الاتحاد

تقارير

أفغانستان... استراتيجية جديدة لهزيمة «طالبان»

كسب ثقة الأهالي... مهمة صعبة في أفغانستان

كسب ثقة الأهالي... مهمة صعبة في أفغانستان

في الوقت الذي ترسل فيه الولايات المتحدة المزيد من جنودها إلى أفغانستان لإخماد العنف المتنامي هناك، تعتمد تلك القوات بشكل متزايد على النموذج المعروف بمكافحة التمرد والقائم على «تطهير المنطقة والتمسك بها ثم بنائها لاحقاً»، بحيث تأمل الولايات المتحدة أن تؤدي الزيادة المرتقبة إلى إزاحة عناصر «طالبان» من بعض المناطق وتسجيل حضور مستمر في المناطق المحررة لمنع عودة المسلحين، ثم التركيز في مرحلة تالية على تنمية المنطقة لكسب التأييد الشعبي. بيد أن هذه المهمة ليست سهلة، كما يقول الجنود المنتشرون في محافظة «ورداك»، بالنظر إلى الصعوبات التي تعترض تطبيق النموذج المطلوب، فهم يشتكون من الحلقة المفرغة التي يدورون فيها، إذ يتطلب كسب السكان المحليين من الجنود أن ينمّوا المنطقة ويضمنوا لها الأمن والمستقبل الاقتصادي، غير أن هذا الأمر مرتبط بتراجع قوة المتمردين وانحسار نفوذهم، وهو ما يستدعي مرة أخرى استمالة الأهالي وإقناعهم بعدم التعامل مع المسلحين لتستمر الحلقة إلى ما لا نهاية. ويبدو أن القوات الأميركية تمكنت فعلاً من إحراز بعض التقدم في المرحلة الأولى من استراتيجية مكافحة التمرد بعدما أمّنت الطريق الرابطة بين كابول وقندهار، والتي تمر بمحافظة «ورداك»، لتختفي نقاط التفتيش التي أقامتها «طالبان» طيلة شهور عديدة في السابق، وقد ألحق هذا الوجود الكثيف لـ»طالبان» على الطريق ضرراً جسيماً بحركة النقل إلى درجة أن قوافل السيارات كانت تتعرض لهجوم يومي من المسلحين مثلما حصل مطلع السنة الجارية في هجوم دام تسعين دقيقة على قافلة للشاحنات دمرت على إثره أربعين شاحنة. لكن من غير الوارد حدوث هجمات مماثلة اليوم بسبب الانتشار الكثير للدوريات الأميركية على الطريق، وهذا ما تؤكده «روشناك ورداك»، إحدى عضوات البرلمان في منطقة «سيد آباد» بقولها: «لقد أصبحت الطريق اليوم آمنة خلافاً لما كانت عليه في السابق عندما سيطرت «طالبان» على المنطقة».
لكن تطهير المناطق الأفغانية ليس سوى المرحلة الأسهل ضمن استراتيجية مكافحة التمرد التي تسعى القوات الأميركية إلى تطبيقها في أفغانستان، بحيث يقر الجنود الآن بأنهم في حاجة حقيقية إلى مزيد من الوقت والصبر لتطوير علاقاتهم مع الأهالي ونيل تأييدهم في معركة كسب القلوب والعقول، وقد يستغرق ذلك شهوراً إن لم يكن سنوات. وفي هذا السياق، يقول الرقيب «آدام كابشوس» من الفرقة العاشرة في الجيش الأميركي: «علينا أن نكسب ثقة الأهالي بأن ندعم المستشفيات ونعزز الاقتصاد، وليس أمامنا خيار آخر أفضل من هذا»، ولإنجاح ذلك انخرط الجنود في زيارات ميدانية إلى القرى بهدف الاختلاط أكثر بسكانها، وهو ما يقوم به أمامنا أحد جنود الدوريات مبادراً تاجراً أفغانياً بالسؤال عندما مر أمامه: «كيف حركة السير هذا اليوم؟» فأجابه التاجر «إنها جيدة عموماً». لكن السؤال الأهم كان حول ما يزعج الرجل الأفغاني، وما إذا كان ثمة شيء يمكنه أن يقدمه على وجه المساعدة؟ فرد التاجر بأنهم لا يستطيعون النوم في الليل بسبب المروحيات الأميركية التي تحلق فوق القرية، ليتعهد الجندي برفع المشكلة إلى رؤسائه. غير أن هذه الجهود ليست بالكافية، حسب «حبيب الله رافع»، وهو محلل سياسي بأكاديمية كابول للعلوم، الذي يرى أن الدوريات الأميركية لا تكفي لإقناع الناس بأن الجنود هنا لمصلحتهم، إذ يعيش معظم الجنود في مراكز محصنة وصغيرة بالقرب من المدن فيما يقطن أغلب الأفغان في المناطق الريفية، فعلى سبيل المثال لا يتجاوز عدد السكان الحضر في ولاية «ورداك» 0.5 في المئة من مجموع السكان. ويضيف «حبيب الله» أن «السكان المحليين في القرى ينظرون إلى الأميركيين ليس كحلفاء، بل كمحتلين، كما أن الكثيرين منهم ليس لهم أي اتصال بالأميركيين فيما يبقى وجود (طالبان) ملموساً بشكل واضح». ولمواجهة هذه التحديات، يحاول القائد الجديد للقوات الأميركية في أفغانستان الجنرال «ستانلي ماكريستال» انتهاج مقاربة جديدة تقوم على تقريب الجنود من المناطق السكنية التي يفترض بهم حمايتها، وسيكون على الجنود العيش في مراكز صغيرة تنتشر وسط القرى والتجمعات السكانية في خطوة شبيهة بتلك التي طبقت في العراق وساهمت في خفض وتيرة العنف. لكن البعض يحذر داعياً إلى ضرورة توخي أقصى درجات الحذر حتى تنجح الاستراتيجية، لاسيما ضمن ثقافة تقدر كثيراً الخصوصية، بحيث يتعين على القوات الأميركية احترام التقاليد العائلية والعادات المحافظة للسكان تجنباً لأية حساسيات، وهو ما تعبر عنه البرلمانية «روشناك ورداك» بقولها: «لقد اشتكى بعض الناس في القرية من بناء قواعد أميركية بالقرب من بيوتهم ويتخوفون من أن الجنود قد ينتهكون حرمات المنازل». والمشكلة أنه حتى عندما تُطرد عناصر «طالبان» من إحدى المناطق فإنها تعاود التجمع في مناطق أخرى استعداداً لشن المزيد من الهجمات، فعلى سبيل المثال نجحت القوات الأميركية في إخراج «طالبان» من منطقة «جالريز»، إلا أنهم تجمعوا في منطقة قريبة ورصوا صفوفهم لمعاودة القتال، وفي أحيان أخرى كانت القوات الأميركية تكتفي فقط بالسيطرة على مركز المنطقة مثل «جاغاتو» التي أدارتها «طالبان» وكأنها إقطاعية بعدما أقاموا فيها محكمة وجهازاً إدارياً بدائياً. ومازال الأميركيون في مرحلة انتزاع المناطق من أيدي المسحلين وتثبيت وجودهم فيها، وهو أمر يوضحه أحد مسؤولي الاستخبارات الأميركية مرتبط بالجيش الأميركي في أفغانستان قائلاً: «لن يكون سهلاً بناء وجود أميركي دائم في سيد آباد، وربما نستطيع فقط السيطرة على بعض المناطق المحدودة، لا سيما في المراكز، فيما ستبقى الأطراف خاضعة للمتمردين».
أناند جوبال - أفغانستان ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا