الاتحاد

تقارير

واشنطن وسيول... أبعاد سياسية وراء الهجمات الإلكترونية

الأمن الإلكتروني تحدٍ جديد للكوريين الجنوبيين

الأمن الإلكتروني تحدٍ جديد للكوريين الجنوبيين

يصنف الهجوم الإلكتروني الأخير على شبكتي أميركا وكوريا الجنوبية، ضمن هجمات «نشر تعطيل الخدمة»، غير أنه لم يكن هجوماً متطوراً إلى حد يخشى منه، كما لم يتمكن من إلحاق أضرار كبيرة تذكر، على حد تقييم خبراء أمن الشبكة الإلكترونية. بل إن الجهد الذي بذل في الهجوم الأخير هذا، والأضرار الناجمة عنه، يعدان أقل بكثير من هجمات مماثلة لـ»نشر تعطيل الخدمة» شهدتها السنوات الثلاث الماضية، خاصةً تلك التي شنت على شبكتي إستونيا وجورجيا. فالهجمات الأشد تطوراً وخطورة، عادة ما تتخذ شكلا سرياً خفياً، يستهدف إما سرقة المعلومات المحفوظة في الأجهزة أو التحكم الإلكتروني بها. أما هجمات «نشر تعطيل الخدمة» فعادة ما يكون لها هدف مختلف تماماً: تحقيق أكبر كسب سياسي ممكن منها.
والمعلوم عن جيوش العالم وقواته المسلحة أنها توفر موارد مالية وتكنولوجية هائلة للحرب الإلكترونية، بما فيها الجيش الأميركي الذي دشن أول قيادة إلكترونية تابعة له في شهر يونيو المنصرم. ولكن لا تدفعنا هذه الحقيقة إلى القول إن كافة الهجمات التي تقف وراء شنها الحكومات، يمكن تصنيفها في إطار الحرب الإلكترونية. وعليه فإن الهجمات التي شنت على إستونيا وكوريا الجنوبية يمكن تصنيفها -تحت أحسن الفروض- على أنها مكافئ إلكتروني في القرن الحادي والعشرين، لضربة حذاء الزعيم السوفييتي الأسبق خورتشوف، على طاولة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. وعلى حد قول «خوسيه نازاريو» -خبير أمن شبكات آربور الإلكترونية في بوسطن- «فهذه الهجمات أشبه ما تكون بمظاهرات الشوارع التي تعبر فيها الجموع الغاضبة عن سخطها، وربما تحرق خصومها وأعداءها في دمى رمزية تمثلهم. فإذا كان هدف أحدهم مجرد التعبير عن احتجاجه وغضبه، فسوف يجد في مثل هذه الهجمات الإلكترونية الرمزية، خير وسيلة له للتعبير عن مشاعره الخاصة، مع العلم أنه أسلوب شائع ومعمول به عالمياً». ثم إن شن هذا النوع من الهجمات سهل للغاية لدرجة أن قراصنة الإنترنت المتنافسين فيما بينهم: عربا وإسرائيليين، صينيين ويابانيين، كثيراً ما يشنونها تعبيراً عن شوفينيتهم الوطنية. أما الصدى الإعلامي الواسع الذي حظيت به الهجمات على شبكتي إستونيا وجورجيا من قبل، ثم مؤخراً على شبكتي كوريا الجنوبية وأميركا، فمرده إلى الشكوك التي أثيرت حول وقوف حكومة دولة ما وراءها، بهدف تدمير شبكات دول أخرى منافسة لها. وفي هذه الحالة، فلا تشير أصابع الاتهام إلا إلى بيونج يانج، وذلك بالنظر إلى الدولتين اللتين استهدفتهما الهجمات، وكذلك توقيت شن الهجمات نفسه. يذكر أن الهجمات الإلكترونية الأخيرة على شبكتي كوريا الجنوبية وأميركا صادفت اختبار بيونج يانج لصواريخ جديدة بعيدة المدى، تعبيراً منها عن تحديها للعالم. ولما كانت الهجمات الأخيرة لا تزال مستمرة، فإن من الواجب تقصيها لمعرفة الشكل الذي يمكن أن تتخذه موجة الهجمات التالية. هذا ويسعى الخبير «نازاريو» وغيره من الخبراء، لتتبع أصل الهجمات الأخيرة التي شنت بواسطة فيروس My Doom الذي سبق استخدامه منذ عدة سنوات، وهو عمل شاق ومعقد للغاية. ومن رأي «جادي إيفرون» خبير أمن الشبكات، وقد سبق له العمل مراقباً لأمن شبكة الحكومة الإسرائيلية، كما سبق له تقديم العون الإلكتروني لحكومتي جورجيا وإستونيا في مواجهة الهجمات الإلكترونية التي تعرضتا لها في عام 2007، أن في وسع طفل صغير أن يحدث فوضى إلكترونية هائلة في كافة شبكات العالم. ولذلك فإن من الواجب النظر إلى ما حدث لشبكتي أميركا وكوريا الجنوبية على أنه معضلة دولية. كما ينظر «إيفرون» إلى أصل وعلاقة هذه الهجمات، باعتبارهما معضلة أخرى، طالما أنه يصعب تحميل المسؤولية عنها لأحد ما. وفي الوقت ذاته فإن شن هجمات إلكترونية مضادة، في وسعه إلحاق ضرر بشبكات العالم كلها، خاصة شبكات الدول المتقدمة. ولكن لا يمنع كل ذلك من الاعتقاد بوجود هجمات إلكترونية مماثلة، يمكن ردها إلى مؤسسات ودوافع عسكرية، كما يقول «إيفرون». ويدعم هذا الاعتقاد خبير آخر هو «جوهانيس أولريتش» -رئيس قسم البحوث بمركز SANS Internet Storm بمدينة بيثادا بولاية ميريلاند- بقوله: إن هناك حواراً جدياً يدور اليوم بين القادة العسكريين حول ما إذا كان ممكناً اعتبار تدبير هجوم إلكتروني على دولة ما من قبل دولة أخرى، إعلاناً للحرب على الدولة المستهدفة بالهجوم؟ غير أن أياً من ذلك النوع من التخطيط الحربي المتعمد، لا ينطبق على الهجمات الأخيرة التي شنت على شبكتي أميركا وكوريا الجنوبية. يذكر أن الهجمات الإلكترونية التي شنت على جورجيا قد لحقها بوقت قصير زحف الدبابات الروسية، في غزو تقليدي شن عليها من قبل موسكو. والخوف أن يتكرر مثل هذا السلوك في المستقبل، وذلك بزحف الدبابات عقب كل هجمة إلكترونية تستهدف شبكة دولة ما، بقصد شل تكنولوجيا الاتصال في تلك الدولة تماماً. يذكر أن الكثير من هذه الهجمات الإلكترونية -بما فيها الهجمتان الأخيرتان- غالباً ما استهدفت تعطيل عمل الشبكات الإلكترونية الحكومية، التي لا تنشر شيئاً يذكر حتى الآن، عدا عن المواد الدعائية السياسية. لكن ومع اتجاه دول العالم أكثر من ذي قبل للاعتماد على شبكاتها الإلكترونية في اتصالاتها الحيوية، فإن من شأن هجمات كهذه أن تشكل خطراً جدياً على أمن الدول واتصالاتها.
بن آرنولد- نيودلهي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا