الاتحاد

الملحق الثقافي

لماذا تُطوى الطفولةُ بعيداً عن الندم؟

يكاد شعر أميركا اللاتينية يكون مغموراً باستثناء بعض الشعراء الذين جرى ترجمة بعض أشعارهم أو كلها، من خلال طفرة في ترجمة الشعر إلى العربية شهدتها الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، من طراز التشيلياني بابلو نيرودا والمكسيكي وأوكتافيو باث، والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، هؤلاء الذين يتلكأ بعدهم العدّ. والحال أنه ما من مجازفة في القول بأن الشعر في اميركا اللاتينية ما زال بعافيته على نحو هو الأكثر تميزاً عالمياً، أنتج هذا الحراك شعراء من مستويات متعددة ينتمون إلى مدارس شعرية أو لا ينتمون، وظلّوا شعراء فرادى، لكن الشعراء الجديرين بتوصيف «شعراء كبار» من بينهم عددهم ليس سهلا. هكذا، بالنسبة للثقافة العربية الراهنة، فإن الشعر في أميركا اللاتينية يشبه القارة ذاتها، إنه مجهول جداً بالنسبة لنا.
هنا محاولة لتقديم أحد الشعراء، هو ادواردو اسبينا (1954) من الأوروغواي، الذي يوصف بأنه أحد الشعراء المتميزين الذين انشغلوا بالشعريات في العالم ونقل رموزها إلى الإسبانية، وكذلك من الإسبانية إلى العالم عبر اللغة الإنجليزية. أنهى دراسته الأكاديمية في الولايات المتحدة، وما زال يعمل ويقيم فيها، فقد كان عضوا مشاركا في برنامج الدولي الذي يتبع جامعة أيوا التي تخرج منها منذ كان في الرابعة والعشرين من عمره. وحاليا يعمل أستاذا لمادة الكتابة الإبداعية وأدب أميركا اللاتينية في إحدى أشهر جامعات أميركا التي تدعى Texas AM، حيث يشرف على ملحق لمراجعات الكتب الصادرة في أميركا اللاتينية، وتُعنى بشؤون الأدب والثقافة إجمالا. كما أسس مع الشاعر الأميركي شارلز بيرنشتاين دورية فصلية تُعنى فقط بالشعريات الجديدة في العالم: «عالم الشعريات الجديد» التي تطبع باللغتين الإنجليزية والإسبانية.
يوصف ادواردو اسبينا بأنه غالبا ما يكتب قصائد طويلة، أي أنه شاعر «طويل النَفَس» كما يُقال في الدرس النقدي العربي. إنما بحسب قراءة قصائده المتوافرة على الشبكة الإلكترونية بالإنجليزية، فإن اسبينا يستقي مادة شعره من تفاصيل حياته وتجربته الانسانية وذكرياته وتأملاته وثقافته، وميزة شعره هنا أنه يقوله بلغة بسيطة جدا، ليست متعالية وليست يومية أيضا، كأنما الرجل يأخذ تلك التفاصيل اليومية إلى مكان عال يجعل الشعر، كما المصير الفردي، مادة جديرة بالتأمل، ومع شعريته العالية يشعر القارئ بأن الشخص السارد في القصيدة فرد عادي يعيش كما الآخرون، إنما بروح شاعر حقيقي.
هذه القصيدة، التي ربما هي الأولى بالعربية لادواردو اسبينا، ثمة «غنائية» عالية هي حاجة السرد الحكائي والنفَس الملحمي الذي يرفع من قيمة شعريتها وتؤسس لأفق آخر مختلف للتلقي، حيث لا يتقاطع الخاص بالعام هنا، بل يلتقي الأفراد في ذلك الأفق، ربما لذلك فإن شعر اسبينا قد يُقرأ أكثر مما أنه يُصغى إليه. يبقى القول إنه ما من صعوبة في قراءة هذه القصيدة، إنما ينبغي الإشارة إلى أن كلمة «منفردة» في العنوان الفرعي للقصيدة هي مفردة قادمة من علم الموسيقى على النحو ذاته، عندما نصف عزفا أنه «عزف منفرد»، وكلمة «إيضاح» هي في الأصل في حال جمع وتعني التعريف أو التعيين، أما زينو (490 ـ 460 ق.م)، فهو فيلسوف ظهر في جنوب إيطاليا وسابق على أرسطو الذي وصفه بالجدلي في حين وصف الفيلسوف الانجليزي برانتد رسل مفارقاته بأنها «حاذقة وعميقة».


