الاتحاد

تقارير

تونس: تحديات الثورة

مضى نصف عقد منذ قطعت تونس العلاقات جذرياً مع ماضيها الديكتاتوري. وأضافت تضحية البائع الشاب بنفسه في إحدى مدن البلاد التي أرهقها الفقر إلى عقود سبقت من المعارضة المستترة، وتوجت بالفرار المفاجئ لزين العابدين بن علي الذي حكم تونس طوال 23 عاماً متتالية. وتثير ذكريات الحشود الثائرة في أنحاء البلاد، وصور العنف ضد المتظاهرين من الشباب التونسي، ودعواتهم الانفعالية لرحيل الديكتاتور، وتدفق الآلاف إلى شوارع تونس في 14 يناير 2011.. تثير العواطف مع حلول ذكرى ذلك اليوم.
وبينما تحتفل تونس بالذكرى الخامسة للثورة، يختلط الحنين إلى الفرحة في تلك اللحظات بالاستياء والإحباط. وهذه المشاعر المختلطة بشأن الثورة وما تلاها هي علامات مهمة لما أصبحت عليه تونس اليوم. ورغم ذلك، لا ينبغي أن تتجاوز مشاعر الاستياء شجاعة وطموحات هذه المرحلة الانتقالية الجذرية في تاريخ تونس.
واليوم أصبحت تونس مختلفة تماماً عما كانت عليه في نهاية عام 2010. فقد حول التعبير العلني عن مطالب المواطنين والقوى السياسة الجديدة الأفق السياسي الذي كان منغلقاً، وأضحت تمثل قطيعة جذرية مع الماضي الديكتاتوري للبلاد. وصدمت ثورة 14 يناير 2011 النظام بأسره بُمثل تكررت أصداؤها في أنحاء المنطقة، وغيرت تماماً قواعد اللعبة السياسية في تونس وما وراءها. وهذه هي المرحلة التي يحتفي بها التونسيون ويتذكرونها اليوم.
وكان الحراك الثوري في تونس (2010-2011) رد فعل بركانيا على عقود من القمع السياسي والاجتماعي ضد المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان والعمال، الذين أصبحوا يتوقون لنظام سياسي واقتصادي عادل يشمل الجميع تحت مظلته.
غير أن التقدم صوب تطبيق «النظام العادل» الذي تم تصوره أثناء سنوات بن علي الحالكة اصطدم بسلسة من العقبات والعثرات. ولا تزال الأضواء الدولية مسلطة على تونس، رغم أن العملية التي تخوضها كثيراً ما ينظر إليها من عدسات مختلفة.
ويشير كثيرون إلى تونس باعتبارها قصة نجاح، لاسيما أن دورتها الانتخابية الأولى فتحت نظاماً سياسياً لائتلاف أحزاب صاغ دستوراً ديمقراطياً تم الاحتفاء به. ومثلت الانتخابات الثانية أول هزيمة لحكومة إسلامية ضعيفة، كما شهدت أيضاً أول انتقال ناجح للسلطة. ولقي التقدم الذي تشهده البلاد ترحيباً دولياً كبيراً توّج بجائزة نوبل للسلام في عام 2015، ووضعها ضمن أفضل عشر دول في قائمة فوربس للدول الصديقة للشركات الناشئة.
وركز مراقبون آخرون على التطورات السلبية، بما في ذلك اغتيال اثنين من السياسيين اليساريين، والهجمات المستمرة ضد قوات الأمن، وأعمال الإرهاب ضد السياح في متحف باردو، ومنتج سوسة الشاطئي، والإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الحكومة بعدئذ، بما في ذلك علميات الاعتقال الاعتباطي والمخاوف المتزايدة من تجريم التعبير والاحتجاج العلني. وإلى ذلك، يواجه حزب «نداء تونس» الحاكم، الذي فاز بالانتخابات التشريعية عام 2014، انهياراً تحت وطأة الخلافات الداخلية، مع الانشقاقات الضخمة بين نوابه وأعضائه في مكتبه السياسي.
لكن رغم أن كلاً من المتفائلين والمتشائمين لديهم أسباب منطقية لوجهات نظرهم، فإن النظرة المتأنية للمحللين حول الإنجازات السياسية كدلالة على ترسيخ دعائم الديمقراطية الليبرالية، أو الربط بين الأحداث المدمرة و«انتكاسة الديمقراطية».. لم ترسم فحسب صورة محدودة وباهتة حول الوضع الذي أضحت تعيشه تونس الآن، ولكنها أيضاً أثرت على الرأي العام.
وقد عززت تحذيرات التحول السياسي غير المستقر هذه المعنويات، ووضعت الحركة الثورية وطموحاتها وأحلامها وشجاعتها، والأكثر أهمية الإنجازات الجوهرية التي حققها التونسيون خلال الأعوام الخمسة الماضية، موضع شك.
ومن الواضح أن هذه الشكوك ربما تفسر القبول التكتيكي من قبل البعض بعودة رموز النظام السابق إلى الحياة السياسية والاقتصادية والعامة.
والذكرى الخامسة للثورة التونسية تقدم فرصة للتوقف وإعادة التفكير في مقاربة سياسية حول كيفية تحويل الثورة إلى «مؤسسات» وفصل الحماسة الحقيقية جداً لمرحلة الثورة عن الأشكال المختلفة للاستياء والحكم بعد الثورة.

* محللة سياسية
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا