الاتحاد

عربي ودولي

الإعلام المصري والفشل في تسويق الإصلاح السياسي


القاهرة ـ حلمي النمنم :
اتجهت مصر في السنوات الاخيرة إلى ما يعرف بمشروع الإصلاح السياسي وبات من المهم تحليل الخطاب الإعلامي وتحديداً الصحفي حول الإصلاح السياسي المنشود وهو ما قام به كل من د· راسم الجمال ود· خيرت معوض في كتابهما الذي صدر مؤخراً·
انطلق الباحثان من مفهوم أساسي هو 'التسويق السياسي' وهو مفهوم علمي ولكنه حديث جداً فلم يعرف إلا في الثمانينات من القرن الماضي وهو ابتكار أميركي في الأساس ويعكس كثيراً من خصائص النظام السياسي الأميركي وقد بلغ دخل صناعة التسويق السياسي في الولايات المتحدة في عام 1996 حوالي 6 مليارات دولار ورغم ضخامة هذه الصناعة وعائدها المالي فإن البحوث العلمية التي تتناولها قليلة وانتقلت هذه الصناعة من أميركا إلى دول أوروبا الغريبة وإن كان اداؤها أقل وربما كان عجز البيئة السياسية الأميركية عن خلق 'كاريزمات' سياسية مثل أوروبا هو ما يضطرها إلى الاعتماد على الأساليب التسويقية لبناء زعامات وقيادات سياسية أمام الرأي العام كما حدث في معركة بيل كلينتون الانتخابية الأولى وتوني بلير في بريطانيا وجيرهارد شرودر في المانيا وماري روبنسون للفوز برئاسة وزراء ايرلندا في عقد التسعينات·
ولعل أهم أدوات ووسائل التسويق السياسي هو الإعلام حتى أن بعض الباحثين يرجع ظهور التسويق السياسي إلى الثلاثينات من القرن الماضي حين أنشئ معهد جالوب في الولايات المتحدة، وكذلك عملية استطلاع أو قياس الرأي العام·
وهنا يصبح السؤال ملحاً: هل النظام الإعلامي المصري مهيأ للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي؟ وهل هو مهيأ لاستخدام مفاهيم واستراتيجيات التسويق السياسي؟
المستهلك السياسي
ومحاولة الاجابة تقتضي التنبيه الى ان عملية التسويق السياسي عموما تقتضي وجود وسائل اتصال مستقلة وحرة، وهذه الوسائل تعد عنصرا اساسيا في الاصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وبهذا المعيار فإن البيئة الاعلامية في مصر -الآن- غير مهيأة للتحول الديمقراطي او لما يطلق عليه الاصلاح السياسي، وغير صالحة للتسويق السياسي، حتى لو مُنحت أحزاب وحركات المعارضة فرصا لطرح منتجاتها وعروضها السياسية فالعبرة بالخطاب السياسي العام، الذي تتبناه وسائل الاعلام الاكثر جماهيرية 'الراديو والتليفزيون' ذلك ان النظام الاعلامي المصري مملوك للدولة وخاضع لهيمنة الحزب الوطني ولا يوفر سوقا حرة لطرح كل المنتجات والعروض السياسية، ولا يتيح للجمهور التعرف إلى كل الطروحات السياسية، ومن ثم فإن السوق على هذا النحو مقيدة من قبل حزب واحد وتطرح خطابا سياسيا واحدا، وتقدم قصصا ذات توجه واحد، والحزب الوطني الحاكم هو الوحيد القادر على الاستثمار في هذه السوق·
