الإثنين 5 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

دروب لا يسير عليها أحد

دروب لا يسير عليها أحد
19 ابريل 2017 21:31
ولدت الشاعرة الإيطاليّة ماريا لويزا فتسالي Maria Luisa Vezzali في 1964، وتقيم في بولونيا - إيطاليا، حيث تعلّم اللّغة والأدب الإيطاليّين. ترجمت إلى لغتها مجموعة شعريّة للشاعرة الأميركيّة أدريان ريتش Adrienne Rich بعنوان «خرائط الصّمت»، ومجموعة أخرى للشاعرة ذاتها بعنوان «دليل المتاهة»، ومنتخبات للشّاعر الفرنسيّ الهنغاريّ الأصل لوران غاسبار Lorand Gaspar بعنوان «معرفة الضوء». نُشِرت لها مجموعات شعريّة عديدة منها «الأبديّة الأُخرى»(L›altra eternità, Edizioni del Laboratorio, Modena, 1987) و«خطّ الأمومة»(Lineamadre, Donzelli Editore, Poesia, Roma, 2007). القصائد التالية مقتطفة من المجموعة الأخيرة، ترجمها إلى العربيّة كاظم جهاد بمساعدة اثنتين من تلميذاته الإيطاليّات في ماجستير الأدب العربيّ في «المعهد الوطنيّ للّغات والحضارات الشرقيّة» في باريس، هما: سيلفيا كوينتساني ومارا روسّي. تميل ماريا لويزا فتسالي في قصائدها إلى الإفادة من عوالم الفنّ التشكيليّ، وتحرص على الوجازة واللّمح، وعلى تطعيم الغنائيّة ببُعد تأمّليّ وثيق الصّلة بهموم المرأة في هذا العصر. الجَمال في الأرض دروبٌ لا أحدَ عليها يسير ثمّة أقاليمٌ وحدَها تطالُها الأجنحة أمواجٌ أعلى من الحياة كثبانٌ خفيّة باردةٌ كالألماس أنوارٌ تخترقُ العيونَ وجوهٌ شفّافة ابتساماتُ نيازكَ ما لَها انتهاء فضاءاتٌ يعمّها السّلام في الرّحِم للحالمين النّائمين تحت جليدِ البحيرات عيون كمثْلِ أجنحةٍ مائية في داخلي اصطفقنَ الأحمر رأينَه مرّةً أولى دونَ أن يملكنَ كلماتٍ لوصفه من العمى إلى الرؤية خطونَ وليس بالعكس كما هو محتوم في الظّلال ميّزنَني كَمِثْلِ نافذةٍ النّارُ جعلنَها تتبلّر في صرامةِ اللّعب يعرفنَ التحوّل إلى حجرٍ وإلى دوّامةٍ وإلى مرآةٍ مغمضةٍ في النّوم كمثْلِ حلوى مفتوحةٍ للنهار كمثْلِ كفٍّ كلَّ يومٍ يبدونَ وقد كبرنَ سنواتٍ ثمّ يَعُدنَ أنداءً عبثاً حاولتُ أن أتخيّلها لأردّها للطّين النديّ للعالَم. *** 5 سبتمبر 2002 مَن سيتذكّرنا هكذا اليدُ في اليدِ بين الحوائطِ الحُمر عائدَين من السّينما في المساء والشفاه ترتعش ضحكاً من أجلِ كلمةٍ سننطقها فيما بعد خطواتكَ لم تكن أقصرَ من خطواتي أنوارٌ عابرةٌ كالبُروق من سيقول لنا إنّنا لا ننسجمُ وبقيّةَ الصّورة مشوَّشَين كعُقَدِ الأرض التي تُدفِئ الهواء؟ *** حتّى النهاية نحنُ الفتيات الهرِمات الطّفلات الرّاشدات المُوقنات من أنّ حبّاً كهذا هو من الكثافة بحيث ينقلب إلى ضدّه لسنا قريباتٍ ولا بعيدات لسنا في الداخل ولا في الخارج جوهرٌ ذو قوامٍ نحنُ في ما لا يتفتّتُ ولا يكتمل لدينا حاسّةُ لمسٍ وتواصلٌ وانْعداء ننشرُ الخصوبةَ في العالَم كلّه صامتاتٍ ومنهمكاتٍ ومحتفلاتٍ وفيما بعد ناشراتٍ هذه السُّبُل التي نعرفها بروعة في الحفاظ على الجرح بمغادرة الحقل المتعفّنِ من فرطِ سُقياه بؤرةٌ بيننا تشعّ مستبعدةً الكلام نحن بالأحرى أجسادٌ تنفُخُ على المادّة مصْرفٌ للعشقِ بلا شكلٍ لا نقدر أن نرجع إليه لإيفاءِ ديوننا كلّما كثّرنا في الحُجرة المظلمة تتقهقرُ الحركات وأماماً تكون المرآة فارغةً وربّما ساخرةً أيضاً أو قد تكون هي العيَن العاجزة عن أن ترى ذاتها حتّى النّهاية *** وزن الحبّ أنا الملاكُ المصفَّد ناسكُ الأيّام خدِراً من البرد في الشّرفات في الأنجمِ حدّقتُ الأنجم الباردة للأبواب - النوافذ للمصابيح والتلفازات في الظّلمة تنفّستُ رمادَ التّعبِ، الفارغَ أضعتُ عينيَّ وأنا أرصدُكم نياماً هادئينَ أخيراً فيما حولَكم يشتعلُ كلُّ شيء جرحتُ يديَّ فيما أرفع عن أرؤسِكمُ أشواكَ الحديد من دميَ المهراق على خدودكم جَمَدتْ بحيرتان من الألوان بعيداً عنكم غريبٌ أنا إلى الأبد أنا الملاك الذي أصابه الخرَس بفعلِ الأغنية السرمديّة التي أضفرها بأسمائكم والذي يهبكم البقاء الأبدّيّ ويهبه لأرواحكم أيضاً ملاكٌ أصمُّ، ملاكٌ بلا عِطرٍ جاذبٌ هو للحبّ الكامل خطاياكم ارتكبتُها كلّها من خلالي تلقى هيَ تجريمَها وبراءتَها *** سبع خطوات لمَ أرَ قطُّ ما هو أكثر عرياً من يديك عُريٌ هو قمرٌ على خليجِ امتلائك عبرَ هذه الطريق حيثُ لا انحناءة ولا انعطاف طيورُ فجرٍ لستُ أخاف السّعادةَ هذه ينقصني الوقتُ لأخاف أتقدرُ أن تغنّي ذلك؟ كثيراً ما ضعتُ الآن عثرتُ على النّبْر أحترق وأدور في القبر الشمسيّ قبرِ ابتسامتك حيثُ لا يكون سوى العناقِ اللّاهب لرئيسِ الملائكة. *** فسيفساء (بُنِيَ دير Madre de Deus في لشبونة في 1509 بمبادرة من الملكة إليونوراEleonora بعد غرق ابنها، ممّا حدا بها إلى أن تضيف إلى شعارها العائليّ، كنايةً عن حدادها، رسمَ بجعةٍ وشبكةِ صيدٍ للتّذكير بالشبكة التي التقطت جثّة ابنها الحبيب في مياه نهر التاجو. والآن صار مبنى الدّير يؤوي المتحف الوطنيّ للفسيفساء، جُمعت فيه لوحات من الخزف الأزرق والأبيض، البرتغاليّ بامتياز). العاشرة صباحاً. قيظُ نهاياتِ حزيران الرّيحُ حكايةٌ عن النّور والحيطانُ مخدّدةٌ بالصّمت خناجرُ الأندلسيّين الكاسرات زخارفُ على المرمر كالطّباشير بيضاء راسخةٌ في ذلك الخليج دوّامةُ أعمارٍ مرسومةٍ كلّها تُمسك بالرّوح رائحةٌ عذبةٌ لأشياءَ ذبلتْ لدى مرورها بميّت الماء والشّمس يا أمَّ الذّهب أيّتها الأمّ الزّرقاء نفحةٌ غاضرةٌ من الأديرَة تجفّف الشِّباك بعد مرور الصّيد الوحشيّ لستُ أريد أن أرى جانبَ محيّاه الرّخص ينحلّ من جديدٍ تراباً ومن جديدٍ يصير ماءً بعينيه المشتعلتين لستُ أريد معرفةَ اسم القارب الذي ارتطم به صبرُ أذرعة أخرى غير ذراعيّ هَدهدَه إلى الآن لستُ أريد أن أتساءل عن سبب هدوئك وغيرتك أريد أن أنحبسَ ههنا في ظلّه النديّ البارد لألعنَ خفيضاً وأنسى كلّ ما أعرف وما أكون وما أحتملُ، لساناً أسودَ، محارةً معضوضةً بين الأسنان شواطئ باترةً على كونها هامدة لستُ أريد أن أعرف لماذا أنتِ تأتلقين. «ترامْوَي 28»، أيّها الفولاذ الهرِمُ يا من لا تقود إلى أيِّ مكان ولكنّك في الأيّام المضيَّعة صدأٌ مُكَهرَب ينتثرُ في العينين عندَ كلِّ وقفة المسافاتُ التي ابتكرها أولئك الآباء الذين عرفوا كأسماكِ القرش أن يحوّلوا العالمَ إلى سفينة باتت مغلقةً، ووحدَه ينتصبُ جؤجؤٌ محطّم ألقاً معتقلاً في منعطفِ البحر، نُصْباً ندبةً مشوَّهة في الصّورة الثابتةِ للماء والشمس يا أمّاً باردةً أيّتها الأمّ الحارّة يا نفَساً يستريح في النوم إفريزاً صامتاً بمربّعاتٍ يتشكّل في ترتيبٍ معاكسٍ أقدر أن أتعلّم الصبرَ المظلم في التيّار أقدر أن أذيب قسوةَ هذه الحياةِ الواحدةِ المسرفةِ الوقار دوماً أقدر أن أرى سببَ هدأتك وغيرتك أقدر أن أنحتنَي ههنا في الأغطية الباردة لحيطانك أن أعبّر عن الأذى كلّه كما تعصف الريح بوداعةٍ بين العواميدِ أو تحتَ شقوقِ الأبواب فوقَ الشرفات المتآكلةِ بلا حَراك لا شيء ولا حتّى خطوة عبرَ أروقةِ الصّيف هذا رغبةٌ في القلب لا ندري في أيّ شيء الحنينُ كاملٌ لم يُمَسّ أراه في نهاية الخطّ ثانيةً لساناً بنفسجيّاً أو أصدافاً بين الأسنان تنزلقُ آثارٌ لزجةٌ لقبلةٍ أخيرة أقدر أن أعرف بغموضٍ كيف تأتلقين.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©