شعر: ادواردو اسبينا
ترجمة وتقديم: جهاد هديب

(أسباب بلا رجوع منفرد)
أكانت تلك حادثة وسببا؟
أكانت تلك حادثةً؟ وسبباً لدخول كثيرين
مثلما تدخل حكايةٌ إلى المخيّلة ثم تُبقيها مغلقةً؟
الحياةُ شجرةٌ من حادثاتٍ في تبدُّلٍ بسبب جهالةٍ.
أنْ نجهلَ: (تلك فكرةٌ غامضةٌ لا تقتربُ منّا قادمةً على رؤوس أصابع قدميها).
أبي يضطجعُ ميْتا على مقربةٍ من الإيضاح، وكانت أمي ذات مرّةٍ
قد عرفت ذلك الصوت، وقد توقف فجأة عن كلامٍ، بمقدوره أنْ يقوله في أية لغة؛
وأنّه استطاع أنْ يظلّ ساكنا إلى أنْ جاء وقتٌ
امتلك فيه كلماتٍ كي يمنحها معنى. إنْ كان هذا سببٌ في أخذه
إلى يوم الحساب، فإنّ الأيام كلَّها، بساعاتها المتواصلة، قد فرَّتْ إلى لمحةٍ.
هم أنفسهم يبقون هادئين، فحسب، في مرايا الموت
قبل الصور، كلُّ واحد منهم أفضل من الآخر، بينما ربما جميعا، قد كانوا.
عادوا بعدئذٍ، وكان الماضي قد بدأ قبل يوم من أنْ يصبح حقيقيا الآن،
واقترب جيدا من كل شيء باستثناء المعنى الذي لم يدعه يقترب.
إنْ أدركتْ أمي ذلك، فقد كان ينبغي عليها أنْ تموت بدلا من أنْ تتريَّثْ لأسابيع، مع أنّها منذ البدء أتقنتْ، تماما، كيف تتنفس ببطءٍ فيما تقترب من الأفكار التي كانت تفرُّ من الحديقة، هي التي منذ قرابة ديسمبر ـ هو شهر آخر في الذاكرة ـ تتنفس بدءا من الأقل إلى هكذا، أو أيضا على العكس من ذلك؛ لأن من الرائع أنْ تراها الريح هكذا لبرهةٍ، تلك الريح التي دبّرتْ مكيدةً للفُرْقَة.
إنّ دفْنَ والديك يشبه مرورا في طفولة دون أنْ يكونا هناك للأبد، أو دون أنّ تحفظ عن ظهر قلب ذلك الاسم المجهول الذي تدين له بكلّ شيء.
الغامض يدرك المنيّ، حتى قبل أنْ يسميه بعهد بعيد،
وقبل عهدٍ أبعدَ من: أنَّ الرجوع إلى الوراء ليس بحادثة، أحدٌ ما دفعَ ما يسقطُ، ثمّ طوّق السقوطَ كي يجعله يشعر كأنْ لم يشعر بأذى.
الموتُ يعني الرجوع بالألم ذاته الذي سوف ترجع فيه الحياة، على الرغم من أنني لم أكن أكيدا تماما من: إنْ كنّا سنحيا فينبغي علينا أنْ نمتلكَ عمْرا.
تمضي الطمأنينة عجولةً مثل زفافٍ جرى خلسةً من زينو. إنه لواضحٌ: التقرير الطبي قد استسلم لما وراء الطبيعة كي يكون شابّا؛ إذ إنّه نادرا ما هزم إحساساً مألوفاً بخطابٍ عن الحقيقة وحدها.
أيُّ حقيقةٍ هذه؟ حقيقة أفعالٍ أم حقيقةُ حقائق نجمت عن الأبد؟
أيُّ أحدٍ استطاع قول ذلك، فإنّ بمقدوره أنْ ينعم النظر كي يدرك على أيِّ نحوٍ كانت.
كانت قاتمةً ـ حسنا، لذاك الصيف الكثير منها هذه الحقيقة ـ عندما جثة رجلٍ أُدخلت إلى جسد أبي، مع أمي التي لا تزال هناك.
رجوعٌ، رأينا ذبابا، حتى أن شجر الليمون والحور ارتحل مع أول شيء قد حدث؛ وحتى أنّ الماضي مرّ على طول رصيف المشاة، بينما يقايض النوايا ببضعة أنواعٍ من الشكل. كم من السهل أن تلهو عندما تطمُرَ كنزا، وكم يصعب ذلك عندما تُدفنُ أسبابُ لماذا تُطوى الطفولةُ بعيدا عن الندم.
مضينا من صوتٍ إلى صوتٍ حتى شاهَدَنا القبرُ، غادرْنا ثم تلاشينا، عدنا وهلمَّ جرّا، مثلَ موقدٍ من بضعة دمعاتٍ عند مذبح في كنيسة.
التقدّم نحو الباب، المدخل أم المخرج، إنه محتَلٌّ، حسِبْنا أنّ الضوء قد جاء بعدنا، مع أنّه لم يظنّ ولوقت طويل: أننا غادرنا وحدنا مثلَ هواءٍ ينبغي عليه أنْ يغادر بعد سنين من نافذة تُركتْ مفتوحةً.
على ورقةٍ، حيث الروح لم يكن بوسعها قول كلِّ شيءٍ، كتبْتُ: «إنّه لمِنَ الغريب جدا أنْ تغادر المقبرةَ بسبب رغباتٍ ما».
لم أُدرك كم كان الوقت تحديدا، ذهبنا إلى البيت كي نلتقي بلا شيء. كان لا شيء ـ مثلما لا نرغب أبداً في أنْ نراه ثانية ـ يُكملُ بكاءً وُجِدَ أسفلَ مطرِ إشراقةٍ جرى تأويلها، لا شيء من لا شيء نفسه، بل وينتسب إلى لا أحد، وليس إلى يومٍ ما يخصّ لا أحد. وعِوضا عن أنْ نفتح البابَ، لا ندري كيف، وجدنا الموتَ يسألُ: أين الباب؟.

اقرأ أيضا