الاتحاد

دنيا

المصارعة الناعمة في بوليفيا خشنة


منصور عبد الله:
تبدو آنا بولونيا تشوكي، وهي ترتدي التنورة المتعددة الطبقات، والشال المرصع بالذهب، وكأنها تعد نفسها لأداء رقصة تراثية، أو لحضور مهرجان ديني، ولكنها في الواقع ماضية لخوض مباراة في المصارعة النسائية، ومقارعة خصم عنيد هي خوليا لاباسينا· المصارعة ستدور يداً بيد، ورأسا برأس، وبكل ما أوتيت من قوة وبأس·
في تلك الليلة من ليالي قرية 'ايل آلتو' لا يعكر هذا الصفو سوى صراخ المشاهدين وهتافاتهم، وهم يحمسون هذه المتصارعة أو تلك·
المؤيدون لآنا كثر، إنهم يصرخون ويقولون 'آنا··آنا' التي تسرع إلى الحلبة، وهي تسير الخيلاء، ثم تتسلق الحبال، وتقف بأعلى قامتها، ثم تفتح كلتا ذراعيها، وتقفز في الهواء مطلقة صرخة مدوية، في محاولة منها لإخافة خصمها العنيف ماريا ريميديوس كوندوري المعروفة باسم 'خوليا لا باسينا' أو خوليا التي من لاباز·
في قرية 'ايل التو' ومعظم سكانها البالغ عددهم نحو 008 ألف نسمة، هم من الهنود الحمر الأصليين، وينتمون إلى ايامارا وكويشوا، والمصارعة التي يمارسونها والمعروفة باسم 'لوشا ليبر' هي بعض موروثات الماضي·
الحضور يتجاوز الألف شخص أحيانا، يحتلون أماكنهم على مدرج إسمنتي مكشوف، في جو جليدي بارد، يدفع كل منهم دولارا واحدا ثمن التذكرة، وهم يمضون المباراة بين التصفيق والتشجيع وأكل البوب كورن· إنهم، ولأربع ساعات متواصلة من كل يوم أحد، يشاهدون المصارعة النسائية، أو صراع الخير والشر كما يقولون·
والمصارعة في ايل التو تجتذب مئات المشاهدين الذين يتحلقون حول الحلبة، وكثيرا ما تنتهي المباراة إلى فوضى عارمة، حيث يتراشق الحضور بالكراسي، وينال الحكام نصيبهم من الضرب المبرح·
وفي مدينة يعاني أهلها من مشقة العيش، تصبح المصارعة نوعا من الترفيه، والكسب في آن واحد· يقول أحد الحضور: المصارعة نوع من كسر الروتين اليومي، وهي فرصة للترفيه والتسلية وقضاء الوقت'·
المصارعة ليست حكرا على النساء فقط، ويمارسها الرجال أيضا، وتنضم النساء إليهم، وهم يطلقون على أنفسهم أسماء تعبر عن الرياضة نفسها، وكما يقول خوان كارلوس شافيز مدير الحلبة: تنتمي آنا تشوكي إلى فريق المصارعة 'شياطين الحلبة'، ومن الأسماء أيضا: راميريز الإعصار·· جاليسكو البرق·· والشيطان الأزرق·
ويضيف متفاخرا: بوليفيا لديها متصارعون مستقرون، وهم يتصارعون في مباريات راقصة·· والمنظمون البوليفيون، أدخلوا رياضة المصارعة النسائية، حيث تعتمر المتصارعات قبعات سوداء مستديرة، وتنانير متعددة الطبقات'·
يقول خوان ماماني رئيس فرقة 'التيتانات والمصارعة': 'أريد أن أشد انتباه الحضور، وأملأ المدرج بالناس، في بادئ الأمر خطرت على بالي مصارعة الأقزام صغار القامة، وقد أحضرت واحدة من البيرو، ثم فكرت في المصارعة 'كوليتا' أشهر المتصارعات في 'إيل آلتو' هي تشوكي، 43 عاما، متزوجة ولها ولدان، وتمتلك محلا لبيع المجوهرات، وهي تسترجع الماضي حين أبدى زوجها شكوكا حول مشاركتها بالمصارعة، لأنه كان يراها تعود إلى المنزل مضرجة بالدماء، واللكمات، والجروح· ولكنه سرعان ما غير رأيه عندما رآها تمارس هوايتها بحب وأريحية، بل وراح يحضر مبارياتها ويشجعها'·
يقول شافيز، الذي يقوم بالترويج والدعاية: كوليتا -أي المصارعة النسائية- تجتذب في كل مباراة نحو ألف مشاهد من الجمهور، في مدينة ايل آلتو، وبضع مئات من المشاهدين في القرى الصغيرة، ويسافر مئات 'المصارعين الشياطين' إلى القرى الصغيرة لأداء عروضهم·
وحتى أكثر التيتانات شعبية لا يستطيعون توفير سبل العيش، حيث يكسب أحدهم 31 دولارا فقط في كل مباراة، ولهذا السبب يقوم معظمهم بأعمال أخرى، مثل تعليم العزف على الجيتار، والعمل في شركات النسيج·
ذلك لا يعني أنهم لا يأخذون 'لوشا ليبر' على محمل الجد، بل هم يعيرونها كل اهتمام، وينبغي أن يكونوا كذلك، ففي الماضي مثلا، مات أحد 'التيتانات' بعد أن كسر عنقه على حلبة المصارع

اقرأ أيضا