الاتحاد

دنيا

مصنوعات الخوص.. حديث الأيدي الماهرة مع الطبيعة

مجموعة مستلزمات منزلية مصنوعة من سعف النخيل

مجموعة مستلزمات منزلية مصنوعة من سعف النخيل

ينبهر المتجول في الأسواق الشعبية في صنعاء، بمشاهدة مجموعة من مصنوعات الخوص «سعف النخيل» وتدهشه الأنامل التي تشكل الرسومات والألوان خلال إعداد الجدائل، فتلك المصنوعات تنتشر في متاجر ومحال كثيرة، ويتصدى الكثير من الحرفيين لإنجازها إحياءً لها وحفاظاً على تراث الأجداد.

مناطق النخيل

تختلف الصناعات باختلاف أنماط الحياة اليمنية ما بين سكان الجبل والسهل أو مناطق أخرى في ربوع اليمن، ولذلك اشتهرت المناطق المزروعة بالنخيل بصناعة أدوات عديدة من «الخوص» سعف النخيل وأدخلت عليها الصبغات والرسوم الجميلة لتستخدم في البيوت، ومنها: الأطباق والحصائر والعلب والمكب والسلال، وغيرها من المستلزمات المنزلية التي تلفت أنظار السياح ويحرصون على اقتناء قطع منها كهدايا تذكارية عن المنطقة. يقول صادق علي- مهندس: من المدهش أن تلك الصناعات الشعبية حظيت بتفنن الحرفيين والمروجين لها في عملية التسويق لتبدو أمام الزوار وكأنها جزء من الفنون التشكيلية، حيث نرى براعة الحرفي اليمني خلال صناعة السعف وكثيراً من المنتجات التي تعتمد على يديه وحسه الفني الجمالي دون تدخل أي آلة مرافقة أو حتى مساعدة، كما تعتمد على التركيز والدقة لما تحتاجه من اتقان». بينما يقول ألينا سيف- صاحب محل صناعات سعف النخيل: «تعد مهنتنا من المهن التي تشتهر بها تهامة ومحافظتا الحديدة وحجة، وقد وجدت هذه المهنة نظراً لتميز المنطقتين بوفرة النخيل، ويهتم البعض بالمنتجات المصنوعة من سعف النخيل لكونها منتجات يدوية تتطلب موهبة ومهارة، حيث يقبل على شراء هذه المنتجات اليدوية عدد من المواطنين والزوار والسياح».

متاحف مصغرة

في جولة داخل أسواق صنعاء القديمة، وتحديداً داخل باب اليمن يشاهد الزائر تلك المهارات الحرفية وقد حولت الحوانيت إلى متاحف مصغرة فهنا فراش الحصير الذي يستخدم لفرش المساجد والأكواخ والدواوين وأماكن التجمعات، مصنوع من سعف النخيل وكذلك مفارش الموائد الخاصة بالطعام، ثم أغطية الرأس بأشكال هندسية وألوان زاهية ومتنوعة يندهش المرء كيف يتقن الإنسان مثل هذه الصناعات بحرفية ودقة. يقول يحيى سنان- صاحب محل صناعات سعف النخيل: «كانت الصناعات الحرفية من سعف النخيل مشهورة في اليمن إلى عقد السبعينيات من القرن الماضي، حيث اعتمدت اعتماداً شبه كلي على المنتجات المحلية من متطلبات المواطنين وخاصة من المفروشات والأواني والأدوات المنزلية. لكنه أصبح اليوم ضمن الماضي وليس من الحاضر، وربما ينقرض في المستقبل بعد أن كان يستخدم للعديد من الأغراض». ويعرب سنان عن قلقه الشديد للغزو الخارجي الحاصل على حساب السوق المحلية لأن الصناعات التقليدية جاءت ببدائل غير صحية قضت على منتجات سعف النخيل الذي كان يملأ الأسواق».

منتجات متنوعة

لدى علي المنصوري- حرفي سعف نخيل، فيقول: «ما زلت أعمل على الاستفادة الكلية من سعف أشجار النخيل في صناعة العديد من متطلبات الحياة لنا ولأمثالنا من المحافظات الأخرى، ومن أبرز تلك المصنوعات الأفرشة والأغطية والأواني المنزلية منها الزنابيل وغيرها من المشغولات اليدوية المتنوعة، على الرغم من كونها صناعة متعبة ومضنية جداً، وتمر بعدة مراحل تبدأ بجمع السعف وأوراق وأغصان أشجار النخيل وتنظيفها وتنقيتها من الأتربة ومن ثم تبليلها وترطيبها وفرزها واستخراج الخواص والعروق والجرائد، ثم تبدأ العملية الحرفية فالخياطة بواسطة العروق والخواص والأوراق والجرائد وجميعها من السعف». ويلفت المنصوري إلى أن يستغرق عمل «زنبيل» واحد فقط - بعد تجهيز المواد الخام وتنظيفها وترطيبها- 4 أيام من العمل. لكن الحرص على المحافظة على هذه المهنة التراثية يدفع بالحرفيين لأن يصبروا ويتابعوا عملهم.

أهداف عليا

أكد العديد من الحرفيين أن «عمل الأدوات المنزلية الخاصة بالموائد الكبيرة المخصصة لحفظ الخبز مع غطائها ونقشاتها ومحاولة جعلها متفردة من نوعها، يستغرق من واحدهم عدة أيام، في حين أن قيمتها زهيدة جداً إلا إذا اقتناها السياح! فهم يدفعون ثمناً مجزياً بعض الشيء». من هنا يقول عبدالرحمن السكاب: «نوجّه الدعوة للجهات المختصة بتنمية الصناعات الحرفية الصغيرة ونناشدها العمل بتبني مثل هذه الصناعات والحرف وأن يولوها جل اهتمامهم وعنايتهم وأن يعملوا على دعمها والأخذ بيد محترفيها من خلال العمل على إنشاء جمعية لهم ودعم هذه الجمعية لتتمكن من تطوير وتحديث هذه المنتجات وتمكين الحرفيين من تسويقها وتصديرها إلى الخارج بأسعار تتناسب مع الجهد والتعب المبذولين في صنعها وإنتاجها وبما يتلاءم مع الوقت الذي تستغرقه». ويضيف السكاب: «هذه الخطوة ستحقق أهدافاً عليا: الحفاظ على الموروث الشعبي واستمرار ديمومته وتطويره وتحديثه بما لا يمس بأصالته، وفي نفس الوقت تضمن تشغيل أكبر عدد من العاطلين وتوفير حياة معيشية كريمة لمئات من الفقراء المعوزين والمحتاجين لمهنة شريفة تسد رمق المجاعة وتدر عليهم دخلاً معقولاً يكفيهم عن السؤال ويقيهم الانحراف من أجل توفير لقمة العيش الضروري، حيث إن المئات من أبناء الريف في عموم مديريات سهل تهامة يعيشون حياة صعبة للغاية وهم في أمس الحاجة لمن يأخذ بأيديهم ويعمل على توفير فرص عمل مدرة للدخل ومثل هذه المهمة تقع على عاتق الجهات المختصة».

تنمية المهارات

يقول مطهر السيد- أحد عمال الخوص في سوق صنعاء القديمة: «ورثت هذه الحرفة عن أجدادي، وما وصلت إليه من إتقان في ممارستها يعود إلى ما تلقيته من تدريب مستمر على يد والدي الذي قام بتعليمي هذه المهنة خاصة صناعة السلال منذ أن كان عمري 15 عاماً» يضيف: «الأساس الذي تتكون منه السلال (تستخدم لحفظ المنتجات الزراعية) هو سعف النخيل، ولكي يتم تطويعه يوضع لمدة 3 ساعات في الماء ليصبح ليناً، وهناك نوع منه يحتاج نقعه في الماء مدة طويلة حتى يلين. فصناعة الأدوات من سعف النخيل أصبحت من الحرف النادرة وتستلزم دعم الجهات الرسمية والقطاع الخاص، وهناك عدة فرص أمام المستثمرين المحليين والأجانب للعمل في هذا المضمار باليمن والعمل على تنمية مهارات الحرفيين حيث تتقلص الحرف اليدوية وتهجر الأعمال في مجال المشغولات الحرفية».

اقرأ أيضا