الاتحاد

دنيا

(الرَّوْتَشة) وليد الزين: جرّاح تجميل الوجوه بلا ألم


دبي ــ محمد الحلواجي:
تصوير ــ راج كومار
إذا كان التصوير الفوتوغرافي يمثل عوالم وبحارا واتجاهات متعددة لا يمكن إحصاؤها اليوم في عصر الصورة الرقمية·· فتعديل الصور يعتبر عالما وفنا قائما بحدّ ذاته·· حيث يقوم عدد متزايد من الفنانين والمهنيين بالتخصص في تعديل الصور أو ما يعرفُ (بالروتشة) وهي كلمة مشتقة من اللغة الإنجليزية وتحديدا من كلمة (RETOUCH) وتعني تهذيب وتنقيح الصور الفوتوغرافية··فقبل ظهور الكمبيوتر كان هناك عدد محدود نسبياً من المصورين العاملين في روتشة وتلوين واستعادة بهاء الصور الفوتوغرافية التالفة جزئيا بسبب سوء الحفظ أو التعرض للخدوش عن طريق الرسم والتعديل إما على سطح الصور السالبة (النيجاتيف) أو على الصور المطبوعة مباشرة وبخاصة الصور ذات الأحجام الكبيرة التي يمكن أن تكبر وتتضح معها العيوب الصغيرة في الصور·· كما يعد تعديل الصور ووضع اللمسات الفنية النهائية عليها من الأمور المعقدة التي تشبه الجراحة التجميلية فهي تحتاج خبرة ودراية عميقة بهذا الفن·
وكضرورة عصرية تنتشر حاليا برامج معالجة الصور بشكل كبير في جميع أنحاء العالم وأشهرها تلك التي تنتجها شركة أدوبي مثل 'الفوتو شوب' و'الإيمج ريدي' وغيرهما·· إلا أن الكثير من المصورين الفوتوغرافيين والفنانين التشكيليين ينقسمون بين محبٍّ وكاره لهذه البرامج رغم ما توصلت إليه من تقنية عالية في التعامل مع الصور ومعالجتها·· ناهيك أن استخدامها صعب·· وليس من السهل الإلمام بكل قدراتها فهي تتطلب الكثير من الوقت والصبر·· إضافة إلى أن بعض المصورين لا يزال يفضل الطرق القديمة والعتيقة للروتشة التقليدية لتعديل وتلوين الصور واضفاء جماليات اللمسة النهائية عليها·· انطلاقا من أنها حسب تعبير مهنتهم·· تحفظ للبشرة مظهرها الطازج والناعم·· بخلاف برنامج الكمبيوتر الذي يترك على الوجه أثراً يشبه القناع·
العالم الساحر
اليوم تلتقي 'دنيا الاتحاد' أحد هؤلاء الفنانين الذين ورثوا أسرار هذه المهنة أباً عن جد وهو الفنان السوري وليد الزين الذي شدّ انتباهنا بجلوسه في الاستديو الذي يملكه في شارع جمال عبد الناصر بالشارقة·· بعيدا عن آلات الطباعة والتحميض وأجهزة الكومبيوتر الحديثة ·· مفضلا الالتصاق اليومي بالقلم الدقيق وصندوق الروتشة القديم الذي ورثه عن أبيه·· ليبحر في تعديل الوجوه ويغرق لساعات طويلة في ممارسة روتشة الصور القديمة والجديدة ليبعث فيها الدفء والبهاء والإشراق بريشة رسام بارع ·· ومثل هذا المشهد ربّما لن يكون متاحاً أو مألوفا بعد سنوات قليلة من الآن·
عن هذا العالم الساحر وبداياته معه يقول الزين: لقد ورثت مهنة التصوير الفوتوغرافي عن عائلتي منذ نعومة أظفاري قبل ما يقرب من نصف قرن·· فقد كانت عائلتي تحترف هذه المهنة بدءا من والدي الراحل·· وصولا إلى أصهاري··فأخذتها كمهنة عن حب ولم أدرسها بشكل أكاديمي·· وفي رأيي أن سنوات الخبرة الطويلة والتجربة الحقيقية من خلال الممارسة اليومية في المجال تعطي نتيجة أفضل من الدراسة·· وقد قضيت في هذه المهنة ثلاثا وأربعين سنة ··منها عشرون سنة في دولة الإمارات حتى الآن·
الرتوش والصور اليدوية
