الاتحاد

دنيا

شكراً للموت

من هواياتي المفضّلة البكاء على حالي وأنا أتخيّل دفن أحبائي، ثم البكاء على حالهم وهم يهيلون التراب على وجهي «المُربْرِب». وفي واحدة من تلك النوبات خطر ببالي خاطر أرغمني على التوقف. قلت في نفسي: الموت ضروري جداً لاستمرار الحياة، يجب أن أموت ويموتوا وتموت أنت لنفسح المجال ليعيش غيرنا.
لو كنت يا جدي العاشر حياً ترزق وتحتفل بعيد ميلادك الألف، كيف كنتُ سأطيق النظر إلى الأحافير التي في وجهك، وإلى ظهرك المقوّس، ولسانك المتكلّس، وأصابعك الطويلة الدقيقة النحيفة المخيفة؟ ومن الذي كان سيعتني بك أو يجلس معك يسمع قصصاً قديمة لا محلّ لها من الإعراب؟
ولو كان عدم وجود الموت يتضمن عدم تقدم عمر الإنسان، وكان كل البشر منذ أول الخليقة إلى يومنا هذا في ريعان الشباب، فإن هذا يعني أن كل شخص في العالم سيكون ذا تاريخ عائلي إجرامي وسمعة ملوّثة، والجميع مأخوذ بفعلة ارتكبها في يوم من أيام الدنيا جدّ من أجداده، فنحن اليوم نرتاب في الشخص الذي نسمع أن أباه أو جده كان كذا وكذا، ولا نذهب أبعد من ذلك لأننا لا نعرف، وربما الشخص نفسه لا يعرف، ولو عرفنا لقطعنا علاقتنا بكل الناس، وقطع كل الناس علاقتهم بنا.
ثم تعالوا نتخيّل مسألة تربية الأولاد في ظلّ وجود نصف مليون شخص يحق لهم التدخل في الأمر، هم الجد والجدة وكل السلسلة التي تربطهم بأبي البشر؟ وكيف ستكون حياة الآباء الأوائل للبشرية، ألن يذهب إليهم ملايين الأشخاص البائسين ليتهموهم بأنهم السبب في بؤسهم؟ وتخيّل معي أنك قررت الزواج، فكم شخصاً سيحضرون حفل زفافك، ربما هناك مليون شخص عليك أن تدعوهم وتستقبلهم وتقيم لهم الولائم، وهم أهلك وأفراد عائلتك فقط؟
وهل سيكون هناك مكان لكل هؤلاء البشر الذين يبلغ عددهم في هذه اللحظة فقط 6,964,156,160 شخص؟ فإذا افترضنا حاجة كل شخص منهم إلى متر مربع واحد، وهي مساحة لا تسمح له إلا بالوقوف على قدميه وتحريك يديه قليلاً، فإننا سنحتاج إلى 6,964,156,160 متر مربع، أي 6965 كيلومتراً مربعاً، والتي تعادل مساحة دبي والشارقة ونصف مساحة عجمان.
إننا سنغطي بوقوفنا كل تلك المساحات الشاسعة من الأراضي، فما بالك لو انضم إلينا المليارات الذين سبقونا وربما بمئات وملايين المليارات الذين سيولدون إلى ما لا نهاية وإلى أن تقوم الساعة، وكلهم يرغبون في التحرك والعمل وبناء بيت وإنجاب المزيد من البشر؟ إذا كنّا برغم الموت الذي يترصّد لنا في كل مكان ويتخطّفنا في أقرب فرصة مناسبة، وسياسات تنظيم وتحديد النسل، سنبلغ 9 مليارات بعد 34 سنة فقط، فماذا سيحصل بعد عدة قرون ومع الوتيرة المتسارعة لزيادة عدد السكان؟ لن يجد كل آدمي سوى موضع لقدمه، وكل اليابسة ستغطى بالبشر.
وحين لا يكون هناك موت، فإن الحيوانات والنباتات لن تموت أيضاً، فعدا عن مزاحمة الحيوانات لنا وتدخلها في شؤوننا وربما سيطرتها علينا لأن هناك المئات من المليارات منها، فإننا لن نجد شيئاً نأكله، فالحيوان لا يموت لنأكله، والنبات ينمو وينمو وتخترق جذوره كل شيء وأغصانه تغطي الكرة الأرضية وليس أمامنا سوى أكل الجمادات: طبق من الحصى، وجرانيت مشوي، وباستا السيراميك، ومندي من قطع الفولاذ.
يجب أن نفرح لمجيء الموت ونشكره شكراً جزيلاً، فبفضله رحل أجدادنا و«ذلفوا» من هذه الدنيا، ولولاه لكنّا نعيش الآن في مكب نفايات هائل وسط أكوام من البشر والحيوانات والنباتات. وعليه أن يجتهد الموت في البحث عنا وتخليص الدنيا منّا، ليجد أحفادنا مكاناً لائقاً يعيشون فيه.


أحمد أميري
me@ahmedamiri.ae

اقرأ أيضا