الاتحاد

الملحق الثقافي

تنوع القول والإرسال

الجسد موجود ومتنوع، ويطلق على الأماكن، الغرف/ الشواطئ/ الصحراء/ المقهى والأشياء، وهو ـ الجسد ـ لا تبرز كينونته إلا من خلال الآخر، يذهب الجسد إليه، أو يتجه الآخر نحوه والآخر هو الذي يتضح الجسد من خلاله، وهو الذي يؤكده ويبرز وجوده المادي والبصري، حتى تتحقق العلاقة الثنائية ـ التي قلنا بها ـ بين الجسد والآخر، وكلما كانت العلاقة مستمرة سيتمكن الآخر من اكتشاف سرديات الجسد وخصائصه «لا يوجد الجسد إلا بقدر تعلّقه بموجودات أخرى، فالجسم البشري هو حاضنة الجسد البشري، والجسد الحيواني حاضن الجسد الحيواني والأمر سيّان مع الكائنات الأخرى، فلا يوجد جسد من دون جسمية ما» (د. رسول محمد رسول/ الجسد في الرواية الإماراتية/ هيئة أبوظبي للثقافة والتراث/ 2010 ـ ص19).
الجسم حقيقة معيشة والجسد غير ذلك، إنه مفترض في وهلته الأولى، لكن سرعان ما يتحول إلى حقيقي عندما يضاعف من حضور المكان الأصل ليخلق مكانه الخاص به.
للجسد لغته الخاصة، كل جزء فيه قادر على القول والإرسال والبث وكل ما تقوله هذه الأجزاء مفهوم من قبل الآخر، لأن الجسد لا يرسل إشاراته إذا لم يكن الآخر موجوداً، ودائماً ما تؤدي الرسائل المرسلة من طرف لآخر إلى تفاهم صامت. لغة الجسد متباينة بين الأنثى والذكر، فما تقوله تفاصيل يد الأنثى وحركتها تختلف في بعض التفاصيل عن الذي تقوله يد الرجل، وهكذا بالنسبة للأجزاء الأخرى. والجسد بكليته يشكل جهازاً إيمائياً، ولا يمكن فهم تفاصيل هذا الجهاز الإيمائي إلا ضمن سياق اجتماعي وثقافي معين.

المفاهيم الثقافية
ووفق هذه الآراء والمفاهيم الثقافية والمعرفية، سنحاول قراءة ما تنطوي عليه إشارات الجسد في مجموعة فاطمة المزروعي القصصية «وجه أرملة فاتنة». وابتداء يتبدّى عنوان المجموعة مثيراً ولافتاً لانتباه المتلقي، وعلى الرغم من أن المرأة أرملة فإنها ذات وجه جميل وشكل مثير بفنيته، ويضعنا العنوان وجهاً لوجه مع موضوعة الجسد منذ العنوان، الذي يمثل فضاءً جوهرياً في الأدب، وكأن المزروعي وضعتنا بقوة أمام الأنثى وجسدها الذي هي الأكثر معرفة به وقدرة على قراءة تفاصيل رسائله وشفراته وإشاراته، وتطرفت القاصة كثيراً في كشوفها الخاصة بجسد الأرملة التي عاشت العلاقة الايروتيكية زمناً طويلاً مع زوجها، لكنها ترملت، ولأن القاصة عارفة بما تعنيه العلاقة الحية بين الزوجين عن علاقة متخيّلة يتحفز جسد الأرملة كي يعيش تفاصيل الإرسال باتجاه الآخر «ها هي تعود إلى شقتها في نهاية الدوام، قلبي ترتفع دقاته، وشياطين الأفكار تعربد في رأسي، سوف تلاقي زوجي في الطريق، ويحتك أطراف صدرها بجسده. أسمع صوت خلخلة المفاتيح، وحذائها ذي الكعب العالي، فيرتجف قلبي، أفتح الباب، متخيلة الموقف، هو يقرّبها أكثر لصدره، يحضن خصرها النحيل، وجهها يقترب من أنفاسه» (فاطمة المزروعي/ وجه أرملة فاتنة/ هيئة أبوظبي للثقافة والتراث 2009 ص87).

