الاتحاد

الملحق الثقافي

«آرغو» يسحق «لينكولن»

لم يحدث في تاريخ «الأوسكار» أن قامت سيدة البيت الأبيض الأولى بالإعلان عن جوائزها في حفل جماهيري، لكن هذا حدث مع النجم الممثل والمخرج الأميركي بن أفليك، بعد أن أعلنت السيدة الأميركية الأولى ميشال أوباما في حفل الأوسكار السنوي الخامس والثمانين في لوس أنجلوس فوز فيلمه العالمي «آرغو» كأفضل فيلم.
الحفل الذي تنظمه أكاديمية فنون وعلوم السينما (بافتا)، بثته مئات المحطات التلفزيونية المحلية والعالمية، وقدّمت فيه المغنية شيرلي ياسي أغنية مؤثرة بعنوان «الأصبع الذهبي» وتميز بمشهدية بصرية تليق بالمناسبة، أثار تساؤل كثيرين: لماذا بن أفليك؟ ولماذا فيلمه «آرغو» (نال جائزتين أخريين هما: أفضل سيناريو مقتبس للسيناريست كريس تاريو، وأفضل مونتاج)؟ لماذا يفوز فيلم يتناول أزمة خطف الرهائن الأميركيين في إيران عام 1980، وليس فيلم «لينكولن» الذي يتناول حياة الرئيس الأمريكي أبرهام لينكولن، الذي لم يحصد سوى جائزة أفضل ممثل، ونالها النجم دانييل داي لويس؟ ومن التساؤلات المريبة في هذا الخصوص: كيف ينال «آرغو» الجائزة دون أن يحصل مخرجه بن أفليك حتى على ترشيح لجائزة أفضل مخرج، وهو أمر كان اعتيادياً وتقليدياً في الأوسكار منذ بداياتها؟ فهل كانت هناك لعبة توازنات؟ على الرغم من أن الذين شاركوا في الاقتراع السّري من أعضاء أكاديمية فنون وعلوم السينما على الجوائز زاد عددهم عن 5800 عضو من الخبراء، ومن ذوي الصلة بالفن السابع والثقافة والموسيقى والمسرح والتصميم.
ليست هناك مقاييس في عالم الجوائز والمهرجانات والاحتفاليات الثقافية والفنية، هناك على الدوام رؤية خاصة، وتقاليد، ومنظومات قابلة للتغير، وربما يكون أهم تقليد (رمزي) يخدم ثقافة الحلم الأميركي وأرستها أوسكار هذا العام، هو الظهور الخاص للسيدة أوباما ومشاركتها في هذا الحفل الذي أُقيم على مسرح دولبي في هوليوود وحضره أكثر من 4000 ضيف، وربما يعطي هذا الحضور الخاص صفة جديدة للجوائز تتمثل في ترسيخ مفهوم (القيمة الفنية)، وتقدير نوعي للفن المحترف، وربما يتخطى الأمر ذلك إلى محاولة إعادة الاعتبار للأوسكار التي تبدو لنا في السنوات الأخيرة محاصرة من عديد الجوائز والاحتفاليات السينمائية التي يصطف أمامها نجوم هوليوود قبل غيرهم، وغير ذلك ما يطال هذه الجائزة وتاريخها من نقد بعد كل احتفالية سنوية.. وإن كان ذلك أمرا اعتيادياً بالنسبة للجوائز العالمية الأخرى، إلا أنّه ليس اعتيادياً بالمرة بالنسبة للأوسكار التي يعتبرها نقاد العالم خلاصة الجوائز وأكثرها قيمة. لكن يبقى التقليد الاحتفالي والمهرجاني أهم من الجوائز ذاتها لأن التقليد يكرّس ويبقى، فيما تتغير المراكز وطبيعة الجوائز والفائزين بها.
وإذا عدنا سريعا إلى مضمون فيلم «آرغو»، سنجد أنه يستند إلى قصة حقيقية لمحاولة وكالة المخابرات المركزية الأميركية إنقاذ ستة دبلوماسيين أميركيين من إيران، بعد اندلاع الثورة الإسلامية هناك عام 1979 ـ 1980، تحت غطاء تصوير فيلم هوليوودي مزيف، مضافاً إلى كل ذلك موهبة بن أفليك كممثل رئيسي في هذا الفيلم، وتلك الجماليات السينمائية المبهرة في التكوين والحركة وفن المونتاج القائم على احترافية نوعية تشهد للسينما الأميركية بتأسيس حرفيات سينمائية ناجحة حتى في الأفلام الكوميدية والتجارية الرخيصة. فهل يجوز الاعتقاد بأن بن أفليك قد دفع دفعا نحو هذه الجائزة؟ وأنه كانت هناك إساءة في اختيارات الأوسكار لهذا العام؟
بن أفليك المولود في 15 أغسطس 1972، وبطل فيلم «يوم القيامة» ليس نجما سينمائياً أميركياً عادياً، فهو ممثل ومخرج وكاتب ومنتج، وهو أيضاً ليس غريباً عن الأوسكار، التي نالها أكثر من مرة، وبخاصة في مجال كتابة السيناريو، بعد أن نال الجائزة عن كتابته لسيناريو فيلم Good will hunting عام 1997 مع الكاتب والممثل مات ديمون، كما نال عنه أيضا جائزة «غولدن جلوب» عام 1998. أما فيلمه «آرغو»، فقد نال عنه عديد الجوائز، ربما تكون أهمها جائزة أفضل طاقم تمثيل من نقابة ممثلي السينما في الولايات المتحدة، فقد قام بأداء أدواره إلى جانب بن أفليك، كل من: برابن كرانستون، آلين أركين، جون غودمان.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن رابطة المخرجين الأميركيين، ربما تكون عن قصد أو غير قصد، قد أعادت الاعتبار للرجل، بعد أن منحته جائزة أفضل مخرج، وهي الجائزة التي لم ينلها في الأوسكار الأخيرة، وهذه سابقة في تاريخ هذه الجائزة، فمنذ عام 1948 لم يحدث سوى ست مرات فقط أنه لم يرشح فائز بجائزة رابطة المخرجين الأميركيين لنيل جائزة الأوسكار لأفضل مخرج. وربما كثيرون لا يعرفون عن بن أفليك أنه «رجل سياسة»، له رؤية خاصة تجاه عديد القضايا السياسية في أميركا والعالم، سائراً بذلك على نهج زميله الممثل جورج كلوني، الذي اتجه منذ زمن إلى غمار عالم السياسة، إلى جانب شهرته كممثل ومخرج. إذن هي تحولات ممنهجة في الحياة السينمائية لبن أفليك الذي يحاول جاهدا تكريس نفسه كمخرج، بعد أن نجح في تأسيس اسم له في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بعرضه ثاني تجربة إخراجية له بفيلم «البلدة» من بطولة الممثلة البريطانية ريبيكا هال.
الأمر كما يبدو بحاجة إلى وقفة بعد أن تفوق بن أفليك على المخرج العالمي الكبير ستيفن سبيلبيرغ صاحب فيلم «لينكولن»، الذي كان مرشحا لنيل 12 جائزة «أوسكار»، وهو واحد من تلك الأعمال السينمائية العظيمة التي تناقش حكاية القضاء على العبودية في أميركا، ملقياً الضوء حول ما حدث في أروقة البيت الأبيض، والصراع بين الديموقراطيين والجمهوريين حول تمرير إضافة المادة الثالثة عشر في الدستور الأميركي، والتي تنص على إنهاء العبودية بأشكالها كافة في هذا البلد.
ربما يكون أغرب ما رشح عن فوز «آرغو» بهذه الجائزة، ما تعتزم أن تقوم به السينما الإيرانية، حيث أعلن في أكثر من وسيلة إعلامية، أن المخرج الإيراني عطاالله سالمنيان، كلف مؤخرا بإنجاز فيلم بعنوان «القيادة المشتركة» ردا على «آرغو» الأميركي، فهل بدأت حرب السينما من منظور سياسي؟
وفيما تجذب هذه الإشكالية الاهتمام الإعلامي والنقدي حاليا، تبقى كثير من الأسئلة مطروحة حول اختيارات هذا العام، مؤكدين على الدوام أن التوازنات في الثقافة والفنون تخضع باستمرار لمسائل وتفاصيل كثيرة خارج منظومة الجماليات والنوعية والاحترافية، وتعزيز الفكر العظيم، ليظل التكريم، وتظل الجوائز، والعمق الفني، المثلث الأبدي، تحت طائلة السؤال. لكننا إذا عدنا قليلاً وسريعاً إلى تصريحات أدلى بها بن أفليك حول سينما هوليوود، سنجد أن هناك مقاربة بين فوزه في جانب وخسارته في جوانب أخرى من الأوسكار، كما سجل كبار المخرجين والأفلام خروجاً من هذه الحلبة، فقد وصف الرجل مدينة السينما العالمية هوليوود بأنها غابة مليئة بالثعابين والمجانين بسبب التأثير الذي يفرضه مجال التمثيل على الجميع، كما وصفها بأنها كغرفة الضغط العالي تحت الماء، التي يحتاج الشخص إلى بعض الوقت للتعايش معها، مؤكداً أن ظاهرة أفلام العنف الدموي في السينما الأميركية ستخرجها يوما من القيمة الإنسانية لصناعة الفيلم الجماهيري. قال الرجل كلاماً كثيراً عن الفن السابع وأهله، مختصراً كل ذلك بأن الفيلم هو فكرة إنسانية بالدرجة الأولى، فهل كان فيلمه «آرغو» يحمل هذه القيمة الإنسانية؟

اقرأ أيضا