وهناك عدة مؤشرات على أن السلوك السياسي للنظام الاعلامي المصري ـراديو وتليفزيون- غير مهيأ للاصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، فقد اثبتت عدة دراسات ميدانية أن الصفوة والنخب السياسية تعتمد على الاذاعات الدولية والمصادر الاجنبية للأخبار اثناء الازمات الداخلية، ويقل اعتمادها على الوسائل المصرية، وبالنسبة للنخب السياسية التي تلعب دورا في السياسة المصرية أو تسعى لأن تلعب دورا، فقد أوضحت إحدى الدراسات أن الصحافة المحلية تلقى اقبالا من أفراد هذه النخب كمصدر للمعلومات وتزداد ثقتهم بها، ولكن إحدى الدراسات حول انتخابات البرلمان المصري عام 2000 أثبتت ان 37,2 في المئة فقط من قادة الرأي في مصر اعتمدوا على وسائل الاتصال المصرية في الحصول على معلوماتهم السياسية وأن 19 في المئة فقط اتصلوا بهذه الوسائل للحصول على معلومات تساعدهم في المشاركة في العملية الانتخابية·
وأثبتت بعض الدراسات أن الاداء الاعلامي يقلل المساحة المتروكة لوسائل الاعلام لتنشيط المشاركة السياسية للأفراد وقد فشلت وسائل الاعلام في تصحيح صورة البيئة السياسية في مصر وتشجيع الافراد على المشاركة، بسبب الافتقار الى الدقة والسرعة في تناول الاحداث وتواضع مستوى المعالجات الاخبارية والاعلامية للقضايا السياسية المحلية والتزامها بالنهج الرسمي للسلطة، مما أفقدها القدرة على جذب الجمهور وأفقدها قدرا كبيرا من مصداقيتها، وفي دراسة حول برامج الرأي في التليفزيون المصري والاذاعة ومدى اهتمامها بقضايا الجماهير -المستهلك السياسي- ثبت تجاهل تلك القضايا فهناك غياب كامل للآراء الخلافية مع الغياب شبه الكامل لقادة احزاب المعارضة من خريطة ضيوف البرامج، إلا فيما ندر مما يحرم الجمهور من الاطلاع على العروض السياسية المختلفة في السوق·
وقضية ارتفاع الاسعار جاء ترتيبها رقم 21 من حيث الاهمية بالنسبة لبرامج الرأي في الاذاعة وهي رقم 7 في برامج التليفزيون، وقضية الاسكان وأزمة الشقق رقم 22 في الاذاعة وفي التليفزيون تصبح رقم 8 اما ازمة البطالة فهي رقم 68 في برامج الاذاعة وفي التليفزيون رقم 22 ولم تناقش قضية تدني مستوى الدخل في التليفزيون بينما هي رقم 60 في الاذاعة!! ومشكلة التعليم هي رقم 7 في الاذاعة وفي التليفزيون تدخل في الرقم 15 ومشكلات الخدمات والمرافق رقم 24 في بالاذاعة وفي التليفزيون رقم 11 والقائمة طويلة غير أن ما أثبتته الدراسة أن الآراء والافكار التي يتبناها الخطاب الاعلامي الرسمي تجاه هذه المشكلات والهموم مخالفة في كثير من الاحيان لآراء وتوجهات الجماهير·
هموم الناس
وأثبتت الدراسات انه لا توجد علاقة تلازم بين انتشار تقنيات الاتصال الحديثة المتمثلة في البث والقنوات الفضائية والانترنت من جانب وزيادة حجم المعرفة والمشاركة السياسية، أو دعم التغيير السياسي لأنه من الناحية العلمية لا يمكن ايجاد علاقة سببية بين هذه التقنيات والتغيير السياسي من دون دراسة دور المؤسسات السياسية الوسيطة -مؤسسات المجتمع المدني- واذا لم تكن هذه المؤسسات على درجة كافية من النضج، فإن التأثير السياسي لهذه التقنيات يمكن احتواؤه وتستمر الدولة قادرة على صياغة الخطاب السياسي والهيمنة عليه، وهو ما يحدث في مصر الان·
وقد يتصور البعض أن وصول نسبة كبيرة من المصريين الى القنوات الفضائية الاخبارية ونسبة لا بأس بها الى الانترنت يمكن ان يساعد على خلق نمط غير تقليدي من المعرفة السياسية وبناء اتجاهات سياسية تزيد حجم المشاركة، ولكن هذا التصور يظل مجرد افتراض نظري، فلا يوجد دليل عملي، حتى الآن، على أن انتشار التعرض للقنوات الفضائية والوصول الى الانترنت قد أحدث اي تحرك فعلي نحو الديمقراطية أو الاصلاح السياسي في أي مكان في العالم، ويسري ذلك على الدول المتقدمة كما هو في الدول النامية، على السواء·
وفي مصر شهد النظام الاعلامي انفتاحا نسبيا في السنوات الاخيرة، لكن هذا الانفتاح لم يغير مضمون وسائل الاتصال الاكثر جماهيرية -الراديو والتليفزيون- بحكم تبعيتها المباشرة للسلطة، التي تعتبر النظام الاعلامي نظاما فرعيا لها، وظيفته الاساسية انتاج مضامين الدعاية السياسية المطلوبة، ولو باستخدام نفس الاساليب الدعائية التي انتهت في أوروبا منذ الثلاثينات من القرن الماضي·
والامر يختلف نوعا ما بالنسبة للصحف المصرية، فقد تنوع الخطاب الصحفي، خاصة في قضية الاصلاح السياسي، إذ تركز هذا الخطاب على بناء معاني النصوص واطرها في السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي المصري، أكثر من التركيز على البناء البلاغي لهذه النصوص· وقد كشف الطابع الجدلي لخطاب الصحف المصرية في الإصلاح السياسي عن انه بمثابة صراع أيديولوجي للسيطرة الفكرية على اتجاهات الجمهور المستهدف في السوق، ومن هنا توقف الباحث امام صحف 'الأهالي والوفد' من يونيو 2004 وحتى نهاية العام وكذا صحيفة 'الجمهورية' طوال نفس السنة، طبقا لمواقعها على الانترنت·· وطرح الباحث مجموعة من التساؤلات، تتعلق بمبررات الإصلاح السياسي وعلى من تقع المسؤولية في المشكلات التي تتطلب الإصلاح·
المبررات
ويرصد خطاب صحيفة 'الأهالي' فئتين من المشكلات تتطلب اصلاحات سياسية، الأولى تتضمن الواقع المجتمعي والمعيشي للمواطن المصري، وهو مليء بالأزمات والمشاكل التي نتجت عن الليبرالية الاقتصادية الذي تتبناه الحكومات المصرية المتتالية· والفئة الثانية ناجمة عن ديكتاتورية نظام الحكم في مصر، كما تقول 'الأهالي' التي تتبنى منهجا بين آليات المطالبة بالاصلاح السياسي والاجتماعي في مصر، رغم ان هذا المنهج يختلف تماما مع أيديولوجية الحزب الذي تعبر عنه 'الأهالي' وحزب التجمع ونقطة البداية في الاصلاح لدى 'الأهالي' هي الاعتراف بأن السياسات الاقتصادية الرسمية التي تتبع في مصر منذ عام 1975 والانفتاح الاقتصادي قد فشلت في تحقيق الرخاء للمواطن، بل زادت معها المشكلات من غياب السكن الملائم والخدمات الصحية وجميع المرافق الاخرى·
ويختلف خطاب صحيفة 'الوفد' إذ يرصد ثلاثة أنواع من المشكلات، يعتبرها مبررا للاصلاح السياسي، هناك المشكلات السياسية، حيث تعاني مصر كما تشير 'الوفد' منذ نصف قرن، تاريخ قيام ثورة يوليو، من فساد سياسي متمثل في احتكار السلطة من قبل الحزب الحاكم، الذي يعد امتدادا للمنظمات السياسية الشمولية من الاتحاد القومي إلى الاتحاد الاشتراكي·· فضلا عن عدم وجود برلمان يحاسب ويراقب، لأن البرلمان جاء عن طريق تزوير إرادة الأمة·
والفئة الثانية من المشكلات التي ترتبط بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتتعلق بمعاناة المصريين اليومية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي بسبب الركود وانخفاض مستوى الدخول، وتدني الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع البطالة·· وحدثت هذه المشكلات بسبب 'مواصلة الحكومة سياساتها الاجتماعية والاقتصادية الفاشلة لصالح قطاع محدد من الرأسمالية المصرية· فقد دخلت مصر مئات المليارات من الدولارات، قد نعرف أين ذهب القليل منها، ولكن لا نعرف أين ذهبت الحصة الأكبر، لانه لا يوجد من يحاسب··'
والفئة الثالثة من المشاكل هي الثقافية ونتجت عن السياسة الاقتصادية الفاشلة والنظام الشمولي، ودفع ذلك المصريين إلى الهروب نحو أوروبا عبر ليبيا وتركيا بحثا عن 'لقمة العيش المغموسة بالدم وتفضيل الموت في البحر على العيش في بلدهم' ونتج عن ذلك 'انهيار معنى المواطنة' وأيضا 'فقدان الانتماء للوطن الذي تخلى عنهم·' وحمل خطاب 'الوفد' احتكار الدولة للاعلام جانبا كبيرا من المسؤولية عن تشويه الحقائق، إذ أدى هذا الاحتكار إلى 'ازدهار مفاهيم أخذت عنها الأجيال الحديثة زادها الفكري في التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد، ولعبت دورا في اخفاء الاخطار التي تحيط بمصر وتتربص بالبلاد، وإبراز الديكتاتورية في صورة الدرع الذي يحمي المجتمع من المخاطر، وتخويف الأصوات التي تنادي بالإصلاح السياسي، على أساس أن البلاد غير مهيأة لذلك··'
صحيفة 'الجمهورية' لم تظهر في خطابها مشكلات تستدعي الإصلاح السياسي، فمصر تعيش في العشرين عاما الماضية عصر النهضة الكبرى'·· وعندما يريد البعض منا تجريدنا من الأسلحة الحضارية التي صنعناها بأيدينا وعقولنا، فلابد ان يطرح ذلك علامات استفهام كثيرة من بينها، باسم من يتحدثون وما علاقاتهم الحقيقية بأميركا وما الدوافع التي حركت خيالاتهم، لكي يرددوا ان أوضاعنا وصلت إلى حالة غير مسبوقة من الضعف شملت كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية'؟ انطلق خطاب 'الجمهورية' مما يمكن تسميته اللا مشكلة، ومن ثم فالاجابة أصلا لا إصلاح، فنحن نعيش أزهى عصور الديمقراطية· وتقول الصحيفة: 'ان مصر عرفت طريق الديمقراطية منذ زمن طويل، وان منافذ الحرية التي تفتحها الآن لا تكاد تتوافر في بلاد أخرى عديدة، بل ان حقوق الإنسان في مصر أفضل منها في الولايات المتحدة وفي بريطانيا، فهناك إجراءات استثنائية لكن عندنا '·· وفي الوقت الذي تحدث فيه تلك الإجراءات العنيفة والمشددة والقاسية، نجد ان مصر قد أخذت منذ فترة ليست بالقصيرة تتحرر من أي استثنائية تقديرا من الرئيس مبارك لانسانية الإنسان·· واحتراما لقدره·· وحفاظا على كرامته·
وخطاب اللا مشكلة في صحيفة الجمهورية انطلق من المعاني السياسية والأمنية إلى كافة الجوانب، في التعليم وفي القضاء وفي الصحة والمعاشات لا مشكلة اطلاقا على كافة الصعد·

اقرأ أيضا

مجلس الأمن يرجئ التصويت على قرار بشأن أفغانستان