صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

ثاني عبد الله السويدي.. كاتب رواية الصدمة

لا يتكئ الجيل الأول من المبدعين الإماراتيين، في الشعر وفنون الكتابة عموماً، إلا على موهبته الطازجة الطالعة من عناصر التكوين الأولى للإنسان العربي في صحرائه المزدحمة بالرسالات والقيم، التي صاغت روحه وخياله. وحينما راح رموز من هذا الجيل يترجمون مواهبهم، بقصائد متوهجة ونصوص متمرسة، فإنهم لم يكونوا يعكفون على تشييد بنيانهم الإبداعي الخاص، بقدر ما كانوا يساهمون في صياغة صرح أدبي لوطن ناهض.. أصبح متكئاً لأجيال من المبدعين الإماراتيين، أتوا وسوف يأتون..
هنا إطلالة على سير ونصوص رموز من الجيل الإبداعي المؤسس.

لم تحظ رواية إماراتية بما حظيت به من القبول والرفض، والمناقشة، والنقد والتحليل، كما حدث مع رواية “الديزل” للكاتب الإماراتي ثاني عبد الله السويدي، التي أثارت إشكاليات عديدة قبل وبعد إصدارها، رواية ما زالت تعلن عن نفسها بقوة، حيث اعتبرت في وقتها انعطافة مهمة في تاريخ الكتابة السردية الواعية على مستوى الساحة الإبداعية في منطقة الخليج العربي، رغم أنها كتبت في مطلع مرحلة التسعينيات، وهي المرحلة التي شهدت غزارة في جودة الإنتاج، ووعياً ونضوجاً والتزاماً في مجالات الكتابة بشتى أشكالها. والواقع إن الاهتمام بهذه الرواية لا يعود فقط إلا اسمها ومضمونها، بل الى مستواها الفني، وجمال تقنياتها وسردها الذي يقترب من الرواية التجريبية الحديثة التي تتناول ما يمكن تسميته اصطلاحاً بـ”واقع العالم الطبقي” وإقبال القراء على اقتنائها، حيث ظهرت منها خمس طبعات في سنوات مختلفة، ولذلك قصة يرويها الكاتب بقوله: “رواية “الديزل” في الأساس أثارت إشكالية كبيرة عند إصدارها في الإمارات، لقد أثارت مشاكل قبل وبعد اصدارها، لذلك قررت الذهاب بها الى بيروت باعتبارها المكان المناسب في ذلك الوقت لنشرها، وفعلا بدأت بالاتفاق مع الدكتور أحمد أبو سعد رئيس اتحاد الكتاب اللبناني آنذاك الذي تبنى العمل من خلال العلاقة التي تربطه بالناشر روحي البعلبكي صاحب دار العيون للنشر والتوزيع، الذي أصدرها في طبعتها الاولى. فرحت بالمولود الجديد “الديزل”، وحملت منها مجموعة من النسخ لتوزيعها على أصدقائي في الإمارات للوقوف على رأيهم فيها، حيث سعدوا بمضمونها وأفكارها التي تهتم بالدرجة الأولى بالإنسان ومعطياته ونظرته للجديد القادم. بعد فترة عدت إلى بيروت بغرض البحث عن الرواية والتعرف إلى مصيرها من حيث كمّ المبيعات، لأكتشف أنها غيرة متوافرة في المكتبات. في ذلك الوقت كان في بيروت دار نشر جديدة اسمها “دار الجديد” التي تبنت طباعة الرواية من خلال تشجيع الشاعر يحى جابر، وصدرت الطبعة الثانية من “الديزل” بثوب جديد، وقد بدأت الرواية على أثر ذلك تأخذ مساحة في الصحافة العربية، وسرعان ما أخذت “الديزل” شهرتها في الإمارات وعلى مستوى منطقة الخليج العربي، لتبدأ شهرتها تزيد انطلاقاً من القاهرة وبغداد، الى العديد من الدول العربية. لم تجد الرواية في حديث عهدها من الصدور صدى نقدياً محلياً باعتبار أن موضوعها يمس شيئاً مقدساً، يتعلق بالنفط، ولكن في فترة لاحقة، بدأ الانفتاح على الرواية في الامارات، وتناولتها أقلام عديدة بالنقد والتحليل، ليعتبرها البعض بعد مضي عشر سنوات من نشرها ـ في نحو خمسس طبعات ـ من الروايات المهمة ذات الأبعاد الجمالية في الشكل والمضمون”.
يذكر أن الطبعة الرابعة من الرواية صدرت عن منشورات المكتب المصري للمطبوعات في القاهرة، واحتفت احدى دورات معرض الشارقة الدولي للكتاب بهذه الطبعة في حفل توقيع خاص لها رصده الزميل عمر شبانة في “الاتحاد” بقوله: “إن المكتب المصري يتبنى إصدار رواية “الديزل” نظراً لما ينطوي عليه مضمونها الفكري من خصوصية في تناول الحياة في دولة الإمارات قبل المرحلة النفطية بقدر من الجرأة والتفاصيل الاجتماعية التي لم يسبق أن تناولها الرواية من قبل”. إنها في الواقع رواية المكان والشخصية الاعتبارية المكتوبة ضمن منهج تيار الوعي، وهو مصطلح ابتدعه وليم جيمس (1840 ـ 1910) ويشمل كل منطقة العمليات العقلية بما فيها مستويات ما قبل الكلام على وجه الخصوص، ولا يوجد تكنيك خاص لتيار الوعي، إنما يوجد بدلًا عن ذلك عدة ألوان من التكنيك جد متباينة، مثل “المونتاج” ويشير الى مجموعة الوسائل التي يستخدمها الكاتب لتوضيح تداخل الافكار والمكان والزمان، على النحو الذي فعله السويدي، حيث بدا لنا أن الشخصية الرئيسية ثابتة في الامكنة التي وردت في الرواية، بينما في الحقيقية يتحرك وعيها في الزمان.

نصّ الغربة
كان لا بد من هذا التقديم، للكشف عن علاقة ثاني السويدي بالكلمة، وبخاصة أنه يجمع في تجربته بين كتابة الرواية والشعر في إطار “الحداثة”، فهو يثير مشكلة “المثاقفة” التي كانت نتيجة للتحول الذي شهده مجتمع الإمارات بعد اكتشاف “النفط”، وما ترتب عليه من ضرورة الاحتكاك بثقافات وحضارات متعددة، وقد كانت هذه المشكلة موضوعاً أثيراً لدى العديد من الكتاب العرب، غير ان زوايا النظر الى المسألة كانت مختلفة، وهو ما حدث بالنسبة للسويدي، الذي نظر إليها من منظور السرد الذاتي: “فالديزل بطل الرواية الشاب يخاطب نفسه قائلاً: عندما بلغت الخامسة عشرة قلت لنفسي لعن الله هذه البلدة... لقد أخذتني من داخلي ورمت بي الى خارجي المطلق” (ص 51). أما الرواية بمجملها تتحدث عن أثر البترول في حياة بلدة صغيرة، وما جرى فيها من صراعات، ليكشف لنا التطور الحدثي بالتالي عن ثقافتين: الأولى وتتمثل في تصوير المرحلة التي سبقت ظهور الذهب الاسود من نمط العلاقات السائدة بين الناس من علاقات اجتماعية قامت على عادات وأخلاقيات نابعة من البيئة والمكان، وصورها الكاتب على أنها علاقات إنسانية تقوم على المحبة والتكاتف وتقاسم الحالة والمصير في الفريج أو الحي الصغير، وكأن الرواية بذلك تحدد الوضع الصحيح للفرد في مجتمعه. أما الثقافة الثانية فتتخذ شكلًا هجيناً، متمثلاً ذلك في الشخصية الروائية المسماة “الديزل”، ليكشف لنا الكاتب من خلالها عن نواتج الثقافة الوافدة على مجتمع لم يكن مستعداً لها بالكامل، وبالقطع هي نواتج سلبية تنبه الى جملة المخاطر، وضرورة الإفاقة منها، إنها تكشف عن أمراض اجتماعية جديدة من خلال الجدلية التي يقيمها الكاتب بمهارة بين مجتمعي الماضي والحاضر ومدى التصادم الذي بنى بينهما جداراً فاصلاً من التقوقع، والانغلاق، والجمود باتجاه المال والماديات ولغتها المحدودة الصارمة، على مستوى الرؤية والعلاقة الجديدة، وبناء الشخصيات الرئيسية ليصنع من خلالها جميعاً مجتمعاً روائياً مختلفاً عن المجتمع الروائي الذي تخلقه البيئة التقليدية، (فهو يأخذ من الذات حوادث يشكل بها المجتمع الروائي الذي يستفيد كثيراً من معطيات الاتجاه المعروف بـ”سوسيولوجيا النص الأدبي”، ونقتصر في ذلك على الجانب الذي يسميه ميخائيل باختين بمفهوم الحوارية، الذي يتضمن أصوات فكرية عديدة، تعبر عن كل صوت منها شخصية من شخصيات الرواية، تدخل في صراع، يسهم في تطوير أحداث الرواية.
