الاتحاد

الملحق الثقافي

ملحمة إماراتية مبهرة..

إذا أردت مثالا حيّا على ذلك فإليك تلك المشهدية البصرية الرائعة التي شهدتها العاصمة أبوظبي ضمن فعاليات مهرجان قصر الحصن بعنوان «قصة حصن مجد وطن»، التي أنشدها المخرج الكندي فرانكو دراجون في 75 دقيقة من خلال ستين ممثلا وممثلة ولاعب سيرك، وتشكيلة هندسية تجمع ما بين الأداء الاستعراضي والمؤثرات السمعية والبصرية المبهرة نحو رؤيا جديدة لاستخدامات التقنية الرقمية على المسرح، ليترجم لنا حكاية مكان يمتد عمره لمائتين وخمسين عاما، فيها كل مشاعر الاحترام والإيمان والفخر والاعتزاز بماضي الأسلاف وتقدير إبداع الإنسان، ويحكي فيها من خلال (فن التجسيد) واستجماع ما هو مخزون في الذاكرة الجمعية والموروث الشعبي، وبطريقة الحدث الاسترجاعي تاريخ إمارة أبوظبي، من خلال تاريخ قصر الحصن الذي نحتفي به على طريقتنا الخاصة.
في هذا العرض العالمي الاستثنائي، لم نكن أمام مسرحية بمعناها الدقيق، ولم نكن أمام أوبريت استعراضي، لقد كنّا في الواقع أمام رؤيا بصرية خاصة، ترتفع عن النص المكتوب، إلى النّص الحركي الذي يجمع في جوانبه جملة من فنون المسرح والسينما، والأداء، والحركة، والموسيقى، وكل مهمات العرض الفني الشامل من فنون المسرح الصامت، وملامح وسمات من الفن التشكيلي وبخاصة استخدام (الفيديو آرت)، وبعضا مما هو مؤثر في فن السيرك، ولمسات شرقية من فن الاحتفالية التي أسسها عربيا عبد الكريم برشيد، حيث كانت الفرجة هي شعار هذا العرض، وما كان أحوج جمهورنا إلى تلقّي مثل هذه التجربة على مستوى التذوق والاستيعاب، تجربة فنية تحمل هامشا من ثقافتي الشرق والغرب، حاول فيها فرانكو دراجون ومعه مجموعته أن يقدّم لنا حلاّ للمعادلة الصعبة، ونعني بها معادلة الجمع بين الأصالة والمعاصرة من خلال الفن التركيبي.

بلا فواصل
هو إذن عرض بصري حركي، تم تقديمه للجمهور دفعة واحدة، دون أية فواصل أو تقطيعات مشهدية، ويمكن القول إن اختيار (خيمة ضخمة) في ساحة قصر الحصن، كمكان وفضاء شاسع لأداء هذه السيمفونية المعاصرة ذات الطابع المحلي مضمونا، وذات النفس العالمي تقنيا وأسلوبا، أسهم في خلق تلك الحميمية بين سرعة إيقاع المشاهد التسعة التي جاءت في ثمانية عشرة توليفة فنية، والجمهور الذي انذهل مدركه البصري، بهذا التنوع السريع في المناظر، واستخدام تقنيات معاصرة في تجديد روح واحد من أهم أشكال المسرح العربي (خيال الظل)، من خلال استثمار أمثل للشاشة الخلفية لتنفيذ عمليات التحريك، أو استخدام شاشات العرض لسرد معلومات تاريخية هائلة عن قصر الحصن في صياغات جمالية ممتعة، وموقظة للجيل الجديد، والمتفرج المعاصر الذي ربما مرّ كثيرا من جانب المكان دون أن يعرف قصته الحقيقية، إلا من خلال هذا التجسيد الفني الذي تجادلت في فضاءاته ثنائيات، كشف عنها المخرج بطريقة تجعلك تتداخل في المشاهد، حيث يلعب التمثيل الحركي الصامت مع السينوغرافيا وفن الحركة والموسيقى والإضاءة والمؤثرات الصوتية دورا مهما في تشكيلة العرض، ولكن عن أي عرض نتحدث؟ في الواقع نحن نحكي عن فن الجماعة، حيث لا بطولة فردية، ولا حوار يبرز ممكنات الممثل وتفوقه الأدائي، فالكل هنا داخل طبيعة استعراضية حركية، يجسدون حكاية تتحرك، وتخاطب العقل والوجدان معا. وثمة رؤيا مهمة لجانب اختيار مكان العرض في خيمة عملاقة، قادرة بتشكيلتها الدائرية على استيعاب وتقبّل كل الأشكال والأساليب المستحدثة، وبخاصة في مجالات الديكورات المتحركة، وحركة ممثلي السيرك الذين كانوا يؤدون نوعا من (الأكروبات) التي أسهمت بجمالياتها وإيقاعاتها في خلق تشكيلات فنية وحيل مسرحية مختلفة، تضيف إلى المعاني والمضامين صورة بصرية، تعمق ألإحساس الوجداني لدى المتفرج بأن ما يشاهده هو واقع حي بتقنية معاصرة، بعيدا عن المسرح التقليدي كمكان.
وحيث إنّه لا يوجد نص درامي بالمعنى المتكامل، وحيث إن بنية الموضوع تقوم على قراءة سردية من خلال التعليق الصوتي باللغتين العربية والانجليزية حول تاريخ ومراحل بناء قصر الحصن، وحول مدينة أبوظبي التي تحتضنه بكل فخر، كان توفيقا من المخرج دراجون أن بدأ عرضه باستهلال أول، بغرض إدخال الجمهور في الحكاية من خلال شاشة خيال الظل في آخر المسرح، حيث تمر أمامنا مجموعة من الصور المجسمة ثلاثيا، نتعرف من خلالها على روح الحياة القديمة لشعب الإمارات قبل اكتشاف النفط، صور جرى ترتيبها بعناية فائقة تعكس روعة قوافل الجمال وهي تعبر الصحراء، والغواصون للبحث عن اللؤلؤ في أعماق البحر، مع جملة كبيرة من الصور المتتابعة التي تشكل تلك الحياة من خلال اجتماع رمال الصحراء والبحر والإنسان بكامل أصالته وتقاليده، في ثلاثية نهض عليها مجمل هذه الرؤيا البصرية التراثية العالمية، الموحية بكل دلالات وتفاصيل تلك الحياة الجافة القاسية المتعبة التي عاشها شعب الإمارات، قبل أن يشهد التطور الهائل الذي تعيشه الدولة الآن، بفضل الإصرار والتحدي والمواجهة والعزيمة على تحقيق (الحلم) ألذي اصبح واقعا ملموسا نستقيه من تطور الحياة في قصر الحصن كمكان وهوية وإنسان.

استهلالان ووظائف
من الاستهلال الأول، إلى الاستهلال الثاني، حيث يبدأ العرض فعليا، حينما نلمح شابا بزّيه الوطني، وقد انطلق من صالة الجمهور، باتجاه خشبة المسرح ذات المساحة الضخمة والفضاء الشاسع كاسرا بذلك أول مهمات المسرح (كسر الحاجز الرابع)، حيث يشمخ قصر الحصن بكامل هيبته وألقه وبهائه، ولونه الأبيض الذي بدا أكثر جمالا بفعل الإضاءة الساحرة التي صممها هاترك ودروف، ولأنه لا يعرف حقيقة المكان، نرى إحدى المفردات الرمزية التي تم استخدامها طوال العرض وتمثل صقرا ضخما، وفي استخدام تقني يحمل خصوصيته، يتحول الطائر إلى راو سارد ويأخذ على عاتقه سرد قصة تشييد قصر الحصن، وربما تكون هذه أولى البدايات الحقيقية في استخدام واستثمار الرموز والمفردات الدلالية الموحية في العرض، وعلى رأسها نموذج الصقر الذي يتوازى مع معاني ودلالات الموضوع الذي يركز بصفة خاصة على تقاليد الشعب الإماراتي، من العزّة والكرامة والنخوة والشجاعة، ولا شك أن الصقر يتداخل بصورة قوية مع هذه المدلولات.
يبدأ المشهد الثاني من العرض بظهور تلك الكثبان الرملية الذهبية، بل مرتفعات من الرمال، تتوزع في أنحائها مجموعة من الخيام، التي تعصف بها الرياح القوية، وكل هذه التشكيلة المنظرية، جرى تجهيزها من خلال استخدام فنون خيال الظل، إذ سرعان ما تقذف بها الرياح بعيدا، ليصبح المسرح بأكمله مجرد فضاء، ينسل من جوانيته هذا التعليق الصوتي: «قبل عهد الكتب والأوراق، الإمارات كانت صفحتها الصحراء، فيها غزلان ترقص، وحصن عظيم، وأنوار مشرقة في العاصمة، عندما تبحر الصحراء على ظهر جمل»، وسرعان ما تتكرر شعيرة (الصقر المحلق) في أرجاء المكان، فيما تلعب الإضاءة ومعها الموسيقى التي صممها الملحن الشهير جاك ليمتر دورها في تشكيل الجو الصحراوي بكل ممكناته وتقاليده، وبدء حركة الحديث عن المكان قصر الحصن، ويتجسد ذلك في المنظر الثالث، حيث يدفع الممثلون بمجموعة من القطع الديكورية التي سرعان ما تتجمع مشكلة قصر الحصن، ولعل ذلك جزء من التحايلات الطريفة التي نجح فيها المخرج في استثمار الممثلين في تشييد الديكور المتحرك، ومن ثم إخراجه من المسرح بطريقة منتظمة ودقيقة، دون إغفال في المحافظة على الإيقاع العام للعرض باستخدام خلفية المسرح بتلك الشاشات، التي تسقط أيضا من أعلى المسرح، وفيها تسمع وترى قصة بناء وتشييد قصر الحصن، باستخدام اللغتين العربية والانجليزية، وبروح فنية تجمع بين التوثيقي والحركي.
إن لكل قطعة على خشبة المسرح وظيفة واحدة أو أكثر، فشاشة خيال الظل التي يجري استخدامها لبث صور ثلاثية الأبعاد، وحركات لبعض الممثلين لتعزيز تقنية فن التجسيد، أمكن استخدامها كأبواب دخول وخروج للممثلين، حينما كان بعضهم مكلفا برفع الأجزاء الوسطى من هذه الشاشة الضخمة التي سرعان ما كانت تصبح مدخلا، أو بيتا، وعديد الاستخدامات الفنية الناجحة كأن تصبح لوحا للكتابة، وهذه إحدى سمات توظيف الديكور ليكون من نسيج المنظر والعرض عامة، بحيث كان علينا أن نبدأ من الحرف من خلال تلك الكلمات العظيمة التي أطلقها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، حينما قال: «من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل»، ومن هذا الكلام المكتوب بحروف من ذهب على شاشة في عمق المسرح، يبدأ الحلم، وليبدأ عهد جديد من البناء والتعمير، من أجل إنسان هذه الأرض الذي عانى، لكنه في النهاية حول الحلم الكبير إلى واقع، إلى دولة، وقيادة، وأمة واحدة كانت ذات صلة وثيقة بقصر الحصن.

المعادل الموضوعي
عالج دراجون هذا الموضوع بالرمز المكشوف أو المعادل الموضوعي، من باب الثنائيات الفنية، فحينما كان الصقر راويا ساردا، اصبح (الحصان) في المنظر الرابع أكثر من مفردة رمزية، متحولا إلى قيمة إنسانية، عندما حوّل تلك المعوقات والتحديات التي واجهها الأسلاف في مواجهة قسوة الطبيعة والحياة وأطماع الكثيرين، الى رمز للاعتزاز والقوة ونبرة التحدي، وفي هذا المشهد ثنائية جميلة تجمع ما بين الإنسان الدلالة والهوية والحيوان الرمز، حينما يقوم أحد الممثلين الشباب بزيه الوطني، بعملية ترويض لهذا الحصان، وبناء صداقة معه، وربما يكون أجمل ما في هذا المشهد هو تلك الحركة الدائرية ما بينهما، حركة تتوسط خشبة المسرح، ترافقها جملة فاتنة من الإضاءة المرسومة بعناية، وبدرجات ومستويات مختلفة من البقع الضوئية إلى إضاءة ساقطة من أعلى المسرح لتشكيل ثلاثي للمشهد، تؤمن لمدركنا البصري تشكيلا هندسيا بارعا، يوصلنا في النهاية الى بداية قصة نجاح الأمة ونهوضها نحو غد أجمل، وربما يمكن الإشارة هنا إلى الفن الحركي الذي يستخدمه دراجون بعناية، وكأنه جزء من حركة سيمفونية تتكامل على نار مشهدية هادئة، سنراها ونلمسها في تلك التراتبية في تسلسل الرؤيا البصرية التي تجمع بين حركة الممثل، وصور الخلفية التي تنمّي الحدث الفني بالمعلومات التاريخية، مضافا إلى كل ذلك تنبيه المتفرج إلى ذلك الشعور العميق بالواجب تجاه هويته.
من جماليات الخطة الإخراجية التي استحدمها دراجون في ملء الفراغ والفضاء المسرحي، توزيعه الدقيق للمجاميع، فمع تنامي الحدث الفني، يلجأ إلى توزيع كافة الممثلين في أرجاء خشبة المسرح ليصبحوا ضمنا بالنسبة لجمهور الصالة، جمهور الحدث، فلا يمكن أن نروي معلومة تتصل بالحدث الرئيسي دون مستمع أو متفرج، لكن وظيفة الجمهور الداخلي في هذا العرض كانت مزدوجة فهو مشارك ومتفرج على التطور الحدثي، بحيث يمتلئ الفضاء بكل هذا الحشد من العناصر التي تتوازى مع القيمة الملحمية للموضوع المطروح الذي يقف عند إنسان هذه الأرض. ومن توظيفات المشهد السادس استغناء المخرج عن شاشة خيال الظل للحظة، وليصبح الجمهور شاهدا على تنامي الحكاية، التي تبدأ تاريخيا باكتشاف بئر ماء، ولك أن تعرف في تلك الحقبة قيمة قطرة الماء بالنسبة لأهل الصحراء، وقد كان مذهلا هذا الاستخدام البليغ والمؤثر والمتقن لعنصر الإضاءة، حتى خيّل إلينا أن الماء تتدفق على خشبة المسرح وأنها اصبحت على مقربة من مقاعدنا، فيما تتوازي هذه التركيبة (الخدعة البصرية) مع مشاعر الفرح والبهجة وحركة النساء وهن يتدافعن بحركات منظمة لملء جرارهن بالمياه العذبة التي كانت سبباً أولياً وجوهرياً في التفكير في بناء قصر الحصن ليكون برج مراقبة لحماية بئر الماء، وليبدأ أيضاً عهد جديد من العمل والكفاح والبناء، فيما يلفت الانتباه تلك التراتبية، وذلك التوازن الرقيق المتناغم في تشكيل العناصر الفنية على المسرح، عناصر يصنعها الممثلون ويتداخلون معها بصورة تدفع على الدوام إلى النظر إلى قضية الالتزام بالمكان والهوية كثيمة أساسية.

مشهد تأسيسي
ربما يكون المشهد السابع من العرض من أكثر المشاهد التأسيسية، نحو سردية حكاية قصر الحصن، وفي هذا المشهد منظومة مثالية للنص الحركي، حيث نتعايش فعليا مع عملية تشييد المكان، وكان لا بد للمدرك البصري من التركيز في جملة العناصر المستخدمة في تكوين هذا المشهد العظيم الذي يذكرنا على الفور بمسرحية «ثورة فوق جسر آرتا» للكاتب جورج ثيوتوكا، حينما تطل علينا عناصر التراجيديا الإغريقية من فوق هذا الجسر، الذي شيدته سواعد البنائين على أنغام أغنية شعبية، وتماما يمضي فرانكو دراجون في هذا التفصيل الدرامي، ناسجا خيوط مشهده في بناء قصر الحصن على وقع قصيدة شعرية للشاعر محمد النّوه المنهالي:
رجــال ماتــوا دون بابــك يا حصــن
حــدّ درى عنهــــم وحـــدّ مــا درى
لو تنشد ترابـك عـن اللــي مندفــن
يكفي الثريـا تجاوبــك قبــل الثــرى
ولتجسيد حركة البناء، لم يترك المخرج عنصرا فنيا إلا واستخدمه لإثراء الحالة البصرية، وفيما يقوم الممثلون بالعمليات الأولى للتشييد، نسمع ونرى مقتطفات من صور الفيديو، وحركة ممثلي السيرك وهم ينقلون الأدوات بطريقة فنية مبهرة ومدهشة وفي تشكيل هندسي بارع، موسيقى ومؤثرات صوتية تتداخل مع أصوات الرياح القوية، تعبيرا عن أننا ما زلنا في حضن الصحراء الأم، وتسوى الأرض وتلين الحجارة، ويرتفع جزء من بناء قصر الحصن، ولكن في صورة درامية ملحمية تشتمل على الفكر والفرجة في آن، وكان علينا هنا أن نصغي إلى الكبرياء والرجولة وقداسة العمل المتقن والتضحية الإنسانية، فيما تبدو من بعيد، من خلال الشاشة الخلفية مجموعة متدفقة من الصور لمن كانوا وراء قصة نجاح هذا البناء العظيم، وفيها أيضا صوت الكورس، متمثلا في تلك الأهازيج الجميلة النابعة من موروث المنطقة، وفيها أخيرا صورة البطل في مواجهة تحديات الطبيعة. وربما ينبغي هنا أن نتحدث عن لغة العرض من خلال هذا المشهد البديع المؤسس للمشاهد القادمة، لغة ذات مستويات وإن كانت تخلو من الحوار بين الممثلين، إذ لا يوجد في هذا العرض أي نوع من الحوار المنطوق، سوى الحوار بالحركة، ومن ثم كلام الراوي السارد من خلال التعليق الصوتي الخارجي، ثم توثيق الصورة مع الحركة البشرية للمجاميع الهائلة التي جرى استخدامها وفق ممكنات تطوير فكرة الصورة المشهدية الشاملة، وقد أفضت التنويعات اللغوية ومستوياتها في المشهد إلى تكريس مهمة الممثل الحركية، مضافا إليها حركة الصورة التوثيقية من خلال الشرائح ومقاطع السينما والفيديو، ومعها جميعا مؤثرات صوتية هائلة متدفقة هادرة، وموسيقة مفعمة بالمشاعر الوجدانية ممزوجة بنكهة صحراوية، كان لآلة (الربابة) البدوية دور مهم في تشكيلتها الفنية التي جاهدت في تقريب ممكنات المحلية الخالصة.
غير أن العرض لا يكتفي بهذه المعطيات الفنية، ولا يقف عند هذه الأبعاد، لا سيما وأنه ربط في ثنائية رائعة بين المكان والإنسان، ولكنه يوظفها ويطورها في ضوء المفاهيم الدرامية والفلسفية المعاصرة، فكان لا بد في المشهد الثامن من أن يعود الى لغة الأسلاف ثانية، معتمدا على عنصر الحدث الاسترجاعي (الفلاش باك)، فيعيدنا إلى حقبة (الغوص على اللؤلؤ) في أعماق البحر الغامض، حينما شكّلت تجارة اللؤلؤ مجتمعا بحريا له ثقافته ومجالسه وأدبه، وقد طوّر دراجون مفهومه الحركي كثيرا في تجسيد عصر اللؤلؤ، وشكل مشهده هذا على أكثر من مستوى حركي وبصري، فقد دفع بنحو عشرين كرة بيضاء من اللؤلؤ المزدان بألوان أخاذة بفعل الإضاءة الناجمة عن استخدام مصابيح الفرزنيل مع الماشطات الضوئية التي تصقل خشبة المسرح بطريقة مبهرة، أو كما يقول الراوي صادحا من بعيد: «كيف يصبح التاريخ أملسا مثل اللؤلؤات المصقولة»، ثم يستطرد في حديثه شارحا طرق الصيد باللؤلؤ والبحث عن المحار وأنواعه في البحر، ثم عودة مشهدية إلى كرات اللؤلؤ يدحرجها لاعبو السيرك، ويركبونها بخفة ومهارة فنان الأكروبات، فيما يتداخل الممثلون والممثلات لتشكيل هندسي للمشهد، وتتوالى في الخلفية صور الفيديو لمهنة اللؤلؤ ومفرداتها وفنونها وأغنياتها، ليكتمل في النهاية ذلك الحضور البصري المبهر للعين والعقل والأذن.
يتطور الحدث بسرعة متجها من البحر نحو الحركة التاسعة من هذه السيمفونية التراثية المعاصرة، لنرى خليطا من المناظر المتداخلة، وقد دب نوع جديد من الحياة، بهذا النمو الزراعي، الذي يبني علاقة جديدة للإنسان مع الأرض، وكيف يعانقها النخيل بحنان جارف، فيما تمر من أمامنا قوافل الإبل، ويصدح حداءها بأعذب الالحان التي تحثها على مزيد من السير، فيما يبدو قصر الحصن متكاملا بكل بهائه وهيبته، وفي هذا الخضم المشهدي يتكامل الفعل الدرامي، حينما يتقدم كل الممثلين والممثلات في وقفة واحدة أمام القصر وكأنه تحوّل بصريا ومكانيا وضمنيا الى بطل وجودي اختار مصيره بيد أبنائه، ولعلنا نعود ثانية إلى فن بناء الثنائية التي استخدمها دراجون بمهارة عالية، حيث يتوازى البطل الوجودي في المكان، مع جملة أبطال من الآباء الأسلاف أسهموا في بناء وترميم هذا المكان. ولتأكيد هذا الفهم، سرعان ما نتعايش مع أول المحاولات في عمليات اكتشاف النفط، ولنقرأ على الشاشة الخلفية ما قاله الراحل الكبير زايد: «كانت أحلامي كثيرة، وكنت أحلم بأرضنا بعد أن تصبح واحات خضراء...». من هنا عرف المخرج كيف يفجر الطاقات البصرية، إذ سرعان ما يطوّر هذه اللحظة الدرامية المهمة إلى معنى واقعي، حيث الانتقال السريع بعد تدفق النفط إلى ثورة التحديث والبناء، فتتدفق عبر الشاشة الخلفية عشرات الصور للبنايات والأبراج الحديثة والتطور العمراني المذهل الشامل الذي شهدته أبوظبي، ومن الصورة الخلفية إلى صور تركيبية لعدد من نماذج الطائرات التي يحركها الممثلون، تعبيرا عن تنوع التطور في مجالات مختلفة، وهنا أيضا ثنائية جديدة تجمع ما بين حركة الطائرات في سماء المسرح وحركة الممثلين المعبرة عن الفرح بهذا التطور.. ومع حركة الطائرات هذه نرى الصور تتدفق في الخلفية لتعكس جانبا من الحياة القديمة حيث التجارة بالسمك، وغيرها من المهن التقليدية التي كانت سائدة.
ولعل ذلك يقودنا بالضرورة للحديث عن عنصر التمثيل الذي قام به ستون ممثلا وممثلة من الإمارات ودول الاتحاد الأوروبي، فبرزت المهارة الحركية المتقنة لدى معظمهم، وبذلك يكون هذا العرض قد نجح في تقديم عناصر شبابية عاشقة للفن الحركي والقدرة على أداء فنون البانتوميم (التمثيل الصامت)، مع إتقان فن التشخيص والتجسيد على مستويات متعددة وبمواصفات عالمية.

الأسلوب الدائري
ومن المهم أن نشير إلى قيمة هذا النص الحركي الذي تم بناؤه بقالب الأسلوب الدائري، الذي ابتدعه الكاتب الروسي الشهير أنطون تشيكوف، بحيث يمكنك بدء هذا النص من أوله أو من آخره، فالنتيجة واحدة، وربما يكون هذا النوع من البناءات الفنية من أصعب ما يمكن معالجته مسرحيا أو بصريا، فقد بدأ العرض بمفردة الصقر، منتهيا بها، بحيث أصبحت هذه المفردة كشعيرة أو متلازمة للحدث، كذلك الكثبان الرملية التي تعكس لنا الماضي ممثلا بالصحراء التي تحولت إلى جنة غنّاء، وكذلك مفردة الكتاب الذي يضم في جنباته نموذجا لمبنى قصر الحصن، وقد انتهى العرض بذات الكتاب الذي يسرد قصة كفاح شعب الإمارات، كذلك جملة «من ليس له ماض لا حاضر له ولا مستقبل» انتهى بها المشهد الأخير.. هذه الثنائيات الدائرية المتكررة، مع تداخل الصور التوثيقية المتناغمة مع تطور الحالة الفنية، جميعها جرى استخدامها في إطار درامي لم يكف لحظة عن تقديم مشهدية بصرية ممتعة ومتدفقة، ومحافظة على إيقاعها ومستواها طوال مدة العرض الاستثنائي في جميع مستوياته الجمالية والبصرية والهندسية والحركية التي قامت أيضا على عاتق ممثلي السيرك العالميين، دون أن ننسى أن فن السيرك هو جزء مهم جدا من فن وتقنيات المسرح المعاصر.
على وقع أبيات شعرية تشكل في مضمونها بعضا من الحكم والأمثال، يتشكل المخرج المشهد الأخير من فصول هذا العرض البصري المتحرك، فلنسمع هذا التحذير: «إحذر ولا تشتط، فتندم». والمعنى واضح إذ لا تدع النجاح والثراء يدخلك في دائرة الغرور، وهنا كان على دراجون أن يلجأ إلى الأسلوب التعبيري في رؤيته المشهدية لهذا التشكيل البصري، الذي صفق له الجمهور طويلا، أما عناصر المشهد فتتكون من كتاب ضخم يفتحه أحد الممثلين في وسط المسرح، ومن الكتاب يطل علينا نموذج (ماكيت) لبناء قصر الحصن، فيما تفتح الشاشة الخلفية، وقد ظهر لنا أحد الرسامين وأمامه ثلاث لوحات ضخمة يقوم برسمها، وسرعان ما تكشف لنا الاضاءة عن صور المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد الأول، والمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد المؤسس «طيب الله ثراه» وصورة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الل، وقد بدت وجوه شخصيات هذه الصورة ذهبية لامعة، فيما تنزل على الكادر الخلفي من الشاشة كلمات عظيمة في معناها: (النداء لألف رجل عظيم، لأقف مرة أخرى، عاشوا من قبل، على ذاك الذراع المنحني)، فيما يعود الممثل حامل الصقر ليتصدر المشهد كله، ويتوزع جموع الممثلين في كل فضاء خشبة المسرح كشاهدين على الحدث العظيم، بناء قصر الحصن، وانتصار مدينة أبوظبي، فيما تتحول كامل خلفية المسرح الى صور صقور، وتصدح الربابة البدوية بصوتها الجميل الحزين، تقديرا لمعاني رائعة وخالدة يحملها هذا المكان العظيم قصر الحص.
إن مجرد التفكير في تقديم مثل هذه التجربة في ثوب محلي بمواصفات عالمية من التقنية المعاصرة مثل «قصة حصن مجد وطن»، هو في حد ذاته مغامرة درامية كبيرة، وعمل بطولي يستحق كل تقدير،ومن الواضح أن العمل تيسرت له كل الامكانيات المادية والطاقم التمثيلي والحركي بما يتكافأ ومكانة الموضوع العظيمة.وإن كانت هناك من ملاحظات أو هنات لا تقلل من شأن النجاح الكبير لتجربة دراجون الذي نجح في ملامسة روح قصر الحصن وروح أبوظبي في المشاهد الخمسة الأولى، مبتعدا قليلا عن هذه الروح سواء من خلال التداخل التاريخي والمشهدي في النص الحركي، أو من خلال الانسياق وراء الإبهار والطقسية الزائدة في تركيب المشاهد ذات التقنية العالية ذات الحشد الكبير من العناصر ، بحيث ما كان ممكنا في بعض المناظر للجمهور ملاحقة ما يحدث بصورة تركيزية،وربما يكون ذلك نابعا من تلك السرعة الهائلة في الإيقاع والنقلات المشهدية لرصد مرحلة تاريخية هائلة من الأحداث والمعلومات التوثيقية والارشيفية اللازمة لدمج التوثيقي بالحركي. ولحل هذه الإشكالية أما كان بالإمكان تقديم كتيب صغير او (بروشور) عن العرض والممثلين وغير ذللك من معلومات يحتاجها المتفرج العادي.
ربما يكون أحد أهم أبطال هذه الرؤيا البصرية الاحتفالية هوهاتريك ودروف مصمم ومهندس الإضاءة التي قدمت لنا إضاءة نموذجية مسرحية، ونقول مسرحية لأنها ربما تكون العنصر الدرامي الوحيد الذي لع علاقة وطيدة بالعرض بل نابعة من نسيجه الداخلي، فقد صمم الرجل للمناظر إضاءة واعية متناغمة في ألوانها ودرجاتها التي كانت تواكب كل المراحل المشهدية والحركية، بل والمراحل التي مر بها بناء قصر الحصن كمكان، وهوية، هنا لغة الثراء في عالم الألوان والبقع الضوئية والأركان الراصدة لكل حركة ممثل، بحيث أننا لم نر أية منطقة أعتام طوال 75 دقيقة هي مدة هذا العرض الذي لولا إضاءته المميزة، وموسيقاه المتحفة، مع تلك الأزياء النابعة من بنية الموضوع، والمؤثرات الصوتية الحافلة بالأجواء الصحراوية الممتدة الى الأجواء المعاصرة لفقد العرض الكثير من جمالياته وروحه المعاصرة بعد أن جمع لنا في توليفة فنية من المسرح الشامل مفاهيم جديدة في سرديات الراوي، استخدام السينما والفيديو والشرائح، والقصائد الشعرية، والمقولات والحكم، ولغة توثيق المعلومة التاريخية، والتجسيد والتشخيص والحركة في إطار الفن الجماعي الذي قلما نراه جديدا موحيا في مسرحنا المعاصر.

اقرأ أيضا