أن ينظر دائما للامام ولا يتلفت كثيرا حوله· وقال أيضا 'اذا كنت تجيد صنع الشيء فلماذا تقبل أن تعمل مساعداً لمن يصنعه؟!' وقال: 'عندما اكتب لا اعبأ بشيء' ويقصد انه لا يخضع لأي ضغوط من اي نوع· وعندما فقد القدرة على القراءة بسبب ضعف بصره قال انه يشعر الان بالحزن لانه حُرم من نعمة قراءة الروايات فهو يرى ان قراءة الرواية اكثر متعة من كتابتها·
أبعاد فلسفية
وقالت د· وفاء ابراهيم إن دراسة محفوظ للفلسفة أكسبته بعدا فلسفيا في كل اعماله وفلسفته تنطلق من الحرية فهي العنوان العريض الذي يمكن أن نضع كل أعماله تحته وهو لم يقدم الفلسفة في أعماله في قوالب ثابتة بل جعلها في خلفية العمل بأحداثه وشخوصه وطقوسه ومفرداته فهو صاحب تعريف رائع للفلسفة حيث يقول 'الفلسفات قصور جميلة هائلة لكنها لا تصلح ابداً للسكن' وهذا يوضح عمق رؤيته وقدرته على عدم الاعتماد على الفلسفة وحدها في بناء نص روائي أو كتابة قصة·
واضافت: منذ سنوات طويلة أحب نجيب محفوظ عالمه الادبي وكنت اعيش مع شخوصه واحداث رواياته لكني في احيان عديدة لم افهم الحدث وحركة الشخصيات وطبيعة الزمن في العديد من رواياته وعندما وصلت الى مرحلة التعليم الجامعي ذهبت اليه ودعوته لاحتفال نقيمه بجامعة القاهرة فوافق بعد محاولات مضنية مني لاقناعه بالحضور ومن وقتها بدأت علاقتي به وسألته: هل للفلسفة دور في بناء عالمك الروائي؟ قال هي موجودة في كل كتاباتي لكن عليك ان تبحثي اثناء القراءة عن الحقيقة والمعاني الكامنة في بطن النص وبين السطور ووراء الكلمات· وكان هذا هو الدرس الاول الذي تعلمته منه ان تكون لدي رؤية اثناء القراءة وان اتعمق فيها وعملت كثيرا بالبحث في مفهوم الزمن في ادب نجيب محفوظ واخضعت عددا من رواياته للبحث مثل 'العائش في الحقيقة' و'الباقي من الزمن ساعة' و'يوم قتل الزعيم' و'عبث الاقدار' ووجدت ان نجيب محفوظ ادرك منذ وقت طويل ان الكاتب او الفنان وحده هو الذي يمكنه أن يرى أكثر من الشخص العادي ولابد أن ينفذ إلى أعماق الاشياء ويصهرها في داخله ثم يخرج للناس بفكره وهذا هو الذي يحقق الوجود الفعال للانسان·
واشارت الى ان هذه الرؤية للحياة وللفن والابداع تفسر صلته الروحية باماكن مثل حي الحسين والجمالية والشوارع والحارات التي عاش فيها وانصت لاصحابها لكي يفهمها ويقدمها وهو في حالة ذوبان لتكون النتيجة موال عشق في حب مصر·· كما انه ملأ الوعاء الزمني بالقيم والمعاني والافكار وهذا جزء من رصيده الابداعي أو مخزونه الذي يخرج منه شخصيات واحداثا·

اقرأ أيضا