ولعل ذلك يقودنا الى الحديث عن (نص الغربة) الذي يشكل أول الملامح الجديدة في بناء رواية “الديزل”، وما تمتلكه من تقنيات تعبيرية، تخرج عن إطار الرواية الرومانسية ونظرتها الى الواقع الاجتماعي على وجه الخصوص وبخاصة ما تتمتع به من بعدين تقني وجمالي، وفي البناء الفني للرواية نجد كيف أصبحت القيمة الاعتبارية بطلًا مفترضاً، استطاع من خلاله الكاتب رصد ردود أفعال شرائح اجتماعية مختلفة تجاه واقعهم الجديد، وكيف حولهم الى شخصيات سلبية، وضحايا متهالكة على الماديات، وفي معظم الأحوال بدت تلك الضحايا مسؤولة الى حد كبير عن كل ما يحدث لها. ونستشهد في ذلك برؤية الدكتورة فاطمة أحمد خليفة لرواية “الديزل” في كتابها “نشأة الرواية وتطورها دولة الامارات العربية المتحدة، (من منشورات المجمع الثقافي بأبوظبي العام 2003): “أما في رواية “الديزل” للمؤلف ثاني السويدي فنجد بطلًا من نوع خاص، يحمل في داخله كثيرا من التناقضات والرفض للمجتمع وما يتمسك به من قيود وتقاليد اجتماعية يسعى للخروج من طوق الاعراف والتقاليد المتعارف عليها، ومن خلال الرواية يدرك القارئ أن الديزل خرج على المألوف، وتعلم الغناء والرقص، وبرع فيهما ووهب نفسه للترفيه عن أهل البلدة وإسعادهم بصوته العذب ورقصه الجميل، لكن المحافظين في البلدة شعروا بخطره على الناس المفتونين به، والذين كانوا يتهافتون على منزله.. فاصدرو إقراراً بمنعه من الغناء، ودفعوه الى التقوقع، الا أن حاكم البلدة ما لبث أن استدعاه بنفسه للغناء في عرس ابنه، فهلل الناس لعودته، واصطفوا في صمت ليستمعوا إليه، وهنا ينتهز الديزل الفرصة ليطرح السؤال الكبير على سكان البلدة وهو أن يختاروا بينه وبين الذين منعوه من الغناء: من يظنني السماء فليقف، ومن يظنني الأرض فليبقى جالساً، ومن يظنني الديزل فليرقص... فما لبثوا أن رقصوا جميعهم” (ص 58).

