الاتحاد

رمضان

عواجيز الفرح يتسابقون على منصب رئيس الجمهورية


القاهرة - 'الاتحاد':
يصعب على من يود الإنصاف ان يحافظ على توازنه العقلي والوجداني وهو يرصد هذه الأيام ردود الفعل في الشارع العام والسياسي في مصر على طلب الرئيس حسني مبارك تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور ليصبح اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب الحر المباشر بين أكثر من مرشح بدلا من الاستفتاء الذي ظل معمولا به منذ قيام ثورة 23 يوليو ·1952
ردود الفعل حتى الآن مدوية وقوية لكنها ليست عاقلة ولا رزينة ولا ذات حجة·· فهي تسير على طريقة أفلام الأبيض والأسود·· بين خير مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه·· وشر مطلق ليس فيه بصيص أمل أو بارقة خير·· أي أننا أمام ردين للفعل لا ثالث لهما·· رد التهويل والطبل والزمر وهتاف الفداء بالروح والدم·· ورد التهوين والتلطيخ وهتاف الزعيم سعد زغلول 'ما فيش فايدة'·
والرصد المبدئي يقول مقولة خالدة لا تخطيء أبدا·· وهي أن شعوب الدول النامية شعوب رد فعل وليس شعوب فعل·· فهي تنتظر المنحة من فوق وعلى أساسها يكون رد الفعل بالرضا والقبول أو الويل والثبور·· فإرادات الشعوب ونخبها السياسية والثقافية لاحقة وتالية لإرادة السلطة·· وهي ليست إرادات بالمعنى الحقيقي ولكنها أصداء وردود أفعال وتظاهرات بالحناجر أو الأقلام مع أو ضد·· وبالتالي فإن التغيير دائما من فوق لأن الشعوب على ما يبدو كفت عن أن تحلم وتتوقع وتتنبأ وصارت تفاجأ دائما بما ليس في حسبانها·
بدأت البلبلة وعدم التركيز والارتباك بعدم الاستقرار حتى الآن على اسم مناسب للخطوة التي خطاها الرئيس مبارك واختلفت الأسماء حتى الآن أيضا باختلاف تصنيف من يؤيد أو من يعارض·· وعموما لا أحد حتى هذه اللحظة من أي طيف سياسي يعارض خطوة الرئيس·· لكن لاحظنا سباقا في الأسماء·· فهناك من سماها مبادرة وهناك من سماها قرارا وهناك من سماها هدية الرئيس·· وهناك من سماها عبورا ديمقراطيا·· أو العبور الثاني باعتبار الرئيس مبارك كان قائدا للقوات الجوية في العبور العسكري في حرب أكتوبر ·1973
ونشطت بورصة الأسماء كالعادة· وكما تنشط دائما في إطلاق الألقاب على نجوم الفن وكرة القدم·· فهناك من قال إن خطوة الرئيس مبارك عيد·· وطالب بأن يكون يوم السادس والعشرين من فبراير عيدا للديمقراطية كل عام·· وهناك من أطلق على الخطوة اسم زلزال أو مفاجأة أو قنبلة وهذا كله غيض من فيض·
كل هذا بينما الرئيس مبارك نفسه لم يطلق على خطوته هذه أي اسم·· وسماها فقط طلب تعديل المادة 76 من الدستور·· ومعنى ذلك أنها ليست مبادرة ولا قرارا ولا هدية ولا منحة ولا عيدا·· لأن المفترض أن طلب الرئيس سيسير مسافة طويلة في دهاليز تشريعية من مجلس الشورى إلى البرلمان إلى لجنة تسلمه لأخرى وينتهي الامر باستفتاء شعبي على مشروع التعديل·· والمفترض أيضا وفق الأصول الديمقراطية أن يحتمل هذا المشروع الرفض أو القبول·· لذلك لم يقل رئيس الجمهورية انه قرار أو قانون أو مبادرة·· إنه مجرد طلب يحتمل الرفض والقبول·لكن هذا التهويل الشديد يعني قناعة راسخة ينبغي أن تنتهي بأن كلام السلطة العليا حتى لو كان مجرد طلب أو اقتراح يصبح قرارا ومبادرة بمجرد التفوه به·
