الاتحاد

عربي ودولي

الصين وسياسة تقريب وجهات النظر


ترجمة - د· عماد حمودة:
يعزو المعلقون السياسيون استئناف الجولة الرابعة من المحادثات السداسية الأطراف التي جرت منذ أيام في بكين بعد فترة الانقطاع التي استمرت ثلاثة عشر شهرا إلى الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلت في الأسابيع القليلة الماضية، والتي أثمرت عن اعتراف واشنطن بكوريا الشمالية كدولة ذات سيادة·
وعن عرض سيوول تزويد كوريا الشمالية بالطاقة الكهربائية في حال نجاح نزع السلاح النووي وعن إبداء بيونج يانج بعض علامات المرونة تجاه ذلك، مع ذلك فإن للصين فضلا في استئناف المحادثات وإنهاء العقدة التي وصلت إليها الأزمة النووية في شبه الجزيرة الكورية، فينبغي بشكل خاص الاعتراف بفضل بكين في مثابرتها واتزانها الدبلوماسي الذي تحلت به خلال فترات الاضطرابات والعثرات·
وفي دعوتها إلى اللجوء إلى الحلول السياسية والدبلوماسية لحل الموضوع النووي· وفي جهودها الحثيثة من وراء الكواليس لإقناع بيونج يانج للعودة إلى طاولة المحادثات· وفي مقاومتها لتهديدات الحظر الاقتصادي في حال فشل المحادثات لقناعتها بأن هذه التهديدات لاتضمن النجاح بل ربما يكون لها مفعول عكسي كبير· وحتى خلال فترة الثلاثة عشر شهرا التي توقفت فيها المحادثات بين الأطراف الستة وهي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والصين واليابان والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، فقد تابع المسؤولون الصينيون ودون كلل العمل مع كل الأطراف المعنية محاولين جهدهم في الوصول نحو الغاية النهائية للمحادثات والمتمثلة بنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية·
خيارات صعبة
لقد كانت الصين تدرك تماما أهمية الوضع فلم تثنها الصعوبات التي واجهتها أو الفجوة الواسعة ما بين المواقف الكورية الشمالية والمواقف الأميركية في التأكيد المستمر على أهمية السعي للحل الدبلوماسي والسياسي··خاصة بعد أن غدا واضحا أن الحل الليبي المتمثل بتخلي الدولة الطوعي عن برامجها في التسلح النووي هي فكرة بعيدة المنال، وأن الحل العراقي -الغزو- شكل خطرا كبيرا·
وعندما تم طرح اقتراحات وانحيازات عملية لحرمان كوريا الشمالية بشكل أكبر من بعض الميزات تبنت الصين سياسة مشاركة بيونج يانج معها والعمل كعامل وسيط ذات نية حسنة يقوم بإيصال الرسائل ما بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأميركية ويزود بقنوات الاتصال المحدودة بينهما· وعمليا فإن تصريح كوريا الشمالية في بداية يوليو الحالي في العودة إلى طاولة المحادثات جاء عقب اجتماع لها في بكين· بالإضافة إلى كل ذلك فقد أوفدت واستقبلت الصين وفودا إلى ومن بيونج يانج في سعي منها لتفهم وجهة النظر والإيضاح وأيضا للبحث عن فرص للتعاون·
وقد رفضت الصين كل الضغوطات التي مورست عليها لكي تفرض تدابير صارمة تجبر من خلالها كوريا الشمالية على التخلي عن برامج أسلحتها النووية··وفي الوقت الذي حافظت فيه الصين على فكرة إبقاء شبه الجزيرة الكورية خالية من السلاح النووي وأبقت ذلك هدفا أساسيا لها إلا أنها عارضت كل التهديدات الداعية لاستخدام القوة ضد كوريا الشمالية أو فرض أي حظر اقتصادي ضدها بسبب تخوف الصين من نتائج هذه التهديدات على مصالحها الأمنية وكذلك وبنفس القدرعلى استقرار وأمن المنطقة، خاصة أن كوريا الشمالية كانت تعاني من فقد الثقة بالآخر ومن العزلة الشديدة مما قد يجعل ردود أفعالها قوية وأحيانا غير منطقية فيما لو تمت محاصرتها والتضييق عليها·
أساطير على التنين
بسبب أن الصين كانت الطرف المضيف للمحادثات المتعددة الأطراف والحليف السابق لكوريا الشمالية لذلك فقد تركزت الاهتمامات نحوها منذ بداية الأزمة النووية التي تفجرت في أكتوبر ،2002 وبرزت توقعات غير واقعية وادعاءات غير مثبتة بشأن ما يمكن وما يجب لبكين أن تقوم به· ولقد آن الأوان لدحض تلك الأساطير· كان أحد هذه التوقعات غير العملية هو أنه طالما كانت الصين تزود بيونج يانج بالمساعدات الغذائية وبالطاقة وأن لها علاقات خاصة طويلة مع كوريا الشمالية فهذا يعني أن لها مكانة متميزة عند حكومة كيم جونج إيل لذا كان يجب عليها أن تستغل هذه المكانة لأقصى درجة بغية جلب كوريا الشمالية إلى المحادثات مرة ثانية· وهذا صحيح فالصين تشكل الآن الجزء الأكبر من مجمل المبادلات التجارية الثنائية مع كوريا الشمالية إضافة إلى تزويدها لكوريا الشمالية بكميات كبيرة من المساعدات الاقتصادية· لكن من أجل ترجمة هذه المبادلات إلى قوة تأثير فإن هذا يقتضي أن تغير كوريا الشمالية منطقها المتعلق بتطوير الأسلحة النووية· لكن بيونج يانج تعتبر الأسلحة النووية مهمة جدا لوجودها لذلك فإن فوائد الحظر الاقتصادي بالنسبة إلى دولة تعتمد قليلا على التبادل الاقتصادي الخارجي سيكون غير فعال وربما يحرض على كراهية الصين·
لذا وانطلاقا من من هذا المنظور فإن إمكانية استخدام الصين لنفوذها الاقتصادي سيكون محدودا في أفضل حالاته وقد ينقلب ضررا في أسوأ احتمالاته· أما الاتهام الآخر الموجه ضد الصين فهو أنها تهتم بسلام واستقرار شبه الجزيرة الكورية أكثر من اهتمامها بانتشار الأسلحة النووية لما قد يصيبها من نزوح أعداد كبيرة من اللاجئين الكوريين إليها ومن أضرار اقتصادية ومن تخريب بيئي وربما من مواجهة عسكرية·
وهذا منطق غير مثبت وفيه سوء نية فشبه الجزيرة الكورية لا يمكنها أن تعيش سلاما واستقرارا مديدين مع وجود أسلحة نووية في كوريا الشمالية وهذا قد يؤدي إلى يابان وكوريا جنوبية نووية مهددا بالتالي المحيط الأمني للصين في المنطقة· لهذا فإن ما تحاول الصين السعي نحوه شيئان أولهما نزع الأسلحة النووية وثانيهما السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية وكلاهما مطلبان لها لا ينفصلان· فأمن الصين ممكن فقط ضمن المفهوم الواسع لشمال شرقي آسيوي آمن ومستقر·
وإن الحافز الذي يدفعها لحل مشكلة كوريا الشمالية النووية هو مصالحها الأمنية وأيضا اهتمامها بأمن المنطقة وبالنظام الدولي لمنع انتشار الأسلحة النووية فيما لو تأزمت القضية· لذلك يجب على كل الأطراف المعنية أن تساهم في الوصول إلى الهدف النهائي ألا وهو شبه جزيرة كورية منزوعة من السلاح النووي كما ينبغي لكل طرف أن يلعب دوره المنوط به في هذه القضية· إن الصين تستحق التقدير لدورها الذي قامت به حتى الآن·
عن /آسيا تايمز

اقرأ أيضا

قتلى وجرحى في تحطم حافلة سياحية في أميركا