الاتحاد

تقارير

المسلمون.. وقت لمراجعة الذات

بعد حمام الدم الذي شهدته باريس، والهجمات التي حدثت في «سان برناردينو» بولاية كاليفورنيا، وباماكو في مالي، والجرائم التي سُجلت قبل وبعد تلك الأحداث، بات الناس يحكّون رؤوسهم بشيء من اليأس في أثناء محاولتهم فهم السبب الرئيس الكامن وراء هذه الموجة من العنف.
هذه حقيقة ما يحدث في كل بقاع الأرض، وليس في بلدان الغرب وحدها، حيث يتسرّع العديدون بإلقاء اللوم على الدين الإسلامي ذاته. وهذه هي حقيقة ما يحدث في الشرق الأوسط أيضاً، وحيث نحاول السيطرة على الموقف والبحث عن أدوار الأطراف المؤثرة فيه. والعديد من المحللين العرب والمسلمين يلقون باللوم على إيران وإسرائيل، فيما يرى آخرون أن السياسات الغربية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي هي السبب. وكررت بعض الأصوات الإعلامية المقولة الشائعة من أن العرب هم ضحية مؤامرات خافية.
وبالرغم من أن التأثير الفعلي لبعض أصحاب الرؤى النقيضة لهذا الطرح لا يزال ضعيفاً، إلا أن القليل جداً من الصحفيين يتمسكون بها. ففي صحيفة «المدى» العراقية الناطقة بالعربية، تقدم الكاتب العراقي «عدنان حسـين» بطرح مهم قال فيه إن من واجبنا أن نغيــر نظامنا التعليمي برمته.
وقال من خلال تقرير نشره بعد يومــين من هجــــوم باريس في 13 نوفمبر، إن تلامذتنا الناشئة يتعلمون منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية، وفي أغلب الأحيان يكون تحت تهديد العصا الغليظة، بأن الإسلام ليس ديناً عظيماً فحسب، بل إنه أفضل من كل الأديان الأخرى، وبأن أولئك الذين لا يحملون لنا مشاعر الحب سيكون جــــزاؤهم جهنم وبئس المصير. وأضاف قوله إن النتيجة التي قادنا إليها هذا الطرح تتلخص «بإيمان دموي يحثّ على قطع الرؤوس وإراقة الدماء ويحرّض على النهب والسلب والاغتصاب». وقال إن الإسلام الحقيقي «لم يعد له وجود في حياتنا. وفي أفضل الأحوال، لا يشكل إلا صوتاً خافتاً لم يعد يسمعه أحد».
وفي ذلك اليوم ذاته، نشر الكاتب اللبناني المعروف «غسان شربل» مقالاً في «صحيفة الحياة» أشار فيه إلى أن من واجب العرب والعالم الإسلامي المشاركة في الحرب ضد التطرف الإسلامي من أجل إنقاذ أنفسهم. ودعا إلى إلغاء المنصّات التي تُطرح من فوقها دعوات التباغض، وقال إن الشرق الأوسط بات بأمس الحاجة «لإعادة فحص عميقة» لمسيرة مجتمعه. ودعا القيمين على الجامعات والمدارس والمساجد والمحطات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي إلى تطهير منصّاتهم من الحفنة الصغيرة من أصحاب الأيديولوجيات الهدامة التي تشرف عليها. وأضاف: «إن الأخطار التي تتهدد العالمين العربي والإسلامي اليوم، لا تقل عن أخطار النازية التي هددت أوروبا».
ودعا بعض الكتّاب صناع القرار في الشرق الأوسط إلى تفحّص أوضاع وتوجهات مؤسساتهم ومجتمعهم على نحو أشمل من حيث مدى مسؤوليتها عن دورة العنف. إلا أن هذه الرؤية لا تقتصر على صحفيي النخبة فحسب، بل يشارك فيها العديد من طلابي في الجامعة الأميركية بدبي. وعمدت مؤخراً إلى توجيه سؤال لطلابي عن موقفهم من تعليق نشرته «صحيفة الجارديان» في شهر نوفمبر الماضي مفاده أن جهود فرنسا وبريطانيا لترويج شعار التعددية الثقافية (في الحالة البريطانية) والإدماج (في الحالة الفرنسية) في أوساط المهاجرين، باءت بالفشل. ويقول كاتب المقال «كنان مالك» إن السياسات الفرنسية والبريطانية هي التي فتحت بوابة «الأسلمة» لدخول مجتمعات إسلامية منعزلة.
ولقد رفض كل طلابي تقريباً هذا الطرح ورأوا أن المهاجرين هم المسؤولون عن أفعالهم لو كانوا يعيشون في عزلة أم لا. وبالطبع، فإن الكثير من هؤلاء الطلاب ينحدرون من عائلات هربت من وحشية المتطرفين الإسلاميين في أوطانها، وهم لا يتعاطفون معهم ولا يؤيدونهم. وهم لا يلومون التعددية الثقافية الغربية على تصاعد الإسلام المتطرف، حتى أن طالبة سورية وصفت ذلك بقولها «إنه هراء».
وسألت طلابي بعد ذلك، لماذا لا ينظم المسلمون مسيرات في شوارع لندن وباريس ونيويورك ليصرخوا بصوت عالٍ بإدانتهم لتنظيم «داعش» الإرهابي؟. وكان جوابهم أن الغالبية العظمى من المسلمين تخاف أيضاً من انتقام المتطرفين. وعبر الكثير منهم عن خوفهم من أن يلفتوا نظر الإرهابيين إليهم. وعندما سألت صفاً آخر من طلابي عن المسؤولية التي نتحملها لتبصير العالم من أن الإرهابيين لا يمثلون كل المسلمين، جاءت إجاباتهم متباينة. وقالت طالبة إننا لا نتحمل هذه المسؤولية «وإذا أراد إنسان غربي أن يتعلم شيئاً عن الإسلام الحقيقي، فما عليه إلا أن يسأل موقع جوجل».

*ياسمين بحراني*
*أستاذة علم الصحافة في الجامعة الأميركية - دبي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا