الاتحاد

تقارير

مصير الجنوب السوداني

توصلنا في مقالنا الأخير إلى حقيقة أن احتمال انفصال جنوب السودان عن شماله قد يكون هو الأقرب عند ما يحين موعد تقرير مصير الجنوب في الأول من شهر يناير من عام 2011. ولأهمية القضية، وعدنا بمواصلة الكتابة فيها، وها نحن نفصل هنا.
إن انفصال الجنوب، إذا ما وقع، ستكون له تداعيات بالغة الخطورة والتعقيد، وهو ما لم ينل حتى الآن حقه من التقدير الكامل لاسيما من جانب الحزب الأكبر في حكم السودان، وهو «المؤتمر الوطني». إن أبرز وأهم نتائج الانفصال أن شطرين مهمين من السودان سيطالبان بحكم ذاتي قريب من الاستقلال أو اللحاق بالجنوب. أولهما جبال النوبة أو ما يعرف بإقليم جنوب كردفان، وثانيهما منطقة جنوب شرق السودان الواقعة على مداخل النيل الأزرق للسودان والمعروفة بديار قبائل «الأنْقَسَنا» وآخرين. ولا غرابة في توقع ذلك؛ لأن كتلة كبيرة من أبناء هاتين المنطقتين كانت حليفاً أساسياً لـ»الحركة الشعبية لتحرير السودان» (التمرد الجنوبي السابق) في حربها ضد السلطة المركزية في الشمال. بل إن ذلك التحالف مازال قائماً، وبعض زعماء هاتين المنطقتين تحدثوا علناً عن نية الانفصال عن الشمال إذا اختار الجنوبيون ذلك. أما التداعيات الأخرى فكثيرة، منها الداخلي، أي الموقف بين القطر الجديد المحتمل (الجنوب) ونظيره المحتمل (الشمال)، ومنها آثار الانفصال على عدد من الأقطار المجاورة، مثل إثيوبيا وأوغندا وغيرهما، والتخوف من انفصال له سمة عرقية واضحة في السودان المجاور. هناك أسئلة ملحة ستثار في حال انفصال الجنوب منها مثلاً: 1 - ماذا عن ديون السودان الخارجية، وعلى من يقع كاهل سدادها؟ وكيف يكون تقاسم ذلك؟ 2 - الموارد والأصول المملوكة للدولة في داخل السودان وخارجه، كيف سيتم التصرف حيالها؟ 3 - اتفاقيات السودان الخارجية، وأولاها اتفاقية مياه النيل مع مصر الموقعة في عام 1959، كيف سيكون الوضع بالنسبة لها ولغيرها من الاتفاقيات؟ 4 - النفط، وكثير منه ينتج في الجنوب وينقل عبر الشمال إلى ميناء بورتسودان، كيف سيكون الاتفاق حوله؟ هل ستبقى الحال كما هي أم سيفكر الجنوبيون في أن يصدروا نفطهم عبر موانئ كينيا، رغم أن ذلك سيكلف إعادة إنشاء خط جديد للأنابيب؟ هذه أسئلة تشير إلى بعض التداعيات والمشاكل المنتظرة إذا ما حدث أن انفصل الجنوب عن الشمال، وهو أمر لم يجد ما يستحق من البحث والمناقشة، رغم أنه في تقدير كثيرين أهم عشرات المرات من الإعداد للانتخابات وما إليها، أي الأمر الذي يتركز اهتمام المعارضة والحكومة حوله في الوقت الحالي. وإذا كانت تلك هي المشاكل والقضايا التي تهم «السودان المنفصل» عن «السودان الأصل»، في حال انتصار خيار الانفصال، فإن هناك مشاكل تنتظر «الحركة الشعبية لتحرير السودان» التي تقود الحكم في الجنوب، حالياً، وإذا وقع الانفصال كذلك. وعلى رأس تلك المشاكل، الصراع القبلي العتيق بين قبائل الجنوب، ورفض كثير من قبائل الجنوب لسيادة قبيلة «الدينكا»، كبرى قبائل الجنوب وأغناها، والتي تنتسب لها أغلبية القيادات في «الحركة الشعبية» بشقيها المدني والعسكري. بقي لي أن أقول إن آخر ما حدث في أمر انفصال جنوب السودان عن شماله هو حديث أعلنه «سلفاكير»، النائب الأول لرئيس الجمهورية رئيس حكومة الجنوب، والذي قال إن الرئيس الليبي معمر القذافي أعلن له في زيارته الأخيرة لطرابلس أن ليبيا ستؤيد الجنوب إذا انفصل وأنها تعتقد أن الجنوب كان ينبغي أن ينفصل عند إعلان الاستقلال في عام 1956. هذا الحديث أثار الدهشة في السودان وحاولت سفارة ليبيا في الخرطوم نفيه، لكن آثاره مازالت باقية رغم أن المسؤولين السودانيين أحجموا عن التعليق. وبعد، فإنه إذا بقي الجنوب ولم ينفصل، فالأمر سيكون سهلاً للغاية، أما إذا انفصل، فإن لذلك تداعياته، وهو ما حاولنا توضيحه.
محجوب عثمان

اقرأ أيضا