التخيل الفردي
وظل جسد الأرملة الفاتنة مثيراً للنساء في العمارة، وانشغلن بها كثيراً، وأنتجن مرويات عنها ولها: «أنا من خلف ستارتي أحاول اقتناص الفرص، مرات عديدة أرى ظل جسدين يتعانقان وهما عاريان في تلك الغرفة، فألعن تلك الأرملة، وقدومها الشؤم إلى بنايتنا» (فاطمة المزروعي/ ص88). تحول التخيل الفردي الخاص بالراوية إلى تخيّل جمعي للنساء في البناية، والسبب في ذلك كله جسد الأرملة المثير الكاشف عن تباين واضح جداً بين جسد الأرملة وأجساد النساء السبعة: «أفكاري تسربت خارج الشقة، فأصبحت جاراتي يعلمن بأمر النافذة، شهر آخر، وزاد التجمع حول نافذتي، أصبحنا سبع نساء، نراقب نافذة الشاب». (ص89). كشف السرد في هذه القصة عبر إشارات مركزة طاقة الجسد الأنثوي الذي استولد الكثير من المرويات النسوية حول الأرامل الفاتنات؛ لأنهن لا بد أن تتبدّى الواحدة منهن هكذا بسبب الانتظار والترقب، أما المتزوجات فعلى العكس. تأنيث الجسم وإبراز إمكانات الجسد فيه هي آلية المرأة للإعلان عن جسدها وإمكاناته غير المعلن عنها صراحة.
صارت الأرملة الفاتنة ـ التي اختصرها السرد بالفتنة ـ شبكة من المرويات لنساء آثارهن جسدها «وانتشر أحاديثنا من البناية بأكملها وفي البنايات الأخرى، وأصبحت الأرملة تتحاشى الخروج من منزلها، وإذا خرجت تتقاذف عليها الكلمات كالسياط، يحرق جسدها ووجها ونهديها». (ص 89).

الأنموذج القصير
تسع عشرة قصة تضمنتها المجموعة القصصية للشاعرة والقاصة فاطمة المزروعي، تميزت أكثر بالأنموذج القصير، وهيمن الجسد في السرد القصصي وانفتح على تفاصيل مثيرة على الرغم من محاولات القاصة التكتم، لكن التوصيف الخاطف والمركز يكفي المطلوب من السرد عن الأنثى وتوزعت قصصها منشغلة بين الأنثى والمرأة، خصوصاً وعي الزمن وحاجات الجسد التي تبدّت في قصة «كل الأيام تتشابه» مثيرة لمخاوف المحيط الاجتماعي وتحولت مجالاً لإثارة الشكوك والتهم وإنتاج المرويات؛ لأن الأرملة الفاتنة لها وجه جميل جداً. وكانت القاصة تريد بث رسالة ثقافية عن تنوعات فعل الإزاحة للمرأة عن المجتمع، وهذا واحد من فواعل الثقافة والحاضر الاجتماعي. فالمرأة وسط محيط مخترق لها، يثير الشكوك حولها إذا كانت فاتنة ومثيرة لرغبة السيد/ الرجل، ومولدة للنفور والكراهية وعدم الاهتمام إذا تميزت بالبدانة والقباحة والترهل بمعنى، هي حاضرة دائماً والشهوة الذكرية مفعلة لذاك الحضور المتميز بإثارة الكامن الذكوري، وألحت القاصة أكثر من مرة للاشتهاء الذكوري وكأن الأنثى معروضة للكل ولمن يتميز بطغيان فحولته.
ليس الجسد هو المحفز للرغبة الذكورية فقط، بل هو أيضا مثيراً لأسئلة المرأة الأكثر حساسية، بمعنى الجسد الأنثوي، له حضور في ذاكرة الرجل والمرأة أيضاً، وما يثيره الجسد في خفايا المرأة، يمثل حقيقة لحظتها الزمنية وما تشعر به من أحاسيس قلق ومخاوف.

المرويات المضادة
أدركت الجميلة بأن فتنة جسدها وطاقة الإغراء فيه، لاسيما وهي أرملة، مستعدة وقابلة حتماً لمن يتقدم إليها، لكن الأرملة لم ترسل إيماءات إغواء للرجل الموجود في البناية، ولم يكن لهم حضور واضح، باستثناء الشاب المنتمي لعائلة محافظة. ولم تستطع الأرملة مقاومة المرويات المضادة لها والمتسعة خارج المكان «فوجئنا بجارتنا الأرملة ذات الوجه الفاتن تجرجر طفلتيها، وفي يدها حقيبة سوداء كبيرة. وتوقف سيارة أجرة، تستقلها، وهي تطلق سباباً، تركت رأسي على المقعد، ارتشفت القهوة في عصبية، وبطرف عيني لمحت ظل الجسدين المتعانقين» (ص89 ـ 90).
تحول المكان في قصة «كل الأيام تتشابه» إلى سجل للأنثى ارتضت الحياة في منزل صغير فقد ألوانه عبر زمن طويل، تناظر مع المرأة العجوز التي دائماً ما تختار كرسيا وسط مكان يساعدها على رؤية ابنتها في الحركة داخل البيت، للأم سلطة ثقافية/ اجتماعية لإخضاع ابنتها ووضعها تحت المراقبة وإطلاق معاقبة شفوية، تردعها من النظر عبر النافذة. الفتاة تريد إقامة اتصال مع الفضاء الخارجي حتى ولو بصرياً. والفتاة متمردة في داخلها «تنظر إلى أمها بمزيج من اللامبالاة والضيق. كانت قد بدأت تشمئز من مراقبتها المستمرة لها. لم تكن هذه المراقبة عادية. إنها تشعر بأنها مراقبة، أنانية، مفرطة، مستفزة، فيها نوع من الظلم والإهانة لها من أم تبالغ في حرصها على ابنتها» (ص21).
أضاءت المزوعي قليلاً من توقف الفتاة المتمردة على السائد اليومي وسط البيت «لكنها آثرت الصمت،... لا تريد أن يسمع الجيران صوتها، شجارها الدائم مع أمها» (ص21).

التحفيز الفاعل
الجسد أكثر ما ضايقها بامتلائه، مرّ عليها زمن وهي صالحة جسدياً للاقتران، وحفزها هذا الإحساس لمراقبة الخارج عبر النافذة، الوسيط الممكن للاتصال مع الفضاء الخارجي، وهذا الترقب يعني احتمال تحقق الحلم، لأن النافذة تومئ لذلك، الوحدة ضاغطة عليها، وهي مخلوقة لآخر لا تعرفه، حتماً سيحط مثل الطائر في لحظة من الزمن.
«تذكرت وحدتها. وكيف تقضيها في مساحات هذا المنزل الصغير. لقد حفظت كل ركن فيه، كل مساحة ضاع لونها مع الزمن فبعد أن تنام العجوز، يظل المنزل خالياً وتظل هي وحيدة في غرفتها تكتفي في التحديق من النافذة إلى هذا العالم. المنازل الخشبية المتجاورة، الهدوء اللامتناهي» (ص 23)، تغيرت علاقتها مع الخارج وصارت أكثر اتصالاً مع العالم وليس مع الحي الذي هي فيه مضطربة ومتوترة وصوت الأغنية يأتيها من بعيد وهي عند النافذة، المنتظر سيأتي محمولاً مع أغنية ما، وتنشطر المخيلة لأنثى، أو امرأة ثانية عاشت حكايتها مع شخص ما وأنتجت سرديتها «تذكرت أياما جميلة عاشتها معه، لقد دخلت السينما لأول مرة وشاهدت فيلماً أجنبيا، لا يمكن لها أن تنساه، أنها تتذكره كل يوم» (ص 23)، عميق الاستذكار من طرف آخر وجديد بنية الوحدة والعزلة التي عاشتها الفتاة مع أمها والثانية التي كانت أفضل قليلاً، لأنها عرفت الآخر وعاشتا معه قصة حب، لكنها فاشلة، ومن خلاله تستحضر السينما والفيلم الذي وضع جسدها في اختبار اتصالي تعويضي.

كشوف فنية
وهذه البؤرة لها وظيفة كشوف فنية عن الاضطراب الجسدي للفتاة والتحفيز الفاعل للتي عرفت تلك السرديات، الفرق بين الاثنين واضح؛ لأن الضغط على نفس الفتاة الوحيدة مع أمها قاس وقوي، رسم لنا السرد صورة مركزة عن انشغال الفتاة بحلمها الروحي والجسدي؛ لأن الفتاة الأخرى تحقق عبر استذكاراتها نوعاً من التوازن «حين يأتي الليل وتنام تحت لحافها وتضع سماعة الهاتف على أذنها، تحدثه، والتفاصيل الصغيرة تعود إلى ذاكرتها، فيسقط حاجز الخجل بينهما وتحدثه بها» (ص 24).
تحاصر الأحلام والتخيلات الفتاة مثلما حاصرتها الأم، خرقت ذلك وصرحت به للنسوة «ستكون زوجة بدينة وأما لخمسة أطفال ولن تذهب مع زوجها لمشاهدة الفيلم. لا تريد أن تستحضر الحكاية السابقة، وارتفع صوت المذياع نداء للاتصال والتبادل، لكنها أغلقت نافذتها وانخرطت في بكاء حاد... لن يتغير أي شيء في حياتها... لن يتغير أبداً» (ص 25).

اقرأ أيضا