جماليات المكان
الرواية في فصولها الأولى، بجملها ومفرداتها، تفوح منها رائحة الانسان الأصيل بعاداته وتقاليدة وهويته وأخلاقياته ودفء المكان وسحره وفضاءاته، بما يؤكد حضور كبير لصورة مجتمع الإمارات قبل أن يصيبه التحول وعلاقته بالتقابلات المتحررة متمثلة بالوافد الجديد (الديزل)، وما يثيره الكاتب من خلال الشخصيات من مشاعر وتجارب إنسانية، ما يشبه الدعوة الى الدفع عميقاً باتجاه ضرورة التحرر من خطورة الواقع المهيمن بسطوته وقوته وحمولاته التي تحمل الكثير من الدلالات والرمزية، في تأكيد لعلاقة الانسان الجديد بالكثير من القضايا التي يعيشها يومياً في محيطه (المكان) الذي تعامل معه الكاتب برؤية فنية عميقة من منطلق أنه عنصر سردي يرتبط مع جملة عناصر السرد الاخرى، حينما منحه تلك الإيحاءات المجازية، بحيث يصبح المكان رمزاً لحدث ما، أو متكئاً للشخصيات في صراعها على نحو ما نجده من استخدام بارع للمكان (المسجد) لدى السويدي، حيث يكتسب الأخير أهمية بالغة في المتن الروائي، لا لأنه أحد العناصر الفنية، أو لأنه المكان الذي تجري فيه الحوادث وتتحرك خلاله الشخصيات فحسب، بل لأنه في “الديزل” يتحول الى فضاء كل العناصر الروائية، بما فيها من حوادث وشخصيات وما بينها من علاقات وصراعات، ويمنحها المناخ الذي تفعل فيه، وتعبر فيه عن أحلامها وهمومها ووجهة نظرها تجاه مضمون الرواية، وبهذه الكيفية لا يكون المكان مثل قطعة القماش بالنسبة للوحة التشكيلية، بل يكون الفضاء الذي تصنعه اللوحة، إنه ليس عنصراً زائداً في الرواية، بل يتخذ أشكالًا ويتضمن معاني عديدة: “لا تنظر الى الوقت فهذا المسجد الذي نحن فيه الآن هو الحقيقة المعلنة التي يراها الناس، بينما أراه بشكل آخر، لقد أنقذني هذا المسجد من اختياراتي القادمة، ففي إحدى الليالي طردني والدي لأنني وصلت البيت متأخراً بعد صلاة العشاء، فما كان لي من مأوى أنام فيه سوى المسجد كعابري السبيل، ذهبت إليه وكان المؤذن وحيداً تلك الليلة نائماً، استيقظ لحظة وصولي، عاتبني على دخولي المسجد بقدمي اليسرى، كان في الأربعين، عيناه واسعتان، وشفتاه تمتدان نحو الأفق الظلامي بكل شراسة، كنت أقل منه سواداً” (ص 21). وفي هذه الحالة يبدو المكان عند السويدي كما لو كان خزاناً كبيراً يتسع للمشاعر والأفكار، حيث تنشأ بين الشخصيات والمكان علاقة متبادلة يؤثر فيها كل طرف على الآخر، كما لو أنه لغة دلالية تعبيرية. وفي السياق نعرف مدى الحميمية التي وحدت بين بطل الرواية والمكان، بوصفه تجربة تحمل معاناة الشخصية ورؤيتها للواقع الذي يتغير، فتثير خيال المتلقي فيستحضره بوصفه مكاناً خاصاً متميزاً: “كانت بلدتنا بسيطة وما زالت حتى الآن يتخمّر فيها أمل الشواطئ حين يرى بيوت الفقراء تفنى، هذه البلدة مثل لسانك يا صاحبي كل بيوتها وجدرانها تشهد أنّ أذنيّ تسلقت جدار الصمت خلف البيوت، عرفت أسرارها من ثقوبها الحقيقية ونرجسية الكهرباء الجديدة”. (ص 17).
مفردات الكاتب هنا موحية وتشي بالعديد من الدلالات، عندما يشير على لسان بطل الرواية الى أن رياح الزمن الجديد التي هبّت على رأس الخيمة، كان أول من طالتهم هم الفقراء والبسطاء من مرحلة الغوص على اللؤلؤ والبحر بكل ثقافته وتقاليده وعاداته. وهكذا يظهر جلياً أن الوصف للمكان ليس غاية فى ذاته، إنما هو وسيلة لخلق الفضاء الروائي الذي لا يتحقق إلا من خلال حركة الشخصيات فى المكان، وتفاعلها معه، كما لا يتحقق إلا من خلال تعدد الأمكنة، وقيام علاقات متواشجة فيما بينها، وذلك كله من خلال منظور ورؤية تلتحم ببنية العمل الروائي، ونرى هذا المفهوم بوضوح حينما يتعرض الكاتب لوصف بلدته: “كانت البلدة تشكو من الغبار الذي يغطي وجهها، آه كم هم تعساء حيث الغبار لا يدخل منازلهم أبدا لينظف أمتعتهم من مرض النظافة الذي يدّعونه، أما أنا فقد اتجهت لبيتنا، كان الهواء يدخل منزلنا حيث يجلس مدة طويلة يتشبع بالرطوبة” (ص 13). وفي هذا المنظور تقول الدكتورة فاطمة خليفة أحمد: “لقد عمل ثاني السويدي على تقنيات تعبيرية لم يكن لها وجود فعلي في الرواية الرومانسية، فوجدناه يؤنسن المكان ويبث فيه من روحه، فيتشكل المكان والزمن والتاريخ والشخصية كلًا واحداً مضطرباً ومذعوراً مما يحدث، وبعبارة مختصرة لقد كان المكان يشكل ركناً أساسياً من أركان السرد التخييلي في هذه الرواية” (نشأة الرواية وتطورها في دولة الإمارات العربية المتحدة ص 347).
تكمن أهمية نص “الديزل” في كونه يؤسسعالمه الجمالي? ?على ال?وعي، والمسكوت عنه في الكتابة التقليدية، ويحاول تقديم تجربة تركز على ما وراء الحكاية؛ ولهذا استخدم آليات جديدة في الكتابة، تعكس فهماً مغايراً للقص، الذي يقوم على خلخلة البناء بشكل مقصود؛ ليقدم التجربة العربية المعاصرة في صورة تعكس انشطار الذات بـين صـورة الماضـي وصورة الحاضر ا?سته?كي. وهذا النص يعتبـر تجسـيداً للمخاض الذي تمر به القصة العربية؛ من قصة تقليدية تبحث عن المعنى والد?لة، إلى قصة غير تقليدية في البناء والسرد، وتحاول اقتحام عوالم غير مألوفة. وعلى الرغم من أن هـذا النص هو ا?ول لثاني السويدي؛ لكن من يطالعه يشـعر بأن وراءه خبرة عميقة بالوضع الراهن للنصـوص ا?دبيـة وتاريخية القص.

قصيدة النثر
بدأ السويدي رحلته مع عالم الكلمة بكتابة النصوص الشعرية تحت عباءة قصيدة النثر، ونظرة الى مجموعتيه الشعريتين “ليجف ريق البحر” و”الأشياء تمر” تجد أنهما تحتويان قصائد على تماس حميم مع العصر، ومحاولة الاشتباك معه، من خلال رؤية لا ترهبها الانماط السائدة. وفي دراسة له بعنوان “قصيدة التفاصيل اليومية في الشعر الخليجي المعاصر” يرى الناقد اللبناني آدم يوسف أن بروز حضور (السرد) في قصيدة التفاصيل اليومية من خلال حضور الزمان والمكان في النص الشعري، ما يخلق شيئاً من التناص بين القصيدة والنص الروائي، كما يرصد (المفارقة في صور متعددة)، غير أن هذه المفارقة توصل الى نتيجة واحدة وهي موقف الانسان الخليجي الساخر من الواقع الجديد المضطرب، ولهذه المفارقة تأثير واضح على حضور الصور السريالية واللغة اليومية المفضية الى سرد التفاصيل وتكوين المشهد بمتناقضاته، على نحو ما نجده في قصيدة ثاني السويدي بعنوان “رأس الخيمة”:
“بإمكانك أن تصطاد سمكة/ تسد بها جمع شعب بأكمله/ بإمكانك أن تلمع كأساور متماسكة في يدي متزوجة جديدة/ بإمكانك أن تختار أمّك/ فالشوارع لدينا مليئة بالأمهات”.
