الاتحاد

الملحق الثقافي

السادات خدع الجميع

«1967 - 1973 من حرب إلى عشية حرب» عنوان الجزء السابع من كتاب أو موسوعة «مسألة فلسطين» التي وضعها منفرداً الباحث والمؤرخ الفرنسي، المهموم بقضايا المنطقة والإسلام هنري لورنس ويتولى ترجمتها بشير السباعي، الذي سبق له أن ترجم معظم أعمال لورنس، ويقوم المركز القومي للترجمة بنشرها. الجزء السابع يتناول القضية الفلسطينية من لحظة الهجوم الإسرائيلي على مصر، الساعة السابعة، صباح يوم 5 يونيو 1967 وحتى لحظة بدء عملية العبور يوم 6 اكتوبر 1973.
تلك الفترة صدرت عنها عشرات الكتب والدراسات، ومع ذلك مازال هناك الجديد حولها، ومازالت بعض الأسرار أو الألغاز تحيط بها، يحاول لورنس الوصول إلى الجديد، سواء بإعادة قراءة الوقائع ومحاولة تقديم فهم جديد لها أو الكشف ـ فعلياً ـ عن أمور غامضة.. هو ـ مثلاً ـ يرى أن بيانات الإعلام المصري يوم 5 يونيو عن سقوط طائرات العدو الإسرائيلي، لم يكن مقصوداً منها الكذب، ولكن كانت طائرات الفانتوم مزودة بخزانات وقود إضافية، وبعد نفاد الوقود، كان يتم إسقاط تلك الخزانات، وتصور كثيرون أنها حطام الطائرات الإسرائيلية المتساقطة، ذلك أن فكرة تلك الخزانات الإضافية بالطائرة لم تكن معروفة في مصر.

موقف السوفييت
من الجديد الذي يقدمه، ما يتعلق بالسنوات الأولى من حكم الرئيس السادات، ويكشف لورنس عن أن القيادة السوفييتية على غير ما هو شائع، لم تكن منزعجة، لإطاحة السادات نائبه علي صبري وبقية المسؤولين المصريين المحسوبين على موسكو، ذلك أن هذه المجموعة كانت من أنصار أن تشن مصر هجوماً عسكرياً فورياً على إسرائيل وهذا ما كانت تخشاه موسكو، ولم تكن تحبذه، كانت مع مبادرة السادات في فبراير 1971 بفتح القناة للملاحة وانسحاب إسرائيل لعدة كيلو مترات غرب القناة لهذا الغرض، ونكتشف أن موسكو كانت تزود مصر منذ أيام عبدالناصر بقدر محدود من الأسلحة، ولم تقدم لها السلاح الذي يمكنها من شن هجوم على إسرائيل، كانت تقدم قدراً محدوداً من السلاح يبقي مصر مضطرة إلى علاقات معها، وأن السادات حين طرد الخبراء الروس، فعل ذلك حتى يفهم السوفييت أنه يمكن أن يتجه إلى الغرب وتحديداً الولايات المتحدة، لذا سارعوا بعدها بإمداده بالأسلحة التي طلبها وكان متفقاً عليها من أيام عبدالناصر.
وكما فتح السادات قناة سرية للتواصل مع الولايات المتحدة عبر محمد حسنين هيكل في البداية، ثم عبر مستشاره للأمن القومي، محمد حافظ إسماعيل، بعد ذلك فتحت موسكو قناة سرية مع تل أبيب، في أغسطس 1971 سافر بريماكوف مسؤول الكي. جي. بي إلى إسرائيل وتحاور معهم في إمكانية إحلال السلام، لكنه لم يجد لديهم استعداداً للتنازل عن أي أرض في الضفة الغربية والجولان وبالنسبة لسيناء لم يكن لديهم استعداد للتنازل عن شرم الشيخ والطرق المؤدية إليها أو المستوطنات في سيناء، ولذا عاد ولم يخبروا العرب بشيء، لكن اتفق مع الإسرائيليين على إبقاء قناة تواصل سرية معهم.
يكشف لورنس حقيقة الصراع داخل القيادة المصرية في تلك الفترة، كان الفريق محمد أحمد صادق وزير الحربية في مصر من الكارهين للوجود السوفييتي في الجيش المصري، ولكنه كان مختلفاً مع السادات، كان صادق يرى عدم التسرع في دخول حرب مالم يكن لدى الجيش المصري أسلحة هجومية تكفيه لتحرير سيناء بالكامل، وكان معنى ذلك بالنسبة للسادات عدم دخول الحرب، فلم يكن السوفييت يقدمون لمصر هذه الأسلحة، وفي تلك الفترة قدم الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان إلى السادات تصوراً عن خطة حرب يتم بمقتضاها عبور القناة والتوغل لمسافة 15 كيلو متراً غرب القناة، حتى منطقة المليز، وقد أعجب السادات بهذه الخطة، ثم حدث أن أقال السادات الفريق صادق، ليس بسبب أفكاره العسكرية، لكن لأن السادات شعر بأن صادق صار أقوى مما يجب وأكثر استقلالاً مما ينبغي، وأن السادات لم يكن يريد ظهور عبدالحكيم عامر جديد في الجيش لذا سارع بإقالته وتعيين أحمد إسماعيل على مكانه، وكان الأخير ممتناً للسادات الذي أعاده للخدمة بعد أن كان عبدالناصر أبعده سنة 1969، بسبب قيام إسرائيل بسرقة رادار مصري من منطقة البحر الأحمر، في جزيرة شدوان.
ورغم الخلافات العسكرية القديمة بين أحمد اسماعيل علي وسعد الشاذلي فقد تعاونا معاً وبإخلاص في إعداد الجيش لخوض حرب 1973.

دبلوماسيون وعسكر
يكشف الكتاب عن أن السادات سلك كل الطرق الدبلوماسية، وقد سعد حين عرض عليه القذافي فكرة اتحاد الجمهوريات العربية، فقد وجد فرصة لأن يؤكد للداخل المصري أنه لم يخرج عن مبادئ عبدالناصر في الوحدة العربية، لكن هذا الاتحاد كان فرصة كي يلتقي قادة الجيش المصريين والسوريين معاً، وينسقوا للحرب دون أن يثير لقاؤهم أي غرابة، وقد التقى المصريون والسوريون ولم يخبروا القذافي بشيء، وقد أصيبت فرنسا بالذعر من هذا الاتحاد، لأنه يعني أن الطائرات الميراج الضخمة التي قدمتها للقذافي سوف تكون بين أيدي المصريين والسوريين، وأنها سوف تستغل في الهجوم على إسرائيل، الأمر الذي يخالف تعهدات فرنسا للإسرائيليين. وقد استبعد السادات وحافظ الأسد الملك حسين من التنسيق، ليس لشك فيه ولكن لأن ظروفه في الأردن لا تسمح له بالمشاركة في الحرب، ونسق السادات كذلك مع الملك فيصل، ملك المملكة العربية السعودية، نظراً لقوة علاقاته بأميركا ودور البترول العربي، والأهم أنه كان هو والسادات يحملان فكرة واحدة، مفادها أن الخطر على المنطقة يكمن في الصهيونية والشيوعية وأنهما وجهان لعملة واحدة.
في التنسيق العسكري، أقنع المصريون السوريين بأنهم سوف يتقدمون حتى الممرات ـ وسط سيناء ـ ثم يتوقفون، وتحدث السوريون عن أنهم سوف يحررون الجولان كاملاً واتفقوا مع الاتحاد السوفييتي على أن تطلب موسكو وقف إطلاق النار رسمياً بمجرد وصول الجيش السوري إلى آخر نقطة في الجولان. يخصص لورنس فصلاً كاملاً لعملية الخداع التي قام بها المصريون، قبل شن حرب 6 اكتوبر، وهي عملية يعدها استثنائية في القرن العشرين كله، فقد كان كل شيء معلناً تقريباً، فيما عدا النوايا، المناورات والتدريبات العسكرية، وغير ذلك ويكشف في هذا الفصل عن أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلية، رغم كل ما يقال عنه، يعاني مشكلات هيكلية، جعلته غير قادر على معرفة ما يفكر ويخطط له السادات وقادة الجيش.
يستحق هذا الكتاب القراءة المتعمقة، والأمر المحزن أن مؤرخاً فرنسياً يعكف وحده على وضع هذا العمل الممتد، بينما لم يفعلها أحد في عالمنا العربي، لا من الأفراد ولا من المؤسسات والدول.

اقرأ أيضا