وعن ممارسته لفن الروتشة رغم امتلاكه اليوم استديو تصوير على درجة عالية من الإمكانيات والتجهيزات الحديثة قال الزين: الكمبيوتر والآلات الحديثة المتطورة ضرورية لتلبية رغبات الناس المستعجلين الذين لا يفضلون الانتظار··أما الأشخاص الذين يمكنهم الانتظار فأنتج لهم الصور يدويا وآخذ وقتي في وضع الرتوش بالقلم على السلبية (النيجاتيف) فهناك فارق كبير بين رتوش البرامج الرقمية (الديجيتال) والرتوش اليدوية باستخدام القلم··والفرق واضح حتى بمجرد النظر لقطعتين من النيجاتيف تكون إحداهما مشغولة بالكمبيوتر والأخرى مشغولة يدويا·· لتجد أن النيجاتيف المعالج بالكمبيوتر قد تحولت طبيعة بشرة وجه الشخص فيها إلى ما يشبه (الماسك) القناع أو أشبه بطبقة من الجبس فليس هناك مسامات ظاهرة لبشرة الوجه··أما رتوش القلم فتحافظ على بشرة الوجه بالاضافة إلى عملية التنظيف التي يمارسها المصور·· أو عملية تجميل المناطق الواقعة تحت العيون أو الأنف أو الفم أو خطوط الجبين·· حيث يتم تجميل هذه المناطق دون حرق منظر البشرة·· ولا تختلف عملية الرتوش بين صور الأبيض والأسود والصور الملونة·· أو بين النيجاتيف والصور المطبوعة·· والأمر يعتمد على مدى خبرة المصور الذي يقوم بعمل الرتوش التي تتطلب دقةً في النظر وخفّةً في اليد على القلم الذي تكون ريشته رفيعة جداً·· وهي أنحف كثيرا من شعرة الرأس·· وعليه يجب أن تكون اليد خفيفة جدا كي لا يهتز القلم أو يترك أثرا أو تشويها يبدو واضحا فيما بعد عند تكبير الصورة· ولذلك نحن نقوم بعملية ثانية لوضع الرتوش على الصور المطبوعة أو المكبرة لوضع الرتوش على الرتوش السابقة نفسها ونحن نسمي هذه العملية في مهنتنا بالتعبئة لإخفاء آثار القلم· أما عن استخدام برامج الكمبيوتر في روتشة الصور فأنا لم أجرب ذلك بصراحة الآن وليست لدي رغبة في ذلك·· رغم امتلاكي لكل الأجهزة الحديثة التي تركتها للموظفين المتخصصين العاملين لدي وهم يقومون بتنفيذ الطلبات التجارية السريعة للناس المستعجلين·· أما أنا فغير راض عن استخدام هذه الطريقة إطلاقا! فرتوش الكمبيوتر لا تحافظ على منظر بشرة الوجه أو ملامحه أو حتى تقاسيمه الطبيعية·
أدوات نادرة
أما الأدوات المستخدمة في عمليات وضع الرتوش على الصور فيوضح وليد الزين أن: الجهاز الأساسي فيها هو الصندوق ذو الواجهة الزجاجية المضاءة من الخلف لتسليط الضوء على تفاصيل النيجاتيف إلى جانب القلم الرفيع الذي يستخدمه أيضا الرسامون والمهندسون المعماريون· ويضيف: هناك مصورون يستخدمون الريشة والألوان بدلا من القلم·· ولكن بالنسبة لي يظل القلم أفضل من أية وسيلة أخرى لأنه يعطي نقاءً أفضل·
ونسأل وليد إن كان لا يزال يحتفظ بالأدوات التي ورثها عن أبيه فيؤكد: لا أزال أحتفظ في سوريا بكل شيء تركه لنا والدي رحمه الله·· كأدوات التصوير بالأبيض والأسود منذ الستينات كآلات التصوير والجهاز اليدوي لطباعة صور جوازات السفر·· وآلة تكبير أفلام الأبيض والأسود وأدوية التحميض الخاصة بالأبيض والأسود ومعدات تركيب الأدوية الخاصة بها·· وحتى معدات الإضاءة التي تختلف عن أدوات هذه الأيام المكونة من الشماسي·· فقد كنت نستخدم لمبات الهالوجين ذات قوة المئتين وخمسين، وخمسمائة، بالاضافة إلى معدات الإضاءة المساعدة المستخدمة لاضاءة الخلفية أو الشعر·
إزالة التجاعيد بالقلم!