إن ما يميز هذه القصيدة بالدرجة الأولى هو (كثافة الترميز) وسرعة القفز من مجال دلالي الى آخر، ولطافة الإشارة، والاستعارات الموحية بالعديد من الصور الفنية، وهناك الكثير مما يمكن أن يقال عن الزخم الدرامي في هذا النص الصغير، الممتلئ بالموازاة والحركة واللون والتداخل الزماني والمكاني. وللناقد الدكتور صالح هويدي نظرة خاصة الى مجموعة “ليجف ريق البحر” في إطار دراسة له بعنوان “تجليات المكان في الشعر الإماراتي المعاصر” فيذكر: “ويبلغ ثاني السويدي في مجموعة “ليجف ريق البحر” المستوى الأبعد في تقنية التوظيف الفني لمفردة ثيمة “المكان” إذ يقدم لنا الشاعر منظوراً ذا رؤية باطنية لا تحفل بالمواضعات المألوفة، ولا تستند الا لمنطقها الخاص، النابع من صيغة البناء الفني للنص، من هنا فإننا من العبث البحث عن منطق خارجي يمكن أن ينتظم علاقات بناء عالم المكان لدى الشاعر، فهو مدفوع بقوة المخيلة الشعرية الى خلخلة بنية العلاقات التي تنتظم صورة المكان، خلخلة تجعل منه أقرب الى اللوحة التشكيلية السريالية التي تقدم مشهداً جديداً بالاعتماد على المزج بين العناصر المتباعدة التي لا يدركها الا المنطق الداخلي للشاعر”.
وفي مجموعته الشعرية “الأشياء تمر” ثمة قصيدة نجتزئ منها: “خذيني في صدرك/ أدخليني بهدوء ودعي كل شيء كما هو/ سترين أن شهوتي ضئيلة/ وأنني جاهل تماما/ ماذا فعلت بالموت؟/ لا شيء سوى أنني كنت مسرعاً إليه/ فصدمت ملاكاً في طريقي”.
فالشاعر، هنا، يروي كيف أن (الموت) كمفردة تتقاسم أحلامه وذكرياته والفتاة التي يحبها، وكأنه يعيش مع الحقيقة الأزلية، الحقيقية الوحيدة في الحياة (الموت).. إنه يعيش تجربة الانطلاق نحو الانعتاق او الخلاص باتجاه آفاق الحرية، التي هي بنظره مقيدة وغائبة.
وفي دراسة للناقد السوري عزت عمر تحت عنوان “توجهات القصيدة الجديدة في الإمارات/ المؤثرات الرومانسية والرمزية في شقيها الرمزي والدلالي” تطرق الى مجموعة “الأشياء تمر” فقال: “شعراء القصيدة الجديدة اليوم قرأوا بلا شكّ هوميروس وفيرجيل وفوكو ودريدا وبودلير ورامبو وأراجون وبروتون ووالت ويتمان وإليوت، وإلى ذلك نهلوا من خزان رمزي مشرقي عززته أساطير المنطقة وتراثاتها بالإضافة إلى الشعر الكلاسيكي والصوفي، ومن هنا فإنني ما زلت أعتقد أن القصيدة الجديدة ليست بدعة غربية كما يحبّ أن يروّج لها البعض، كما أنها ليست تطوّراً طبيعياً عن قصيدة الأمس في شكليها التفعيلي والبيتي، إنها باختصار مولود جديد من رحم أموميّ نما وتطبّع في أحضان لحظة معرفية مغايرة فرضها زمن مختلف وجديد، نلتمس بعض توجّهات من خلال نصوص ثاني السويدي في مجموعته الشعرية “الأشياء تمر” حيث لحظنا أن هذه النصوص لها حساسيتها الشعرية الخاصّة، ولها أيضاً أبعادها الدلالية والجمالية، بما تعبّر عن حالة صراعية خطيرة يعيشها بين ذاته الرافضة، وثقافة القوة والعنف، التي راحت تقصقص الأطراف الناتئة للهوية الإنسانية كي تنسجم مع سيرورة الفيلقة الجديدة.. سنكتشف ذلك من خلال النصوص المثقلة بحمّى الأسئلة، حيث تتفاقم الحالة وتزداد ضغطاً عليه، فيسعى جاهداً للهروب، ليس من التعقيد الحياتي كما هو ظاهر على السطح فحسب، وإنما من سجن النفس الناجم عن عدم مقدرته على إيجاد دواء شاف للجراح النازفة في أعمق روحه”.
