الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
إيطاليا و الشنجن وانفجارات شرم الشيخ
1 أغسطس 2005

روما- منار محمد :
أحدثت تفجيرات شرم الشيخ ردود فعل عنيفة فى الشارع الإيطالي، ذلك أنها تعتبر واحدة من أهم المقاصد السياحية للإيطاليين، فقد تضاعف الإحساس بعدم الأمان، وتزايد القلق من خطر الإرهاب، وبدأ الكثيرون ممن كانوا يعارضون الخطوة الفرنسية المتمثلة في تجميد التعامل مع الفيزا الأوروبية الموحدة 'الشنجن'، بدأ هؤلاء في تثمين ذلك النوع من الخطوات، ولم تكن تفجيرات شرم الشيخ بالنسبة للإيطاليين مجرد اعتداء تعرض له شاطئ مصري، بل اعتبرها كثيرون منهم اعتداء موجهاً إلى الشعب الإيطالي نفسه، خاصة بعدما راح ضحية هذه التفجيرات ستة قتلى من الإيطاليين، لكن المؤسف أن هذا الشعور لم يمنعهم من إلغاء حجوزاتهم لرحلات هذا الصيف نحو شرم الشيخ، وإنما على العكس ضاعف لديهم الإحساس بأنهم مستهدفون، وبدأت رغبة في التقوقع والاحتماء بحدود بلادهم تسري في الشعور العام·
وقد وصف بعض المراقبين تفجيرات شرم الشيخ الأخيرة بأنها ستمثل نقطة تحول فاصلة في نظرة الإيطاليين للحرب على الإرهاب وتعاملهم معها، بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات على أسلوب التعامل الأمني مع اعتداءات محتملة، وهو ما بدا واضحاً في الكيفية التي تم التعامل بها مع تحذير بوجود قنبلة على طائرة متجهة إلى روما، كما ستعود المناقشات التي فجرتها اعتداءات لندن الأخيرة بخصوص التعامل مع المسلمين داخل أوروبا عموماً إلى السطح، وينتظر أن يغير كثيرون من المعتدلين مواقفهم ليصبحوا أكثر تشدداً فيما يخص قبول الجاليات المسلمة في إيطاليا·
إن رصد ردود الفعل الإيطالية على تفجيرات شرم الشيخ خاصة على المستوى الشعبي تتعدى حدود متابعة ما يجري إلى استشراف ما يمكن أن تحمله الأيام القادمة·
تزايد الاهتمام الشعبي في إيطاليا وانتشر التعاطف مع ضحايا تفجيرات شرم الشيخ بشكل كبير فيما أعاد للأذهان تلك المشاعر التي استولت على الشارع الإيطالي في أعقاب كارثة تسونامي، التغطية الإعلامية كانت أكثر من شاملة، وقد أمدتها بكثير من الزخم تلك القصص الإنسانية التي أحاطت بالضحايا الإيطاليين، فقد أفردت الجرائد صفحات كاملة لمتابعة الكيفية التي تم التعرف بها على جسد الضحية الإيطالية دانييلا مايورانا زوجة سباستيانو كونتي، وذلك من خلال خاتم الزواج الذي كانت ترتديه في يدها، بينما أبرزت عناوين الصحف استمرار وجود خطيبين صقليين وأختين من بولييزي في عداد المفقودين، وذلك حتى تم التعرف على جثثهم وإعادة جميع الجثث إلى إيطاليا، وكانت رحلة الأختين دانييللا وباولا باستيانوتتي إلى شرم الشيخ هدية من والدهما كجائزة لتخرجهما، الأمر الذي ضاعف من تعاطف المتابعين·
ويقول الصحافي ماوريتزيو توريالتا: ليس هناك مجال للمقارنة مع تسونامي، فتلك كانت كارثة طبيعية لا يتحمل مسؤوليتها شخص أو جماعة من الأشخاص، أما ما حدث في شــــرم الشيخ فقد كانت جريمة مدبرة من قبل أناس وجبت مــــــلاحقتهـــــم ومتابعتهـــــــم، والمشكلة هنا أن مشاعر الحزن والتعاطف مع الضحــــايا تتحـــــول فـــــوراً إلى مشاعر من الغضــــب والاحتقان، وفي بعــــض الأحيان إلى رغبة في الانتقام·
لا ·· لعدم الاندماج
أما الناشط الحزبي فابريتزيو روزاتي فيقول: القضية ليست قضية انتقام، القضية قضية قناعة بحجم الخطر، وبالوسيلة الأمثل للوقاية منه، فإيطاليا الرسمية قد تعرضت لما يشبه الانقسام بشأن التعامل مع الخطر المحتمل للإرهاب بعد أن حذرتها فرنسا من هجوم وشيك الحدوث ضدها، وكان حزب يسار الوسط وكثير من المعتدلين يرون أن وجود الخطر لا يجب أن يدفع أوروبا إلى التراجع عن منجزاتها الحضارية المتعلقة باحترام حقوق الإنسان، أو إلى التراجع عما حققته حتى الآن على طريق الوحدة الأوروبية خاصة فيما يتعلق بالحدود بين الدول الأعضاء، لكن عندما يقوم الإرهاب باختراق التدابير الأمنية ويلحق الضرر بالمواطنين هنا يتخذ رد الفعل شكلاً قوياً يمكن للبعض أن يصفه بالتشدد أو العنف، لكن حتماً ليس الانتقام·
وتقول الصحفية فاطمة الكردي: نعم لقد غالى البعض في رد فعله العنيف، فغلاة اليمينيين وغير المتعاطفين مع المسلمين قد استغلوا الفرصة السانحة وبدأوا دعوة تحريضية واسعة ضد كل ما هو إسلامي، على اعتبار أن خطر الإرهاب هو بالأساس خطر إسلامي رغم أن المصاب هذه المرة هو مصر التي هي بلد من أكبر البلدان الإسلامية، وهنا تختلط مشكلات من نوع الهجرة غير الشرعية، وعدم الاندماج الإثني لجماعات بعينها في سائر المجتمع، مع مشكلة الأمن والخوف من خطر الإرهاب· ويقول المفكر السياسي جوفاني سارتوري: يجب وقف التسامح مع المسلمين غير المندمجين، وبالتالي يجب أن تبدأ الحرب مرة أخرى ضد المتعصبين، والذين يدعون لعدم الاندماج أو التفاعل مع المجتمع، ويجب أن يسير ذلك يداً بيد مع اليقظة الأمنية الشديدة·
قنبلة في السماء
ويقول جاكومو مارتيللوني، وهو رجل أمن بشركة خاصة: من الممكن أن نلمس التغير على المستوى الرسمي في مدى الجدية التي تتعامل بها الجهات الأمنية مع احتمالات الخطر، وعلى الرغم من تهوين وزير الداخلية الإيطالي بيزانو من خطر الإرهاب على البلاد إلا أن التعامل مع قصة البلاغ الكاذب في مطار تشامبينو قد عكس جدية فائقة من قبل الأجهزة المعنية في التعامل مع أية مخاطر محتملة، كما طمأن الشعب الإيطالي، وقد بدأت القصة عندما تلقت السلطات تحذيراً من وجود قنبلة على طائرة في سماء روما كانت في طريقها إليها من إيبيزا، وسرعان ما أقلعت طائرتان إف 16 من الطيران الحربي الإيطالي، وقامتا باعتراض الطائرة المدنية ووضعتاها تحت السيطرة حتى مطار تشامبينو الذي أصيب بحالة من الهلع والارتباك، ولحسن الحظ كان التحذير وهمياً، أعتقد أن على جميع العاملين بالأمن التعامل بأقصى جدية مع أية احتمالات، على ألا تتحول هذه الجدية إلى هلع وفوضى كما حدث في انجلترا حتى أصبح لديهم من يدافع عن إطلاق النار على الأبرياء احترازياً، أرجو ألا تنتقل تلك العدوى إلينا·
من هم القتلة؟
ويقول الناشط اليساري فاليريو بوفارديتشي: من المؤسف أن عولمة الإعلام القائل بخطر الإرهاب الذي تقوده القاعدة قد أثر على مخيلة الجميع، ولم نمنع أنفسنا جميعاً من افتراض أن تكون القاعدة أو الجماعات المرتبطة بها وراء التفجيرات الأخيرة في شرم الشيخ، حتى من دون أن نتابع أية أدلة أو معطيات، هناك افتراض بأن يكون المنفذون هم أنفسهم منفذي عملية طابا؟ لكن هناك شكوك تدور حول الموساد الإسرائيلي، وما إذا كان ضالعاً في العملية، خاصة أن السيارتين المفخختين قد دخلتا إلى مصر من إسرائيل، وكانتا تحملان لوحات جمركية من منفذ طابا الجمركي؟
