الاتحاد

تقارير

أوروبا..هل تدير ظهرها للاجئين؟

عندما طفا جثمان الطفل الكردي الصغير «إيلان كردي» البالغ من العمر 3 سنوات على أحد شاطئ بحر إيجه في الثاني من سبتمبر الماضي، بادرت السويد، قوة أوروبا العظمى في المجال الإنساني، إلى العمل من دون إبطاء. فقام رئيس الوزراء السويدي، بتقدم صفوف حملات التبرع، وظهر المشاهير السويديون في برامج تلفزيونية تحث على التبرع، وبدت تلك الدولة، وكأنها تقف صفاً واحداً لاحتضان المهاجرين الذين يأوون إليها هرباً من أهوال الحرب. ولكن بعد أن استقبلت أعداداً من اللاجئين تفوق ما استقبلته أي دولة أوروبية، لم تعد السويد قادرة على الترحيب بالمزيد منهم، بل اضطرت في الآونة الأخيرة، لاتخاذ إجراءات احترازية غير معتادة على الحدود، كما خفضت لحد كبير من المزايا التي كانت تمنحها للمهاجرين.
في تصريح له يؤشر على الاتجاه الجديد لبلاده بشأن استقبال المهاجرين قال وزير الهجرة السويدي «مورجان يوهانسون:» نرغب في عمل أشياء تفوق الآخرين، ولكن نحن أيضاً لنا حدودنا.
ما يقوله وزير الهجرة يمكن رؤية انعكاساته بوضوح في معسكر الخيام الذي أقامته السويد، حيث يرقد عشرات من المهاجرين الذين يواجهون برد شتاء الشمال الأوروبي القارس، كما يمكن رؤيته أيضاً في محطة السكك الحديدية على الحدود بين السويد والدانمارك، حيث يجري إعادة الكثيرين من القادمين الجدد ممن لا يحملون إثبات شخصية، من حيث أتوا.
وتأثير هذه القيود الحدودية، التي تمثل تحولاً دراماتيكيا في موقف السويد لا يقتصر على القادمين الجدد لها، وإنما يمتد تأثيره بفعل نظرية الدومينو المعروفة إلى ما وراءها بكثير، إلى دول مثل المجر ومقدونيا، اللتين قامتا بإحكام إغلاق حدودهما أمام تدفق المهاجرين.
ومن المعروف أن السويد وألمانيا كانتا هما الدولتان اللتان تميزتا بسياسة استقبال مرحبة بالمهاجرين، بعد أن خلقت الأزمة السورية أسوأ موجة للمهاجرين إلى القارة منذ الحرب العالمية الثانية.
أما الآن، فإن السويد تحاول جاهدة منع المزيد من المهاجرين من الوصول إليها، في حين تتعرض المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لضغوط من جانب منتقديها في تحالف يمين الوسط الذي تقوده، كي تتبنى نهجاً مماثلاً لنهج السويد، خصوصاً بعد أن استقبلت بلادها رقماً قياسياً من المهاجرين وصل إلى مليون نسمة خلال عام 2015. وفي الوقت الذي مازالت فيه ميركل تفكر في البدائل المتاحة أمامها، فإن السويد أقدمت بالفعل على اتخاذ إجراءات كانت غير قابلة للتفكير فيها منذ شهور قليلة فقط.
فبدلا من منح إقامة دائمة في السويد، فإن القادمين الجدد من الآن فصاعدا سيكون من حقهم الإقامة فيها بصفة مؤقتة لفترة تتراوح ما بين عام و3 أعوام، مع التزام الحكومة بعدم قبول عدد من المهاجرين يزيد على الحد الأدنى المحدد لكل دولة وفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، واتخاذ إجراءات أكثر صرامة فيما يتعلق بإحضار عائلات المهاجرين المقيمين بالفعل فيها. وعلى الرغم من أن اضطرار السويد إلى اتخاذ تلك الإجراءات أدى إلى موجه من مراجعة النفس وتأنيب الضمير، سواء لدى المسؤولين الرسميين، أو الموظفين القائمين على تنفيذ تلك الإجراءات، إلا أن السلطات تقول إنه لم يكن هناك مفر من اتخاذها لأسباب أمنية في المقام الأول، وخصوصاً بعد أن ثبت بالدليل القاطع أن 3 أشخاص على الأقل من بين المشاركين في الهجمات الدموية الأخيرة في العاصمة الفرنسية باريس قد تمكنوا من التسلل إلى أوروبا وسط طوفان المهاجرين. من هؤلاء المسؤولين ميخاييل ريبنفيكخ، مدير عمليات مجلس الهجرة المسؤول عن رعاية طالبي اللجوء الذي يقول «كنا نفتخر دوماً بأننا نقوم بإيواء الناس في مساكن لائقة، ولكننا في الآونة الأخيرة لم نكن قادرين على معالجة الموقف في الكثير من الحالات». ويقول ريبينفيك إن هناك 23 ألف شخص الآن في السويد، يقيمون في أماكن «دون المستوى»، منهم عشرات يقيمون في معسكر خيام في حقل موحل في الريف السويدي الجنوبي. لم يكن هذا هو المصير الذي يتمناه محمد السوري البالغ من العمر 35، والذي رفض ذكر اسم عائلته خوفاً على سلامة عائلته، التي مازالت باقية في سوريا، الذي يقول إنه على الرغم من أن الخيام التي ينامون فيه مدفئة، إلا أن الوضع سيكون صعباً عندما يسوء الجو. ولكنه لا يلوم السلطات السويدية، التي يقول إنها تفعل ما في وسعها في الظروف الموجودة حالياً، كما أنه لا يبدي ندماً على تركه لسوريا ويقول: ليس أمامي خيار، فإما أن أقيم هنا مهما كانت الظروف، وإما العودة للجحيم في بلاده ويختتم كلامه بالقول: «لم يكن بمقدوري أن أستمر في البقاء في سوريا».

*جريف ويت* وأنتوني فيولا**
*مدير مكتب «واشنطن بوست» في لندن
**مدير مكتب «واشنطن بوست» في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا