الاتحاد

الملحق الثقافي

محاكمة الفكر أم الاحتكام إليه؟

صدر مؤخراً عن دار الشروق المصرية الطبعة الثالثة من كتاب «اللاهوت العربي» للباحث والروائي يوسف زيدان، ويأتي ذلك بالتزامن مع استدعاء نيابة أمن الدولة لمؤلفه للتحقيق معه فيما قدم ضده مجمع البحوث الإسلامية من تهم بازدراء الأديان في الكتاب المذكور.
يتتبّع يوسف زيدان في هذا كتابه «اللاهوت العربي» أهم الأفكار التي شكّلت تصوّر اليهود والمسيحيين والمسلمين، لعلاقة الإنسان بالخالق. ومن ثَمَّ، كيف توجّه علم اللاهوت المسيحي، وعلم الكلام الإسلامي، إلى رؤى لاهوتية يصعب الفصل بين مراحلها. ويناقش الكتاب، ويحلل ويقارن، تطور الأفكار اللاهوتية على الصعيدين المسيحي والإسلامي. وذلك بغرض إدراك الروابط الخفية بين المراحل التاريخية التقليدية، المسماة بالتاريخ اليهودي - التاريخ المسيحي - التاريخ الإسلامي! وانطلاقًا من نظرة مغايرة إلى كل هذه التواريخ، باعتبارها تاريخًا واحدًا ارتبط أساسًا بالجغرافيا، وتحكمت فيه آليات واحدة، لا بد من إدراك طبيعة عملها في الماضي والحاضر. وصولا إلى تقديم فهم أشمل لارتباط الدين بالسياسة، وبالعنف الذي لم ولن تخلو منه هذه الثقافة الواحدة، ما دامت تعيش في جزر منعزلة.
ويذكر أن كتاب «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني» صدر عن دار «الشروق» في القاهرة عام 2009، وأعيدت طباعته سبع مرات حتى الآن، وقد تزامن صدوره مع حصول رواية زيدان «عزازيل» على جائزة البوكر العربية، التي أثارت ردود فعل غاضبة في أوساط الكنيسة المصرية في حينه.
يصر زيدان في كتابه على تسمية الأديان الثلاثة اليهودية، المسيحية والإسلام بالديانة الإبراهيمية، ويخصص فصول الكتاب ليشرح كيف تكمل هذه الأديان نفسها، ما يجعلها برأيه «ديناً واحداً». ويطلب المؤلف في مقدمة كتابه الطويلة، مناقشة موضوعية لمسيرة الأديان، أو الدين الواحد بتجلياته الثلاثة وذلك: «عبر الفكاك المؤقت من أسر التدين والإدانة، نسعى في هذا الكتاب إلى رصد الوصلات العميقة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، والبنيات العامة الحاكمة، والارتباطات العميقة ذات الجذور التاريخية المطمورة، بين الدين والسياسة، بين التدين والعنف، وبين التعصب والتخلف».
ثم ينطلق بتحليل ومقارنات حول نشوء اليهودية، ثم المسيحية من رحمها، فالإسلام الذي جاء ليقدم رؤية تصحيحية، لما سبقه من ديانتين كما يرى المؤلف.
ويرى زيدان أن هناك ارتباطاً جدلياً بين العنف والدين والسياسة، ويقدم في نهاية كتابه استخلاصات تدعو للفصل بين الدين والسياسة، تبدو تصالحية ، بحث يراعي كل طرف حاجات ومهام الطرف الآخر.
ويتوقف المؤلف نقدياً عند موقف اليهودية من الألوهية، ويناقش الخلافات التي عصفت بعد ظهور المسيحية، والتنكيل الذي مارسته الكنيسة القطبية ضد المخالفين، التي النحو الذي فصّله سردياً في أحداث روايته «عزازيل».
ويرى زيدان بأن: «الإسلام بمفهومه الشامل يتسع ليشمل الديانات الثلاث جميعها، ويجعل أنبياءهم مسلمين كلهم، وهو المعبّر عنه بدين الفطرة ودين إبراهيم ودين القيّمة». يتضمن الكتاب مقدمة قال د. زيدان إنها اشتملت على تمهيدات ضرورية، وستة فصول، وخاتمة فيها خلاصة ما تمت مناقشته. ويناقش المؤلف مصطلح «اللاهوت العربي» الذي يطرحه للمرة الأولى، وذلك من خلال طرح عدد من الأقوال، تبدأ بفكرة «سماوية الدين»، وهو يرى أن «أصل كلمة سماء في اللغة، هو العلو، ولا يقع معناه على شيء ملموس محدد وإنما على أي سقف مهما كان حتى لو كان سقف حجرة. والتعبير الأدق أنها ديانات (رسالية) أتت للناس برسالة من السماء عبر رسول من الله أو نبي يدعو له، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد للكثير من التعبيرات الأخرى، ومن بينها صفة (الوثنية) التي ألحقتها المسيحية بالديانات الأخرى التي تحتفي بالأصنام أو الأوثان، رغم أنه لا يشترط أن تكون كل الديانات التي تحتفى بالتماثيل وثنية، كالبوذية مثلاً التي تحتفى بأصنام بوذا، ولكنها لا تقدسه للتعبد، ولا ترى فيه صورة حجرية للإله. والدليل عدم غضب البوذيين من إصرار حركة طالبان على تدمير تمثالي بوذا في (باميان) منذ عدة سنوات».
كما يناقش المؤلف الفرضيات الأساسية، ومن بينها أن التراث الإسلامي لا يمكن فهمه من غير التعمق في الأصول العميقة له والأسبق زمناً عليه، فهي مقدمات له وهو امتداد لها، وهو ما ينطبق على المسيحية واليهودية.
ومنها أيضا أنه ليس بالضرورة تأثير الأسبق زمناً في الأحدث منه بل يمكن العكس. فيؤثر اللاحق في السابق حين يتعاصران، مثلما أثرت الأفلاطونية المحدثة في التراث اليهودي الأسبق منها ظهوراً من خلال شرح فيلون السكندري للتوراة وتأويله لنصوص العهد القديم، وهى التأويلات التي صارت مع الزمن تراثاً يهودياً.
ويخرج د. زيدان بفكرة التفاعل بين الديانات الثلاث الذي لم يقتصر على التعاقب الزمني كما يقول، بل تعداه للتعمق في أصل كل دين منها، وإلى عمليات جدلية تؤكد حقيقة الجوهر الواحد لتلك الديانات الثلاث.
ثم يتناول فرضية أخرى متعلقة باختلاف اللغات التي تعبر عن المفاهيم الدينية بشكل يوحي للبعض باختلاف المعنى، وهو ما ينفيه د. زيدان.
وبعد ضبط المفردات يؤكد المؤلف وجوب التعمق في دلالاتها لضبطها وتحديدها لتلافي الغموض أو سوء الفهم. كتلك الصيغ التي تكتب بها أسماء المشاهير والأعلام، منهم الأسقف نسطور (المرعشلي) الذي ولد بقرية مرعش قرب حلب، والأسقف تيودور، الذي يشار له أحيانا باسم ثيودوروس الموبسويستي، وأحياناً أخرى باسم «تيودور المصيصى».

اقرأ أيضا