الاتحاد

الملحق الثقافي

الإسرائيلي المتألم

يعدّ الكاتب الإسرائيلي David Grossman دافيد غروسمان لدى النقاد في الغرب أحد المدافعين في إسرائيل عن السلام، وفي روايته الجديدة التي تمت ترجمتها إلى اللغة الفرنسيّة بعنوان: «tombé hors le temps «سقوط خارج الزمن» والصادرة عن دار «seuil» يحكي عن موت ابنه خلال الحرب الإسرائيليّة الثانية في جنوب لبنان في صيف عام 2006، وهو في هذه الرواية الجديدة يصور مشاهد من الحياة بعد أن فقد ابنه في هذه الحرب، ويؤكد أنّه كتاب يختلف اختلافاً جوهرياً عن روايته «امرأة هاربة من الإعلان» Une femme fuyante l’annonce» والتي سبق ان قدمنا في «الاتحاد الثقافي» قراءة نقدية لها عند صدور طبعتها الفرنسية.
والرواية الجديدة هي ـ كما يعرّفها مؤلفها ـ مزيج من النثر والشعر والمسرح. تبدأ بمشهد رجل مع زوجته جالسان في صمت على طاولة الأكل لتناول وجبة العشاء، ثمّ فجأة يقوم الزوج بتحطيم كلّ ما هو موجود على الطاولة وهو يصيح: «مستحيل! لا بدّ أن أذهب إلى هناك... إليه هو». وتسأله الزوجة: «ماذا تقصد بإلى هناك... إلى أين؟»، ثم يودع الرجل زوجته ويخرج. ويفهم القارئ وهو يتقدّم في مطالعة الكتاب أنّ الزوجين فقدا ابنهما الوحيد منذ خمس سنوات في الحرب الاسرائيلية في جنوب لبنان، وأنّ الزوجين لم يكن بينهما منذ وفاة ابنهما حديث وحوار عن فقدانه لأنّ الكلام عنه كان صعباً ومؤلماً لهما.
إذن فقد عم الصمت المطبق خمس سنوات وهذه الليلة ولأول مرة قرر الأب أن يتحرر من الصمت ويتحدث مع زوجته عن موت ابنهما.
في مشهد ثان من الرواية، يخرج الزوج من بيته. يطوف الشوارع والأزقة، يوماً بعد آخر وليلة بعد أخرى بحثاً عن ابنه الميت، ويواصل المشي في حيّه وفي مدينته إلى أن يصبح اسمه في الرواية «الرجل الذي يمشي!». ثم يتبعه آباء وأمهات آخرون كلهم ممن فقدوا أبناءهم في الحرب، ومن بينهم إسكافي وممرضة توليد.
وهكذا وعبر حديث شاعري فإن شخوص هذه الرواية استطاعوا ولمدة وجيزة أن «يتصلوا» بأبنائهم الموتى في الحرب، علماً أن مترجم الرواية من العبرية إلى اللغة الفرنسية هو شاعر وروائي وسبق أن ترجم أهم الروايات الاسرائيلية المعاصرة من العبرية الى اللغة الفرنسية.
يتحدّث الروائي الإسرائيلي في سياق شرح خلفيات روايته عن فقدانه ابنه الوحيد «يوري» وقد تلقى رسائل عديدة من كتاب من بلدان كثيرة وكلّها تؤكد بأنّ الكلمات عاجزة عن التعبير في مثل هذه الظروف. فالكتاب وهم المبدعون للكلمات لم يجدوا ـ وفق شهادة الروائي ـ التعابير الكفيلة لمواساة الأب أو لوصف ما حلّ به، ولذلك فإنّ دافيد غروسمان كان أمام خيارين كما يقول: إمّا ملازمة الصمت بعد فقدانه لابنه والانزواء والانكماش والتقوقع على ذاته أو المحافظة على ما سماه «قنوات الاتصال» مع الآخرين، ويعني بذلك أن يكتب وأن يحرّر «الكلمات» للتعبير عمّا أصابه ونقل ألمه أمام موت ابنه الوحيد وأحاسيسه أمام المصاب الذي حلّ به، مضيفا أنّه كلّما تقدّم به العمر كلما زادت رهافة إحساسه وألمه بفقدانه لأصدقائه وبعض من يحبّهم، فالموت أصبح حاضراً في حياته مشيراً بأنّ همّا كبيراً أصبح يسكنه خوفاً من مزيد فقدان أصدقائه أو أفراد أسرته، فالموت حاضر في روايته الاخيرة ولكنّه يؤكد بأن حديثه عن الموت هو من وجهة نظره تعبير عن الأمل في الحياة.
وفي السياق نفسه، يربط الروائي بين فحوى روايته الأخيرة وبين بعض المستجدات؛ فقد تحدّث عن مشاركته للكاتب الحزائري بوعلام صنصال في تحرير نداء إلى كتاب العالم ووصفه بأنّه كاتب «مثالي وإنطوائي»، ولكنّه انضمّ إليه لأنّه هو أيضا يعتبر نفسه «كاتب يرنو إلى المثاليّة»، ويرى دافيد غروسمان أنّه يحبّ من هم ليسوا سذجا ولكنّهم يتحرّكون ويفعلون بسذاجة في عالم لا يرحم ولا عواطف فيه، ومن بين الموقعين على هذا النداء إيرانيون وجزائريون وتونسيون.
وقال دافيد غروسمان أنّه فخور بأنّ يكون من بين الكتاب الموقعين على هذا النداء، متسائلا: «هل سنغيّر شيئا بهذا النداء؟» ويجيب: «لا أعلم» مستشهدا بقصة رجل كان يأتي ـ أثناء حرب فيتنام ـ أمام البيت الأبيض رافعا لافتة مندّداً بتلك الحرب الطاحنة داعياً إلى تخلي الولايات المتحدّة الأميركية عن خوض تلك الحرب. وتواصل حضور الرجل أمام البيت الأبيض كلّ يوم جمعة دون كلل أو ملل رغم تواصل الحرب، وذات يوم سأله صحفيّ: «لماذا تصرّ على استمرار التعبير على معارضتك للحرب دون كلل أو ملل فهل تعتقد أنّك ستغير العالم؟» فأجابه الرجل قائلا: «لا، ولكنّي متأكدّ فقط بأنّ العالم لن يغيّرني!». وأشار الروائي الإسرائيلي بأنّه يحب هذا الجواب.
ولد دافيد غروسمان بالقدس عام 1954، وعام 1977 ساهم بحركة «السلام الآن» من أجل تأسيس دولة فلسطينيّة، وعام 1988 أصدر رواية «الريح الأصفر» التي تعرّض فيها إلى الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وقد اتهمه رئيس وزراء إسرائيل وقتها إسحاق شامير بالخيانة. وفي عام 2006 أصدر مع الكاتب الإسرائيلي أموس أوز نداء لوقف إطلاق النار أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان، وذلك قبل أن يقتل ابنه الوحيد الذي كان ضمن الجيش الإسرائيلي. وعام 2011 أصدر روايته «Une femme fuyante l’annonce «امرأة هاربة من الإعلان»، وفي العام 2012 انضمّ إلى نداء «التجمّع العالمي للكتاب من أجل السلام» والذي بادر بإنشائه الكاتب الجزائري بوعلام صنصال.
وفي مقابلة له مع مجلة «لوبوان» الاسبوعية الفرنسية أكّد الروائي الاسرائيلي أنّ ما ارتكبته إسرائيل في آخر صدام لها مع «حماس» في قطاع غزّة جاء دليلاً إضافيّا على أنّ استعمال القوّة لا يحقّق أيّ نتيجة وأنّ العنف والكراهيّة لا تؤدي إلى أيّ حلّ، ودليله ان اسرائيل احتلت قطاع غزّة طيلة 45 سنة ولكنها لم تحقق النتائج التي كانت تخطط لجنيها. والآن وقد تمّ الاتفاق على وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل فإن دافيد غروسمان يدعو إلى وضع مخطّط سلمي جاد مع الفلسطينيين، ويدعو إسرائيل إلى القيام بحركة قوية تتمثل في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مؤكداً أن «تركيع» حركة حماس وهو التعبير الذي استعمله بعض الوزراء الإسرائيليين واستهجنه الروائي دافيد غروسمان، ووصفه بـ «السخيف والأحمق»، لن يكون ممكناً، مضيفاً: «لكي تكون لك علاقات طيّبة مع عدوّك لا بدّ أن تفكّر وتراعي كرامته، لافتاً إلى أن إسرائيل وحماس استعملا القوّة القصوى ضدّ بعضهما وألا أحد كانت له الغلبة على الآخر.
ويؤكد الروائي الإسرائيلي أنّ حماس وإسرائيل سيكون بينهما صدام دموي مقبل، ورغم ذلك فإنّ دافيد غروسمان يؤكد أنّه ليس متشائماً ولكنّه يمرّ بفترات يشعر فيها بأنّه «مهزوم».

اقرأ أيضا