الاتحاد

دنيا

بقايا جروح تنزف على المسرح


عبد الجليل علي السعد:
مساء الأربعاء الماضي( 15 مارس) امتلأت رأس الخيمة بالمسرح وامتلأ بها في ليلة مسرحية رائعة، فيما قدمته من تثبيت واقع أن المسرح للجمهور، في ترسيخ لتقاليد مسرحية قديمة، هي مكسب لمسرح رأس الخيمة خلال مشوار حياته، ضمن خط وتوجه نحو العرس المسرحي الذي لا بد أن يشارك فيه الجميع ، وهذا ما حدث ليلة عرض مسرحية (بقايا جروح) ، لمؤلفها أسماعيل عبد الله ومخرجها ناجي الحاي، والتي ضمت نخبة كبيرة من الممثلين الكبار مثل حبيب غلوم في دور ( عيلان ) وهدى الخطيب ( غبيشه ) ، عائشة عبد الرحمن ( الأم ) ، سعيد عبيد ( جوهر) أضافة لعبد العزيز الشريف ( سند)و بلال غانم ( عزير) ، رشا العبيدي (أروى) ،حسن محمد أحمد ( سند بو كتاره ) أضافة لمجموعة كبيرة من أعضاء مسرح رأس الخيمة، في عمل يضم 16 ممثلا و10 فنيين، كما كتب أشعار العمل أسماعيل عبد الله وقدم موسيقاه محمد مال الله ونفذ ديكوره حسن سعد أما مكياج العمل فقد نفذته موشكان ·
إن عملا بهذا الحشد والأمكانيات والطاقات قدم لينجح حيث لا بديل إلا النجاح ،فضلا عن رعاية العمل من قبل سموالشيخ سعود بن صقر القاسمي ولي عهد ونائب حاكم رأس الخيمة، سواء بشراء التذاكر كاملة أو تشريفه بحضور عرض الأفتتاح، وتهنئته لطاقم العمل بعد نهايته فردا فردا بحرارة وصدق ، فمن الطبيعي جدا أن ينجح العمل ويثير هذا التساؤل الكبيرالحاضر الغائب ( أين الجمهور المسرحي الحاشد في أغلب فعالياتنا المسرحية ؟ ) وإن لم يكن هذا السؤال موضوعنا اليوم ·
قدم المؤلف والمخرج العمل في كتيب التعريف بالبيتين
مب كل حديد يطيعك تحسبه ماضي
حد السيوف رجال تشم الموت وتسمه
مب كل من شال كتاره سبع وافي
ولا كل من يال في البطحا ، أخو شمه
وهي أشاره لنوع العمل والمضمون المحرك للعمل وفكرته ، والتي بينها عبد الله سالم يعقوب رئيس مجلس إدارة المسرح بقوله ( المسرحية دراما اجتماعية تنهض لتقديم صورة مضت ،ولكن العبرة ما تزال باقية ) كما قدمت المسرحية بنفس الفكر والفكرة لتأكيد أن المسرح للناس ومن الناس ، وهو ما نود تقديمه من متعة وفكر في هذا العمل ·
تتلخص حكاية العمل في الأم مريم الثرية والصراع الذي يحيط بها وهي على فراش الموت، بينما زوجها عيلان وأبنه عزير يستعجلان موتها ليرثوا مالها، ضد سند وأروى أبنائها كذلك في صراع حول هذا الجشع والانتهازية ، ليفاجؤهم جوهر ( النكرة وانتهازي الحارة) بقصة وصية مريم التي تهب فيها جزءا من إرثها لسند بوكتاره والذي لم يعرفه أو يره أحد ، ليبدأ نسيج الشك والخيانة والشرف يلتف حول رقبة مريم ، ويبدأ البحث عن بوكتاره ، وتتواجه الأطراف فيقرر عيلان وأخته غبيشة وجوهر ، الذي يسرق مصاغ مريم مع غبيشة ،الإسراع في تدبير زيجة لأروى من خلف الذي تحبه بعد موافقة الأب حتى يحضر بوكتاره وهو حامل سيف في العيالة مشهور، وهو شرط الأم مريم حتى تعطي الوصية الى عيلان مع كل ما تملك ، وذلك بعد أن تبين الأم لأبنها سند أن بوكتاره أنقذ شرفها ومال أبيها أمام قطاع الطرق، مما دفعها تيمنا ، أن تسميه' سند' وتهب جزءاً من ثروتها له، ختاما وعلى ايقاع العيالة ووصول بوكتاره تموت الأم معلنة نهاية العمل، والذي لم ينته بالحكاية المعتادة: خيرا أو شرا ·
كوميديا هادفة
العمل درامي اجتماعي كوميدي هادف يعتمد التاريخ المحدد / غير المحدد بعام 1974 وهو تاريخ ممتد حتى اليوم وغدا ،وهو ما أراد المؤلف والمخرج توصيله للجمهور ، حول تشكل مجتمع ما قبل النفط ( بوكتاره وانقاذه شرف مريم ومال أبيها دون مقابل أو حتى نية المكافأة برجاء الأب أن يبقي أسمه وعمله مجهولا ) ومجتمع بعد النفط والاتحاد بمجمل بقايا أحداث العمل ، والتي بدأت ساخنة وأستمرت حتى نهايته دون توقف ( حتى مع الجرعات الكوميدية والتي وفق فيها المبدع سعيد عبيد ( جوهر ) وسعيد العيان ( رباع ) وقفشات هدى الخطيب ( غبيشة ) ، أمام جدية الحدث ( المأساة ) أمام عيلان وسند وعزير ) والتي قدمها المخرج كأستراحات لتخفف من وقع التراجيديا في العمل ، ووفق بها كثيرا · استثمر العمل عنصر الحدوته والحكاية والتشويق والترقب في جذب أنتباه المشاهد (في استحضار للذاكرة الشعبية ضمن مواصفات الحدث اليومي )
وشده للمعنى خلف ما يجري من أحداث في تناسق متعدد الصعود والهبوط ضمن الخط العام للمسرحية ودون الإخلال بترتيب الحدث، مع ضبط اخراجي ممتاز للشخصيات في الدخول والخروج وحركتها ضمن الخشبة الممتلئة دوما بحدث وحركة أجاد وأعطى فيها المخرج أفضل ما عنده من طاقة وإدارة للمشهد الدرامي ·
وكانت لغة العمل شعرية راقية، اعتمدت المفردة الشعرية القديمة والحديثة ، ضمن حوار أمتلأ بالتشبيهات والأشارات العامية ، ضمن لغة قلما نشاهدها اليوم بهذا المستوى ، والذي وفق المؤلف فيه ، فيما يملكه من قدرة الكتابة بهذه اللغة، التي صبغت مجمل أعماله السابقة ·
الديكور كان موفقا كونه استلهم روح العمل ولم يبتعد عنه ، وإن كانت الأبواب المقوسة جديدة ،ولكن انسيابيتها وألوانها خدمت العمل، وكذلك الموسيقى التراثية المكونة لروح الصوت فيه كانت موفقة وجميلة ·
يذكر أن مسرحية' بقايا جروح' من الأعمال التي ستقدم في أيام الشارقة المسرحية ' عرض الأفتتاح' ، وهي مهمة كعمل تراكمي للنص المحلي ،عدا معالجتها لهموم ومسائل إنسانية كثيرة ، نحتاج دوما لطرحها من وقت إلى أخر بأسلوب ومعالجة جديدة ،كي لا تضل طريقها وسط الكم الكبير من الأعمال المسرحية المغرقة في التجريب أو السطحية ·

اقرأ أيضا