الاتحاد

دنيا

«لا يربى الأبطال على أسرّة من ريش»

قد نفرط أحياناً في تدليل الأطفال وهدهدتهم، فيتحول الأسلوب من نعمة إلى نقمة إن صح التعبير، فمسألة تلبية طلبات الطفل التي لا تحكمها قيود أو توازن تخلق لدى الطفل نوعا من الحتمية في تحقيق متطلباتهم لدى الأبوين، والتي تخلق لديه كنتيجة منطقية نوعا من الاتكال على الغير والتعود على التنعم دون تحقيق أي جهد منه وفقدان للمسؤولية الحقيقية؛ وقد تتطور الحالة عند البعض الآخر من المدللين إلى حالة من عدم الثقة بالنفس وعدم القدرة على إنجاز أمر ما لشعوره بالنقص عن الآخرين.
وفي ذلك قال الحكماء «إنك لا تربي القادة والأبطال على أسرة من ريش»، ويقصد من هذه الحكمة أن الأبوين لا بد أن يعلموا أبناءهم أن الحياة كفاح وتعب وصبر ومصابرة فالطفل المدلل لا يشعر بأهمية العمل والاعتماد على النفس، ولا يتقن فن السعي والدأب في الحياة لتعوده على الاتكال؛ لذا لابد على الوالدين إتقان فن التعامل مع أبنائهم في تربيتهم الذي يبدأ بتعويدهم على الاعتماد على الذات والمحاولة في إنجاز أمر ما فلا تقل له (أنت صغير عندما تكبر ستفعل كذا) بل ادفعه إلى فعل الأشياء التي أصبح قادرًا فعلاً على أدائها وإن أخطأ فيها مرارا سينجح المرة التي بعدها وأشعره بقيمة النجاح في كل شيء يقوم به وأن هذا النجاح ما هو إلا ثمرة الجهد وتنظيم الوقت.
وعلمه تنظيم الوقت وحدد له موعدًا للاستيقاظ من النوم وفطنه أن النوم وسيلة لغاية فقط وأن لا يحول حياته إلى نوم وسهر، وبهذه الطريقة تقتل في نفسه الكسل وتحوله إلى شخص ذي نفع لنفسه وأسرته ومجتمعه، ويد يعتمد عليها في إنجاز المهام وإن كانت صغيرة؛ أعطه مصروفه بيده وعلمه كيف يديره، وليكن مصروفه بالشهر مثلاً وإذا أخطأ في أمر ما عاقبه بحرمانه ولا تتساهل حتى يتعلم المرة التي تليها. كن قاسياً إذا لزم الأمر ولكن بحكمة، وكن كالنسر الذي يبني عشه من الحجارة والزجاج وورق الأشجار والريش ليعلم فراخه على القسوة والجلد التي تلفها حالة من الحب وكوني كالأم التي تدفع فراخها من أعلى القمم ليندفع بسرعة شديدة إلى أسفل حتى يبدو الأمر أنه سيلقى حتفه على الصخور، وفي اللحظة الأخيرة تندفع إلى أسفل وتتلقى صغيرها على ظهرها، وتكرر هذه العملية إلى أن يتعلم الصغار الطيران بأنفسهم.
من القصص والعبر يحكى أن هناك شيخاً جليلاً يأتي إليه الطلاب من كل مكان لينهلوا منه العلم وكان أحد طلابه شاب فقير لا يملك المال فجاء إلى شيخه ليستأذنه في أن يسافر ليطلب المال فأذن له الشيخ بأن يذهب.. فشد الشاب رحاله وسافر ومر على منطقة صحراوية وجد فيها طيراً جريحاً ملقى على الأرض ولكن ما زالت فيه الحياة رغم ما أصابه من جراح! فاستغرب كيف أمكنه العيش هنا مع هذه الجروح؟
اهتم الشاب لأمر الطير فأخذ يراقبه فترة من الزمن فإذا بطير آخر يأتيه ويجلب له الطعام فأخذت هذا الشاب الدهشة وقال سبحان الله الذي يرزق الطير في الصحراء سيرزقني وأنا عند الشيخ فأخذ رحاله ورجع إلى شيخه وحين رآه الشيخ سأله ما لذي أعادك بهذه السرعة؟ فأخبره بما رأى وقال الذي رزق هذا الطير في الصحراء سيرزقني وأنا عندك أيها الشيخ... سكت الشيخ قليلا ثم قال:«يا بني لماذا اخترت أن تكون الطير الجريح ولم تختر الطير القوي ؟ يا بني كن أنت صاحب اليد العليا ولا تكن صاحب اليد السفلى».

Maary191@hotmail.com

اقرأ أيضا