ونسأل وليد عن مواصفات الصورة الذي تحتاج أو تستدعي عمل الرتوش فيقول موضحا: كل الصور تحتاج إلى رتوش كالصور القديمة المكسرة أو المتجعدة أو المتعرضة إلى التلف الجزئي·· وصولا إلى الصور العادية بما فيها صور الأطفال·· فإضاءة الاستوديو لابد أن تترك أثرا تحت العيون أو تترك ظلالا تحت الأنف والشفتين·· والرتوش عبارة عن دمج لبشرة الجلد مع بعضها البعض لتخفيف آثار الاضاءة الساطعة على الوجه أو تنعيم المساحات الداكنة· أما بالنسبة للأشخاص البالغين أو كبار السن فنقوم بمعالجة التجاعيد في صورهم وبخاصة في مناطق محددة كأسفل العيون أو تجاعيد الجبين أو التجاعيد على أطراف العيون في جانبي الرأس·· للقيام بعملية تجميل للصورة دون مسح حقائق تقاسيم الوجه·· وهذا ما لا يتوفر مع رتوش الكمبيوتر التي تقوم بتضييع حقائق التصوير الطبيعي الذي يعطي نكهة خاصة لبشرة الوجه· ونسأل الزين عن توقعاته لاستمرار الطريقة التقليدية لتعديل الصور رغم سيادة التقنية الرقمية العصرية فيقول: إن هذه العملية آخذة في التضاؤل يوما بعد يوم·· وأغلب المصورين الذين يستخدمون الوسائل الرقمية في التصوير التحميض والطباعة الأتوماتيكية بشكل كامل·· لم يعملوا سابقا في التصوير والتحميض والطباعة يدويا بالأبيض والأسود·· لذلك لا يدركون مدى أهمية فن التعامل مع الرتوش التي تعتبر أهم وأصعب عملية في مهنة التصوير الفوتوغرافي·· فالعمل في الرتوش يشكل عالما واسعا مستقلا بحدّ ذاته·· وهو تخصص نادر يحتاج لدقة وخبرة وممارسة كبيرة في فن التعامل مع الاضاءة بابتكار وخيال·· وهو مجال لم يكن يتقنه أي مصور حتى في الماضي·· فما بالك بالأمر اليوم؟ لذلك أنا أفكر في توريث هذه المهنة لأولادي كما فعل والدي·· وقد قمت الآن بتعليم مهنة الرتوش لاثنين من الأصدقاء·
صور الأحبة تستحق الانتظار
وعن نوعية الأشخاص الذين يطلبون الرتوش اليدوية لصورهم ويقبلون عليها يقول وليد: زبائن هذه الحالة قليلون جدا·· فمعظم الناس هذه الأيام مستعجلون يريدون استلام صورهم وهم واقفون أو العودة لاستلامها بعد ساعة على أكثر تقدير·· لذلك لا يطلب الرتوش إلا الشخص الذي يريد صوراً فنية يرغب بالاحتفاظ فيها للذكرى كصور الأب أو الجد أو صور ذكرى الخطوبة والزواج أو صور المولود الأول وغيرها·· فهؤلاء الناس يطلبون صوراً مطبوعة يدويا وليس آلياً ويمكنهم أن ينتظروا تاركين لنا الوقت الكافي للقيام بعمل الرتوش التي لا تستغرق وقتا يتجاوز النصف ساعة مع الصورة الواحدة كحد أقصى·· لكن لك أن تتخيل أن تكون أمامك كمية كبيرة من الصور لعشرة زبائن في اليوم الواحد مثلا·· في هذه الحالة ستحتاج لوقت كبير للعمل·

اقرأ أيضا