الاتحاد

عربي ودولي

محللون سياسيون وخبراء لـ"الاتحاد": اتفاقية الدوحة ـ أنقرة العسكرية.. "انتهاك صارخ" لسيادة قطر

أحمد مراد (القاهرة)

وصف خبراء في القانون الدولي والعلوم السياسية البنود السرية للاتفاقية العسكرية التركية ــ القطرية بـ «انتهاك صارخ» لسيادة قطر على أراضيها، مؤكدين أن النظام القطري بهذه الاتفاقية العسكرية استباح كرامة شعبه مقابل البقاء في الحكم وتحقيق مصالحه الشخصية.
وأشار الخبراء إلى أن الاتفاقية العسكرية تجعل من القواعد التركية في قطر بمثابة «دولة داخل الدولة»، وتجعل الدوحة عاجزة عن اتخاذ الإجراءات السيادية والقانونية والسياسية على جزء من أراضيها، وهو احتلال «مقنع» من قبل الجيش التركي للأراضي القطرية.
وكان موقع «نورديك مونيتور» السويدي قد نشر قبل أيام قليلة بنودا سرية في الاتفاقية العسكرية الموقعة بين الدوحة وأنقرة، والتي بموجبها نشرت أنقرة آلاف الجنود الأتراك في قطر، مؤكدا أن هذه البنود تمس السيادة القطرية على أراضيها، حيث تمنع ملاحقة أي جندي تركي متواجد في قطر، ولا تجيز محاكمته في حال ارتكابه أي انتهاكات قانونية، وبحسب الموقع السويدي فإن كافة الجنود الأتراك المتواجدين على الأراضي القطرية لا يمكن أن يخضعوا للقانون القطري ولا للجهاز القضائي القطري، وإنه في حال ارتكب أي منهم مخالفة أو جريمة فإن القضاء التركي هو الذي يختص بالنظر فيها.
وفي الوقت الذي شددت فيه الاتفاقية على ضرورة أن تحترم عناصر الجيش التركي المنتشرة على الأراضي القطرية المعتقدات والقيم الدينية والقوانين والجمارك والعادات والتقاليد في دولة قطر، لكنها في الوقت ذاته منحت الحماية للجنود الأتراك من أية مساءلة في حال انتهاك هذه الأشياء، ومنعت السلطات القطرية من اعتقال أي جندي تركي ينتهك القوانين أو المعتقدات الدينية.

الخصم والحكم
أوضح د. محمد حسن، خبير العلاقات الدولية، أن البنود السرية للاتفاقية العسكرية التركية ــ القطرية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن النظام الحاكم في قطر لا يهمه سوى البقاء في الحكم وتحقيق مصالحه الشخصية حتى لو كان ذلك على حساب سيادة بلاده وكرامة شعبه.
وقال :«العديد من مواثيق وبنود وأعراف القانون الدولي تشدد على عدم المساس بسيادة الدول والشعوب على أراضيها، وتجرم كافة صور وأشكال انتهاك هذه السيادة، ومن هنا تمنع بنود القانون الدولي أي دولة أن تتدخل في شؤون دولة أخرى تحت أي ذريعة، مثلما هو الحال في الحالة التركية ـ القطرية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر ما جاء في بنود الاتفاقية العسكرية الموقعة بين قطر وتركيا تعاوناً ثنائياً بين البلدين، وإنما هو في حقيقته تدخل سافر من قبل تركيا في شؤون قطر الداخلية، يمس بشكل فاضح سيادة وكرامة الشعب القطري.
وأضاف: من العجيب والغريب جداً أن يقبل النظام القطري بهذا الوضع المخزي والمؤسف والذي يجعل من القواعد العسكرية التركية المقامة على الأراضي القطرية بمثابة «دولة داخل الدولة»، ويجعل قطر عاجزة عن اتخاذ الإجراءات السيادية والقانونية والسياسية على جزء من أراضيها، وهو الوضع الذي يمكن أن نصفه وفق ما جاء في مقررات وأعراف ومواثيق القانون الدولي بـ«احتلال عسكري» يعيد الذاكرة العربية إلى عصر الاستعمار الغربي لدول المنطقة العربية، حيث كانت قوات الاحتلال الأجنبي لا تخضع لقوانين الدول المحتلة مهما ارتكبت عناصرها من جرائم قانونية ومفاسد أخلاقية، ودائماً وأبداً كانت قوات الاحتلال الأجنبي فوق كل القوانين والاعتبارات السياسية والأخلاقية، وهو المشهد المؤسف الذي سعت القوانين الدولية الحديثة إلى القضاء عليه نهائياً، وألزمت كل دولة من دول العالم بأن تحترم سيادة الدول والشعوب الأخرى على أراضيها.
وتابع د. حسن قائلاً: للأسف الشديد الخطوة المخزية التي أقدم عليها النظام القطري تعيد دول المنطقة العربية إلى الوراء، وتجعل من المواطنين القطريين بمثابة «مواطنين من الدرجة الثانية»، وتعطي لعناصر الجيش التركي المنتشرة على الأراضي القطرية فرصة تجاوز القوانين والأعراف والتقاليد القطرية، وربما الاعتداء على المواطنين القطريين وممتلكاتهم، مادام أنهم غير خاضعين للعقاب من قبل النظام القضائي القطري، فضلا عن أن الاتفاقية العسكرية تجعل من الأتراك بمثابة «الخصم والحكم» في نفس الوقت، وتجعل من القطريين «المهضوم حقهم»، ولا تستطيع حكومتهم إنصافهم ورد كرامتهم.

خسارة الرهان
بدورها، أدانت د. هدى راغب عوض، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، رضوخ النظام القطري لشروط وإملاءات حليفها التركي، مؤكدة أن النظام القطري بهذه الاتفاقية العسكرية تخلى عن سيادة بلاده، واستباح كرامة شعبه من أجل تحقيق مصالح سياسية خاصة به.
ولم تستبعد د. هدى أن تكون رغبة قطر في مواجهة أزمة المقاطعة سبباً رئيسياً في قبول هذه البنود والشروط المجحفة الواردة في الاتفاقية العسكرية، حيث توهم النظام القطري بأن في مقدور تركيا أن تكون بمثابة «حائط الصد» الذي يضمن بقاؤه ويحميه من الضربات الموجعة المترتبة على المقاطعة، مؤكدة أن النظام القطري خسر الرهان على الأتراك، وأوقع نفسه في ورطة كبيرة، وجعل بلاده تخضع لاحتلال «مقنع» من قبل الجيش التركي ومن قبله الجيش الأميركي وقوات الحرس الثوري الإيراني.
وقالت : بكل المقاييس تعد الاتفاقية العسكرية بين الدوحة وأنقرة مجحفة للشعب القطري، وتمس سيادة قطر على أراضيها، وتجعلها دولة «ناقصة السيادة»، وهو مصطلح تعارف عليه فقهاء القانون الدولي وخبراء العلاقات الدولية، ويقصد به الدولة الخاضعة لإشراف دولة أخرى أو تقوم بمشاركتها في مباشرة بعض شؤونها الداخلية أو الخارجية، وذلك بناء على علاقة قانونية أو اتفاقية معينة تحد من سيادتها داخليا أم خارجياً سواء أكانت تلك العلاقة القانونية برضاها أو من دون رضاها، وهو الأمر الذي ينطبق تماماً على الحالة القائمة الآن بين تركيا وقطر بعد توقيع الاتفاقية العسكرية.
وأضافت د. هدى: الأمر الذي يثير الدهشة والسخرية أن النظام القطري منذ بدء سريان إجراءات المقاطعة في 5 يونيو 2017، لم يتوقف لحظة واحدة عن التغني بسيادة بلاده، والادعاء ــ كذبا وزوراــ أن دول المقاطعة الأربع تريد أن تنتهك سيادة بلاده، وممارسة الوصاية على الشعب القطري، ويتخذ من ذلك مبرراً وحجة لعدم قبوله بمطالب الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب لإنهاء أزمة المقاطعة، وفي الوقت الذي يتغنى فيه النظام القطري بنغمة السيادة المزعومة نراه هو ينتهكها بأفضح الصور والأشكال بعدما حول أراضي دولته إلى ما يشبه معسكر كبير يضم قواعد عسكرية لدول أجنبية مثل أميركا وتركيا وإيران، ولا تخضع هذه القواعد الأجنبية للقانون القطري، وإنما تخضع لقوانينها الخاصة، الأمر الذي يجعل عناصر هذه القواعد فوق مستوى القوانين القطرية، وبالتالي تفعل ما تشاء في الوقت الذي تريده حتى ولو كان ذلك مخالفا للقوانين والأعراف والتقاليد القطرية، وهنا تختفي نغمة السيادة القطرية المزعومة في ظروف غامضة، ولا نرى لها ضجيجاً عبر شاشات وصفحات الإعلام القطري.
وكان د. محمد عبدالقادر خليل، مدير برنامج تركيا بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قد أعد ورقة بحثية حول التحالف القطري ـ التركي، أوضح فيها أن الاتفاقية العسكرية الموقعة بين الدوحة وأنقرة نصت على إنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر، وتدريب قوات الأمن القطرية، عبر إجراءات تضمنت تحويل عشرات الجنود الذين كانوا موجودين على الأراضي القطرية فعليا إلى آلاف الجنود الأتراك تتراوح أعدادهم ما بين 3000 إلى 5000، مع إنشاء قيادة عسكرية يقودها قطري بشكل شرفي وصوري وجنرال تركي بشكل عملي وحقيقي، بالتزامن مع إرسال فريق مكون من نحو 30 شخصاً لمكافحة المتفجرات. كما شمل الاتفاق العسكري تسخير كل الأجواء والموانئ والمعسكرات والطائرات والمجال الجوى القطري تحت إمرة القوات التركية، وتوفير دعم مالي سريع قُدر بنحو 8 مليارات دولار.
وأوضح د. خليل أنه في أعقاب إعلان الدول الأربع (الإمارات والسعودية والبحرين ومصر) عن قطع علاقاتها مع الدوحة، قامت أنقرة بتشكيل غرف عمليات أمنية ودبلوماسية تبنت سياسات استهدفت وأد أية تحركات غير تقليدية، سواء على الساحة الخليجية أو الداخلية القطرية، بغرض الحفاظ على معادلة الحكم القطرية القائمة، وضمان عدم تقديم الدوحة أية تنازلات تؤثر في نمط التحالف القائم بين البلدين، وبناء على ذلك، انطلق سيل من التصريحات التركية بشأن الأزمة،استهدف الترويج لفكرة أن الأزمة «مفتعلة»، وتتأسس على تصريحات قطرية «مفبركة»، وذلك بالتزامن مع التنديد بما أطلقت عليه أنقرة «حصار» خليجي للدوحة، وأعلنت رفضها له، والعمل على إحباطه، عبر تسيير رحلات جوية مكثفة، وإرسال شحنات بحرية محملة بالبضائع والسلع، فضلا عن إيفاد مستشارين عسكريين، ومعدات وعناصر عمليات خاصة لتأمين المنشآت الحيوية القطرية، وقد باتت الدوحة أسيرة السياسات التركية بالمطلق.

اقرأ أيضا