وإمعانا في هذه القناعة حتى لدى أعتى المعارضين وجدنا سباقا كوميديا على صفحات صحف المعارضة والصحف الخاصة وفي اجتماعات الأحزاب على اقتراح الأسماء التي ينبغي ان تدخل سباق الرئاسة القادم وكأن طلب الرئيس مبارك تعديل الدستور أصبح قانونا بالفعل رغم ان الحكاية مازالت في أول سطر وأن 'التقل ورا' كما يقولون وأن هناك مباراة تشريعية ساخنة مازالت في دقائقها الأولى حول الشروط الواجب توفرها في مرشح الرئاسة والضمانات المقترحة لجدية الترشيح·· وقد تنسف هذه المباراة الحكاية برمتها وتعود 'ريمة الى عادتها الإستفتائية القديمة'·
وقد عكست الترشيحات الكثيرة لأسماء المرشحين المحتملين للرئاسة رغم سطحيتها وطرحها الكوميدي أزمة حقيقية في النخبة السياسية والثقافية والصحفية أيضا·· فحتى الذين طبلوا وزمروا لمقولة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل 'إن السلطة شاخت في مقاعدها' رشحوا هيكل نفسه وقد تجاوز الثمانين من عمره ليكون رئيس الجمهورية القادم·· وهناك من قال ومنهم الدكتور يحيى الجمل وزير الدولة الأسبق إن أي شخص غير خالد محيي الدين زعيم حزب التجمع المعارض يفكر في ترشيح نفسه للرئاسة يكون أبله·· بينما خالد محيي الدين نفسه لأنه صادق مع ذاته ويحترم تاريخه قال بالحرف الواحد: ليست لدي صحة ولا فلوس لخوض انتخابات الرئاسة لأن الرجل يعلم أنه في طريقه إلى سن الخامسة والثمانين·وسمعنا عن ترشيحات للدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الذي تجاوز السبعين وعمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الذي يخطو نحو نفس السن·
كشف المستور
ومازال الدكتور سعد الدين إبراهيم العجوز العليل يخطط ليختم حياته رئيسا للجمهورية ولو لمدة أسبوع·· فقد كشف طلب الرئيس مبارك تعديل الدستور عورات النخبة السياسية والثقافية وكشف مستورها أيضا·
أيضا، قال مرشد جماعة الأخوان المسلمين المحظورة محمد مهدي عاكف إن الجماعة تجري حوارات الآن حول خيارين·· أحدهما ان تتقدم بمرشح والآخر ان تقف وراء مرشح مستقل ليس شرطا ان يكون من الجماعة·· علماً أن الجماعة لا تختار قيادة أقل من سن الثمانين كما دأبت على اختيار مرشدها في نفس السن·
وكما أن هناك عواجيز في السن يتسابقون على منصب رئيس الجمهورية·· هناك أيضا عواجيز الفرح الذين يتجمعون تحت لافتة المعارضة ولديهم هواية إفراغ أي جيد من مضمونه وإجهاض اي محاولة للأمل·· فقد تسابقت الصحف المعارضة والخاصة على التشكيك في كل ما حدث وما سيحدث وقالت إن ما أقدم عليه الرئيس مبارك يكرس مبدأ توريث السلطة ويمهد الأرض لجمال مبارك نجل الرئيس ليكون الرجل الأول في مصر وأن من تسميهم 'ترزية القوانين' سوف يفصلون الحكاية كلها على مقاس جمال مبارك·
وقد قال ضياء الدين داود رئيس الحزب الناصري ود· رفعت السعيد رئيس حزب التجمع نصا حرفيا واحدا عبر صحف المعارضة وهو: إذا لم تكن هناك انتخابات رئاسية جادة فإننا لا نسمح لأنفسنا بأن نلعب دور الكومبارس·· ويقصدان المرشح الذي يعرف الجميع مسبقا أنه لن ينجح وأنه دخل لمجرد تجميل وجه النظام وإكمال الديكور الديمقراطي·· والحق انه كلام جميل لكنه كلام بلا فعل·· فالمعروف أن داود والسعيد وغيرهما من رؤساء الأحزاب ظلوا منذ بدء التجربة التعددية الحزبية مجرد ديكور في الحياة السياسية·· فما الجديد في أن يلعبا دور الكومبارس في انتخابات الرئاسة وهو دورهما ودور غيرهما منذ البداية؟
ومضى عواجيز الفرح في سكب الحبر الأسود على كل سطر جيد ليصبح غير مقروء وقالوا ان خطوة الرئيس مبارك جاءت بضغط من الخارج خاصة من الولايات المتحدة وان الدولة تحاول تخفيف الضغط على نفسها بخطوات التفافية على الاصلاح السياسي الحقيقي·· أي أن الأمر لا يعدو كونه مناوره سياسية بلا مضمون·
وأرادت الحركة الوطنية من أجل التغيير التي تطلق على نفسها 'كفاية' ركوب الموجة فراحت تنسب ما حدث لنفسها وتعتبره انتصارا لها·· وكأنها هوجة يبحث كل تيار فيها عن دور لنفسه·
وفي جولته بمشروع توشكي قال الرئيس مبارك ما يعني في مضمونه انه تجاوز سقف الحوار الوطني بين الأحزاب حين أكد ان طلبه تعديل الدستور لم يكن من اجل الحزب الوطني ولا أحزاب المعارضة ولكن من اجل مستقبل مصر·· فهو هنا يؤكد انه غير معني بما تريده الأحزاب الحاكم منها والمعارض وانه يرى ان هذه الخطوة ستكون ثمارها اكثر نضجا في المستقبل وليس في الوقت الحالي·
والأهم من ذلك كله قول الرئيس في تشخيص دقيق للحالة الحزبية: يبدو أنهم غير جاهزين لتقديم مرشحين للرئاسة·· واذا كانوا حريصين على نجاح التجربة عندما يتم اقرار التعديل فعليهم أن يتقدموا بمرشحين·· والشعب هو الذي يقول كلمته·· لأن كلمته هي العليا·
والنقطة الأخرى التي ينبغي ملاحظتها هي الخلاف الكبير حول الضمانات المقترحة لجدية الترشيح حيث ورد في طلب التعديل أن المرشح ينبغي أن يحظى بدعم شعبي وبرلماني·· وتم تفسير ذلك على أساس ضرورة حصوله على تأييد نسبة من نواب البرلمان ونسبة أخرى من أعضاء المجالس المحلية·
ومازال النقاش جاريا حول هذه النقطة وقد قال صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى ان الحوار سيسفر عن ضمانات لا تقبض الأمور ولا تبسطها·· بمعنى انها لن تكون ضمانات تعجيزية تحول دون التقدم للترشيح ولن تكون ضمانات سائبة ومائعه تتيح لمن هب ودب ترشيح نفسه حتى يمكنه اذا لم يفز في الانتخابات ان يطبع بطاقات يكتب عليها·· فلان الفلاني المرشح السابق لرئاسة الجمهورية·
وحتى الآن وربما حتى شهور قادمة لم يحسم موضوع الضمانات·· فهناك من يود أن يجعلها ضمانات مالية بمعنى ان يتقدم المرشح للرئاسة بشرط ان يدفع مليون جنيه مثلا أو مئة مليون كما اقترح البعض كتأمين انتخابي لضمان جديته على ان يسترده اذا لم يحصل على اكثر من ثلاثة في المائة من أصوات الناخبين·
وتلقى مقولة الضمانات المالية اعتراض الجميع لأنها ستحصر منصب الرئيس في أصحاب الملايين فقط·
وهناك أصوات عاقلة وسط الضجيج يبرز منها المستشار محمد موسى رئيس اللجنة التشريعية في البرلمان حيث يؤكد تحفظه على فكرة تزكية المرشح للرئاسة من جانب المجالس الشعبية المحلية ويقول ان معظم هذه المجالس تتشكل من المنتمين للحزب الوطني الحاكم وبالتالي فإن تزكيتها ستكون معيبة وتحرم من لا ينتمون للحزب الوطني من الترشيح·
وقال ان اللجنة التشريعة تسعى الى تنظيم عملية الترشيح للرئاسة فلا يصح ان يتقدم لهذا المنصب شخص حاصل على الابتدائية لمجرد انه حصل على تزكيه من المجلس المحلي التابع له·· وتوقع المستشار موسى الاستبعاد التام لفكرة تزكيه المجالس المحلية·· وقال ان اللجنة تدرس فكرة حصول المرشح على عدد معين من التوقيعات من جانب الشعب مباشرة·
أرقام فلكية
وهناك حسبة بسيطة أجراها عادل حمودة رئيس تحرير صحيفة 'صوت الأمة' الخاصة ويقول فيها ان المرشح الذي يخوض انتخابات الرئاسة يحتاج الى 222 ألف مساعد في كل الدوائر الانتخابية وهي 222 دائرة بمعنى انه يحتاج إلى ألف مساعد في الدائرة الواحدة أسوة بالمرشح للبرلمان·· وفي ادنى التقديرات يحصل المساعد على 500 جنيه شهريا على مدى ثلاثة شهور هي مدة الحملة الانتخابية أي ان المرشح يجب ان يدفع حوالي 300 مليون جنيه أجور مساعدين فقط·· وهذا بخلاف مصاريف الدعاية الأخرى في الصحف والإذاعة والتليفزيون والملصقات في كل الدوائر أي أن المرشح عليه ان يكون مستعدا للتضحية بمليار جنيه قبل ان يفكر في خوض انتخابات الرئاسة·· على أساس انه يمكن ان يفوز ويمكن ان يفشل وعندما يفشل ستكون النتيجة موتا وخراب بيوت كما يقال·· وبالتالي فإن انتخابات الرئاسة عندما يفتح بابها على مصراعيه بعد تعديل الدستور ستكون في كل الأحوال للأغنياء فقط·· أو للفقراء الذين يدعمهم أغنياء·
وفي الطريق عثرات أخرى غير الضمانات لجدية الترشيح منها الشروط الواجب توفرها في المرشح نفسه·· وهل سيسمح لمزدوج الجنسية مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم بأن يرشح نفسه؟·· وهل سيكون الموقف من التجنيد شرطا جوهريا باعتبار ان الباب سيفتح لأول مرة للمدنيين·· وباعتبار ان رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة؟·· فهل يعقل ان يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة قد سبق له التهرب من التجنيد؟·· وهل سنرى طعونا على انتخابات الرئاسة بعد ان تتم باعتبار ان الرئيس المنتخب مزدوج الجنسية أو هارب من الخدمة العسكرية·· كما يحدث بالنسبة لنواب البرلمان؟
ان الضمانات الصارمة مطلوبة بشدة حتى لا ينفتح الباب واسعا لكل الاحتمالات وكل المهاترات·· فقدر العالم الثالث أن يكون رأس الدولة ذا هيبة وبعيدا عن مستوى الشبهات والقيل والقال·· واذا خضع هذا المنصب لقواعد اللعبة الانتخابية المعمول بها في البرلمان أو النقابات أو المجالس المحلية فإن القيم والثوابت ستتعرض لزلزال عنيف يكون الجميع بلا استثناء ضحاياه·

اقرأ أيضا