ويرد فيديريكو بيرسيانو، الذي يدرس الاقتصاد بجامعة روما: هذا غير معقول، وإلا فلماذا لا يوجه المصريون أصابع الاتهام إلى إسرائيل؟ نعم إسرائيل مستفيدة من ضرب السياحة المصرية، والاقتصاد المصري، وعلاقتها بمصر في توتر دائم، رغم ما يتم تداوله إعلامياً ودبلوماسياً عن السلام فيما بينهما، ومصالح البلدين متضاربة حول العديد من القضايا، وفي مقدمتها الموقف من الفلسطينيين، ومن كل من ليبيا وسوريا، لكن لا يمكن أن ننسى أن الانقلابيين الإسلاميين هم أيضاً في مقدمة المستفيدين من ضرب الاقتصاد المصري، كما أنهم ناقمون على الرئيس المصري حسني مبارك شخصياً لأنه حاربهم دون هوادة، كما أن هناك ثأراً قديماً بين الإخوان المسلمين وبين ثورة يوليو وما نتج عنها من نظام سياسي، وهناك أطراف عدة يهمها زعزعة الاستقرار في مصر بالذات لما تقوم به من دور في المنطقة، لذا فكما لا يصح أن نسير وراء العواطف عند توجيه أصابع الاتهام إلى القاعدة، لا يجب أن يفعل البعض نفس الشيء مع إسرائيل أو غيرها، يجب أن نثق في قدرة المصريين على التحقيق في القضية، وننتظر ما سيتوصلون إليه من نتائج·
حرب ضد الحضارة
أما حلمي بدير السفير المصري في إيطاليا فيصف الهجوم على شرم الشيخ بأنه هجوم على الحضارة من قبل أعداء التحضر، إنه ليس هجوماً سياسياً وحسب، إنما هو هجوم اقتصادي واجتماعي في آن، وإلا لماذا تم اختيار العيد الوطني المصري بالذات موعداً للهجوم، إنه هجوم على منجزات الشعب المصري الحضارية، وقد أثبت هذا الهجوم أنه ليس موجهاً ضد أتباع دين بعينه، وإنما هو هجوم ضد كل الدول المتحضرة وعلى الجميع التكاتف لمحاربته، ويجب أن يكون هذا التكاتف رسمياً وشعبياً·
ويقول فاليريو بوفارديتشي: إن أحد مظاهر العولمة هو انتشار الفكرة القائلة بمحاربة الإرهاب، ورفض التغيير السياسي بالقوة، رغم ما تتعرض له هذه الفكرة من اختراق من قبل بعض القوى الكبرى·
وكان المئات من السياح الإيطاليين قد شاركوا مضيفيهم المصريين في مسيرة للتنديد بتفجيرات شرم الشيخ الأخيرة·
تحفظ رسمي
على المستوى الرسمي الإيطالي توقفت التصريحات الحكومية عند حدود التنديد بالحادث، والتضامن مع الضحايا، وعادت الرموز الحزبية لذات الجدل الذي دار فيما بينها بخصوص المسلمين في أوروبا واحتمال تفريخ الإرهابيين فيما بين صفوفهم، بينما صرح بابا الفاتيكان بأن الله سيوقف اليد القاتلة للمتعصبين، وفي الإسلام مصادر يمكنها دعم السلام، كما أن هذه الهجمات ليست ضد المسيحية، والتفاهم مع الإسلام ليس سهلاً، لكن الناس سيساعدون على ذلك !!
إيطاليا الرسمية·· والانقسام
يقول الناشط الحزبي فابريتزيو روزاتي: القضية ليست قضية انتقام، القضية قضية قناعة بحجم الخطر، وبالوسيلة الأمثل للوقاية منه، فإيطاليا الرسمية قد تعرضت لما يشبه الانقسام بشأن التعامل مع الخطر المحتمل للإرهاب بعد أن حذرتها فرنسا من هجوم وشيك الحدوث ضدها، وكان حزب يسار الوسط وكثير من المعتدلين يرون أن وجود الخطر لا يجب أن يدفع أوروبا إلى التراجع عن منجزاتها الحضارية المتعلقة باحترام حقوق الإنسان، أو إلى التراجع عما حققته حتى الآن على طريق الوحدة الأوروبية خاصة فيما يتعلق بالحدود بين الدول الأعضاء، لكن عندما يقوم الإرهاب باختراق التدابير الأمنية ويلحق الضرر بالمواطنين هنا يتخذ رد الفعل شكلاً قوياً يمكن للبعض أن يصفه بالتشدد أو العنف، لكن حتماً ليس الانتقام·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©