الاتحاد

الملحق الثقافي

طفل القدر

زاحمت الأفكار عقلها الأنثوي الذي ظل يعيش واقعاً كما يقال عنه خيالي. تسرح إلى أزهار الحدائق وزغردة العصافير في الجداول، تبتسم بطرب، وتحيك بإبرتها خيوط أحلامها الباسمة.
صوت الأب يقرع أذنيها «غرفتك هي دنيتك... وجنتك». ويذهب حاملاً مفاتيح (سجنها) بيده.
تغسل جدار غرفتها بعينيها، تنظر إلى فراشتها المحببة، كيف تلبس ألوانها المفضلة وترتدي البنفسج في جناحيها وتلف جسدها الرشيق باللون الوردي الفاتح.
أحسدك أيتها الفراشة. وبما أنك ما زلت ملكي فأنا سعيدة؛ لأن جمالك من جمال نفسي.
يقبل الليل ليلبس العالم ثوبه الثقيل المصفد بالسواد؛ فتفرح (سُها) للحظة المساواة بينها وبين الناس، ما جعلها تبتسم لقدوم الليل، وتجرجر لسانها شاكرة الليل المنصف:
«شكراً عدالة السماء... أنا في شوقٍ إليك».
تبقى في مناجاة الليل، وهو سلوتها، ولحظة ندائها يستلقي جسدها الممشوق على السرير؛ فيهتز كردة فعل الخائف أمام غنجها الفاتن... تضطرب أعصابه المترابطة بعضها بعضاً، وتلقي (سُها) النظر حول شباك غرفتها الوحيد.
صفير ريح تلك الليلة أشبه بشبابة الرِعاء؛ لأن شباك غرفتها قد ثقبت زجاجَه حجرُ طفل الجيران ذات يوم (قبل عامين) فأرعدت (سُها) عليه بسخطها؛ فذهب إلى بيته ناظراً لها بعين القهر.
أما هذه الليلة، فقد تمنت أن ترى ذلك الطفل لتغزل له قبلة شُكر لصنيعه.. وتوصله رسالة حلمها الذي أصبح (فارسه). بات ثقب الشباك هو خيط اتصالها بالعالم من حولها، فصباح كل يوم يغازلها قرص الشمس فتنظر إليه بحياء فيه سحر قاتل.
صفير ريح المساء يموسق لها أغنيتها المفضلة (لتلتوي) بجسدها حول نفسه في دلال فاتن.
تنظر كل يوم في ثقب الشباك علّهُ يكبر...
ترسل رسالة إلى طفل الجيران عبر الشباك، فحواها: «ترى كم صار عمرك بعد مرور عامين؟».
وتناجيه:
«هيا افتح ثقب الشباك أكثر.. أيا طفل القدر».

اقرأ أيضا