ونقرأ ما ورد في هذه القصيدة ما يفيض من ذات الشاعر من عوالم فياضة من الحب والخيال وأشياء كثيرة من الهواجس الشخصية من خلال الاتكاء على السرد والقليل من التشبيهات وأسلوب التداعي الحر:
منذ اليوم سأعلق معطفي على التاريخ
ليتيه مني
كما تاه عطر البرتقال في الحقل!
حيث تجتمع الافاعي والبرتقال
أيّ مغامر بإمكانه
أن يبطل عليهم لذّة اللحظة
أيّ شجرة شبيهة تفعل بهم غير الحب
هذه القصيدة تجعل ثاني السويدي يقترب كثيراً من نكهة شعراء الحداثة الجدد، في استخدامه الجميل والنوعي للاستعارات وأنواع المجازيات الأخرى، انه يكتب بروح ممتلئة بالمفارقة القريبة كثيراً من لغة المسرح بما فيها من مفارقة درامية، بما يؤكد على شاعرية السويدي وكثافته وقدرته على التكثيف والاختزال، ورصد الحركة للوصول الى الضربة النهائية في هذا النص الشعري المركب الذي يجمع بين الأفاعي والبرتقال، وكأنه يعود بنا الى زمن سحيق، الأكثر قرباً من أسطورة الإنسان وحكايته الأولى، إنه يكتب “القصيدة البّرية” إذا جاز هذا التعبير، قصيدة فطرية تفوح منها رائحة الارض والحقل والتراب والشجر، كما تعلن المفردات عن حضور طاغ للانسان المتألم المتعب من مظاهر الحياة السريعة اللاهثة.
في الواقع إن الروائي والشاعر ثاني عبد الله السويدي يمتلك لغة فيها من ثراء الخيال ما يوحي بموهبة جميلة ونافذة سواء في السرد الروائي أو التعبير الشعري الصادق القائم على المفردة السهلة اللطيفة المركبة والمزدوجة المعنى، حينما يعبر عن تجربته الذاتية، او حينما يكتب بوطنية صافية عن بيئة الامارات الفطرية البسيطة قبل وبعد فترة التحول. إنه يكتب على النحو الذي يذكرنا بأدباء عظام من أمثال الاسباني لوركا وغيره، ممن كانت رسالتهم العظيمة نحو: كيف ننقذ الإنسان في عالم تجمهرت فيه عوامل الشر لتكسر إرادة الانسان وتهدر قيمته وكبرياءه.. كيف ننقذ إنسانية الإنسان في كون لا معقول، قوامه لغة القوة والمال والهروب الى الذات.


الأبطال التائهون يجتمعون عند المؤلف

ولد ثاني عبد الله السويدي في مدينة دبي، عضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. صدر له: “ليجف ريق البحر” عن منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات العام 1990، وتعتبر أول مجموعة شعرية له تعنى بقصيدة النثر، كما صدر له رواية مهمة بعنوان “الديزل” عن منشورات دار الجديد ببيروت العام 1994، وأعيد طباعة هذه الرواية لعدة مرات في سنوات مختلفة، ومجموعته الشعرية “الأشياء تمر” عن منشورات مؤسسة الانتشار العربي، بيروت العام 2000.
حظيت كتاباته بتقييم نقدي متميز على المستويين المحلي والعربي نظراً لجودة ورصانة المواضيع التي طرقها، وكان أثر المدينة المعاصرة واضحاً في أعماله، أثر مقلق وسلبي على مجموع الشخصيات التي طرحها، أما أبطاله فكان معظمهم تائهاً أو ضائعاً في زحام مدينة قاسية، ولعلهم قريبون كثيراً من أبطال زكريا تامر الرافضين لواقعهم كما في مجموعته القصصية “الجواد الأبيض”.